أشارت بعض الصحف إلى الترجمة الإنجليزية لكتاب (حياة محمد)، وإلى أن أصول هذه الترجمة التي لم تُطبَع بعدُ موجودة تحت يد السيد آبا إيبان سفير إسرائيل في واشنطن.

ولهذه الترجمة قصة نضعها تحت نظر القراء، فقد تولى منذ أكثر من عشر سنوات الدكتور عبد الخالق سليم، الطبيب بطنطا، نقل الكتاب من العربية إلى الإنجليزية، فلما فرغ منها أحاطني علمًا بما صنع، وطلب إليَّ أن نتعاون في نشرها، وكنا يومئذٍ زميلين في مجلس الشيوخ، فشكرت له مجهوده الضخم وسألته رأيه فيما إذ كان يوافق على أن يراجع الترجمة أديب إنجليزي غير متأثر بالأصل العربي وبعقيدته الدينية، تأثر الزميل الكريم بهما، ووافقني الدكتور عبد الخالق، فدفعت الترجمة إلى مستر «باكستر» فراجعها أثناء اصطيافه في قبرص، ثم أعادها إليَّ، وتم ذلك بعد قليل من إتمام الدكتور عبد الخالق سليم الترجمة. وبعد أشهر من تسليمي النسخة التي تمت مراجعتها، دُعِيت للاستماع لمحاضرة يلقيها المستشرق الإنجليزي، كابتن إيبان، في الاتحاد المصري الإنجليزي، وأحدث سكرتير الاتحاد، الأستاذ يوسف الريدي، التعارف بيني وبين كابتن إيبان، وكان يومئذٍ أستاذًا للغة العربية بجامعة لندن، وذكر الرجل كتابي (حياة محمد) وأثنى عليه، وقال إنه قرأه غير مرة، فذكرت له ما حدث من ترجمته إلى الإنجليزية، ومن مراجعة مستر باكستر له، وأشرت إلى أنني أرجو أن أجد في إنجلترا ناشرًا يتولى طبعه ونشره. قال إيبان: أنا مستعد لمراجعة الترجمة مرة أخرى، وسأعود إلى لندن عما قريب، وسأبحث فيها عن ناشر يتولى طبع الكتاب.

ودفعت إليه النسخة التي أعادها إليَّ مستر باكستر، فأخذها معه إلى لندن، وبقيت أنا بمصر أنتظر كلمة أطمئن بها إلى أن الكتاب قُدِّم للطبع والنشر، ومرت الشهور يتلو بعضها بعضًا، ثم سافرت إلى نيويورك سنة ١٩٤٧ لأحضر الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وإنني لَهُناك إذ أخبرني الدكتور محمود فوزي — وزير الخارجية الآن، وكان يومئذٍ مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة وعضو وفد مصر لدى جمعيتها العمومية — أن الكابتن إيبان قَدِم من إنجلترا إلى أمريكا، وأنه يريد أن يراني لنتحدث في أمر الترجمة الإنجليزية لكتابي (حياة محمد) وطريقة نشرها، سواء في إنجلترا أو في أمريكا.

وزارني إيبان بحضور الدكتور محمود فوزي، وتحدثنا في أمر الكتاب ونشره، وقد ذكر لي أن ضخامته وأزمة الورق في إنجلترا وتحديد «الكوتا» التي يحصل عليها كل ناشر حالت دون الطبع، وأنه متى عاد إلى إنجلترا سيبذل جهدًا آخَر لهذا الغرض يرجو أن يكون أكثر توفيقًا فيه.

لم تكن إسرائيل قد أُنشِئت إلى يومئذٍ، وكان وفد مصر وسائر الوفود العربية في الأمم المتحدة يقاوم إنشاءها، وكان المستشرق إيبان هذا إنجليزي الجنسية، ولا يزال أستاذًا بجامعة لندن، فلما أُنشِئت إسرائيل وقامت الحرب بينها وبين الدول العربية، لم تُتَحْ لي فرصة الاتصال بالمستشرق إيبان في لندن ولا في غير لندن لأعرف منه مصير الترجمة الإنجليزية (لحياة محمد)، وقد بقيت أصولها عنده، ثم إنني علمت أنه انضم إلى إسرائيل وأصبح المتحدث باسمها في الأمم المتحدة، ثم أصبح سفيرها في واشنطن. أأستطيع مع ذلك أن أتصل به لأسأله عن أصول الترجمة الإنجليزية لكتابي، أم أن ما بين مصر وإسرائيل من خصومة عنيفة يحول دون هذا الاتصال، وبذلك تجني السياسة على العلم … لا ذنب للعلم ولا للكتاب فيما حدث.

ومن يومئذٍ أمسكت عن التفكير في الاتصال بالمستر إيبان.

سألني الدكتور محمود فوزي مصادفةً عن ترجمة كتابي ومصيره، فذكرت له أن الوضع السياسي حال بيني وبين الاتصال بإيبان، وأضفت أني لا أحسب وزارة الخارجية المصرية تستطيع في هذا الأمر شيئًا.

وأشار عليَّ صديقٌ منذ أيام أن أطلب إلى ممثل اليونسكو في مصر أن يتولى الاتصال بإيبان نيابةً عني، وأعجبتني الفكرة، لكني بقيت إلى اليوم متردِّدًا في تنفيذها، رغم ما بيني وبين ممثل اليونسكو في مصر من مودة. والآن هل يشير عليَّ صاحب رأي فيما يجب أن أفعل بعد أن شرحت الأمر هنا؟ إنني أكون شاكرًا لصاحب هذا الرأي أجزل الشكر.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.