للأدب مع السياسة قصة مثيرة في عهد الثورة، ذات تعاريج وارتفاعات وانخفاضات، جرت مقاديرها بيد التخطيط تارة، وبيد المناخ والظروف والملابسات تارة أخرى، وتعددت الآراء فيها تبعًا للمواقف المختلفة، والأهواء المتضاربة، ولعله لم يكن من الممكن استخلاص فكرة موضوعية عنها قبل أن يخطو التاريخ خطوة حاسمة، وتصبح معالم طريقها الأساسية صالحة للمشاهدة عن بعد معقول. في مطلع الثورة، وبعد أن تقرر مصيرها بيد الحكم المطلق، واختفى من أجهزة الإعلام أي صوت معارض، وقف الأدب يتلمس طريقه المحفوف بالمخاطر بحذر شديد، ومضى الأدب الحر يتحايل على التعبير من وراء أقنعة ورموز مؤْثرًا ذلك على الصمت أو النفاق، ولا أعتقد أن سرَّه خفيَ عن أعين السلطة، ولا أنها عجزت عن البطش به لو أرادت، ولكن لعلها وجدت في نقده المستتر محاسبة ذاتية لا رفضًا لجوهر رسالتها أو خصومة جذرية لها، أو لعلها وجدت أن الدائرة التي تدور فيها الثقافة ضيقة محصورة لا تشكل خطرًا حقيقيًّا، ولا وزن لها في توجيه الرأي العام، أو لعلها رأت لسببٍ ما أن تخفف من قبضتها عن الأدب فتدعه متنفَّسًا ينفع ولا يضر، بل وقد تستغله في الدعاية ضد من يرمونها بالدكتاتورية، وخاصة في الخارج. وأيًّا ما كان الأمر فقد تمتع الأدب بحرية نسبية لم يتمتع بها صوت آخر، فدوى وسط الصمت الرهيب الشامل كانفجار مباغت لفت إليه أنظار المكبوتين الملهوفين على كلمة صدق، أو إشارة نقد، فهرعوا إليه من كل جانب، وبذلك ضم إلى جمهور قرائه الأصليين جمًّا غفيرًا من ضحايا السياسة والبطش، أقبلوا ربما لأول مرة في حياتهم على متابعة الروايات ومشاهدة المسرحيات بذهول وانفعال شديدين، متهامسين بمغزاها، متعزين بها عن صوت المعارضة المفقود والنضال الموءود، وبذلك الدور الإضافي الذي لعبه الأدب تضخم حجمه الطبيعي، وترامت أبعاده، واستفحل أثره فحقق نجاحًا جماهيريًّا لم يكن ليتأتى له بعضه لو تُرك وشأنه.

وجاء العهد الثاني للثورة فقام بإنجازين كبيرين كان لكل منهما أثره الفعال في الأدب، وإن لم يكن الأدب في ذاته ضمن مخططاته؛ فأولًا: قد قام بما عرف بثورة التصحيح، ملتمسًا سبيلًا جديدًا في رحاب الديمقراطية وسيادة القانون، والإفراج عن الرأي الآخر، ولأول مرة منذ زمن طويل تردد الصوت المعارض عاليًا صريحًا في الصحف والمجلات، ومزق الستار عن خبايا العهد السابق وفظائع معتقلاته وسجونه، وخسر الأدب نتيجة لذلك وظيفته الإضافية ونجاحه المرحلي، ولم يعد للرمز السياسي معنى، ولا كان في استطاعة الأدب أن ينافس المعارضة الصريحة في معارضتها اليومية، فتراجع درجات ليحتل منزلته الطبيعية بين المثقفين، ولكن تراجعه الطبيعي لم يَبْدُ وقتها تراجعًا طبيعيًّا، وخُيِّل للكثيرين أن ثمة نكسة أصابته، فأوهت أركانه وحدَّت من نشاطه.

وثانيًا: فإن العهد الجديد اعتنق سياسة جديدة نحو اليسار في الخارج والداخل، وأعلن بلا تردد ألا مكان ليساري في أي جهاز من أجهزة الإعلام، ولما كان اليساريون يشكلون جمهرة لا يستهان بها في عالم الأدب فإن مصادرتهم قد أضافت مزيدًا من الضعف إلى النشاط الأدبي الذي لم يكن قد أفاق بعد من هبوطه إلى حجمه الطبيعي فازداد الحال تردِّيًا وتدهورًا، حتى أساء البعض الظن بالسلطة واتهمها بتعمد القضاء على الثقافة والمثقفين. والحق أنه لم يوجد تعمد ولا سوء قصد، ولكنها السياسة، أحسنت إلى الأدب مرة بدون قصد، وأساءت إليه مرة بدون قصد كذلك، ثم أدركه عصر التليفزيون والفيديو والتعليم السيئ، فبلغ السيل الزُّبَى كما يقال، فسقط في هاوية اللامبالاة برغم استمرارية أجياله المتعاقبة في العطاء، وتفتُّح شبابه عن مواهب جديدة امتازت بالجودة والكثرة معًا.

واليوم تقف السياسة من الأدب موقفًا حياديًّا مقرونًا بالتشجيع، فهي تترك جميع المواهب لتتفتح ولا تضن عليها بالجوائز والتقدير والتكريم، وترحب بها وبإنتاجها في أجهزة إعلامها المختلفة، أجل لم تخلُ الساحة من عقبات عنيدة مثل مشكلة الكتاب والأزمة الاقتصادية، وسوء التربية، وتدريس اللغة العربية في مدارسنا، بالإضافة إلى موجة عنيفة من الرجعية تجتاح مجتمعنا مهددة كل نشاط فكري حر، وأخيرًا وليس آخرًا يربض التليفزيون كمنافس ساحر وخطير للقراءة بصفة عامة، وللقراءة الأدبية بصفة خاصة، فعلى الأدب أن يقتحم جميع هذه العقبات ليستعيد حجمه الطبيعي، أو على الأقل ليحافظ على الحجم المقسوم له في الحضارة الحديثة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.