لست أخاف على نهضتنا الأدبية شيئًا كما أخاف عليها الغلو في إكبارها، والإعجاب بها، والاطمئنان إليها، ولعلي من أجل هذا الخوف أكره التفكير فيها، والوقوف عندها، وتناولها بشيء من الدرس والتحليل، فهي نهضة قوية من غير شك، لها من الخصب حظٌّ عظيم، تناولت آدابنا القديمة فأحيتها، ثم لم تقف عند هذا الإحياء بل أضافت إلى تلك الآداب القديمة آدابًا حديثة لم يعرفها القدماء، ولم يفكروا فيها، وهي ماضية في إحياء الأدب القديم، وإنشاء الأدب الحديث، يُصيبها الفتور من حين إلى حين، ويدركها الضعف من وقت إلى وقت، ولكنَّها لا تلبث أن تخلص من هذا الفتور، وتبرأ من هذا الضعف، وتمضي في طريقها نشطة قوية لا تلوي على شيء، وهي من هذه الجهة خليقة بالإكبار والإعجاب حقًّا.

فليست قصيرة هذه الطريق التي قطعناها منذ أواسط القرن الماضي، وليس قليلًا هذا الجهد الذي بذلناه منذ أول هذا القرن، وليس يسيرًا هذا التوفيق الذي ظفرنا به منذ وضعت الحرب الأخيرة أوزارها. وليس من شك في أنَّ هذا كله خليق أن يُثير فينا شيئًا من الرضى يوشك أن يبلغ التيه، وأن يدفعنا كارهين إلى أن نلقي على المرآة نظرة لا تخلو من حب للنفس وثقة بها.

ولكني على ذلك — أو قل لذلك — أكره هذه النظرة؛ لأنِّي أخاف أن تفتننا، وتستهوينا، وتضطرنا إلى حب المرآة، وإطالة النظر فيها، والانصراف إلى هذه الصورة التي تعكسها لنا عن الطريق البعيدة التي لا بد من أن نمضي فيها حتى نصل إلى غايتها إن كانت، وما أظن أنَّ لها غاية تنتهي إليها. ومن ذا الذي يستطيع أن يحد الطريق التي يسلكها الطامحون إلى مُثلهم العليا؟ ثُمَّ إنِّي لست واثقًا بأنَّ الصورة التي ستعكسها لنا المرآة — إنْ نظرنا فيها — جميلة كل الجمال، محببة إلى النفوس من جميع نواحيها، ولعلي واثق بأنَّ بعض نواحيها لا يخلو من عيب شديد بغيض، وأنا أخشى إنْ وقفت أبصار الناظرين في المرآة عند هذه العيوب أن تسوءهم، وتلقي في نفوسهم شيئًا إلا يكن يأسًا فليس بعيدًا من اليأس. لذلك أحببت، وما زلت أحب للأدباء أن يمضوا في طريقهم محيين للأدب القديم، منشئين للأدب الحديث، دون أن يقفوا، أو دون أن يُطيلوا الوقوف، ودون أن ينظروا في المرآة، أو دون أن يُطيلوا النَّظر في المرآة، لعلهم يأمنون شرَّ الفتنة بقوتهم، وشرَّ اليأس من ضعفهم، فهم في حقيقة الأمر مُعرضون لهذين الشرَّين جميعًا.

ولكنَّ «الهلال» تُحبُّ دائمًا أنْ تتعرف إلى أيِّ حد بلغت النهضة، وإلى أي حد انتهى نشاط الأدب والأدباء، وهي بذلك تضطرنا إلى هذا الوقوف الذي لا أحبه، وإلى هذا النظر في المرآة الذي أكرهه للأدباء، ولكن إذا طلبت «الهلال» إلينا أن نقف، أو أن ننظر في أنفسنا، فهل نستطيع أن نأبى عليها، أو أنْ نُخالف ما تريد؟

ومن يدري لعل «الهلال» موفقةٌ إلى الصواب حين تطلب إلينا من وقت إلى آخر أن ننظر إلى الطريق التي قطعناها لعلنا نجد من طولها وعرضها وخصبها ما يبعث فينا قوة، ويجدد فينا نشاطًا، ويدفعنا إلى أن نمضي أمامنا لا كسلين ولا يائسين.

ولست أدري لماذا طلبت «الهلال» إليَّ أن أُبيِّن ما ينقص نهضتنا من أسباب القوة، ولم تطلب إليَّ أن أُبَيِّن ما يُزيِّن هذه النهضة من مظاهر الكمال. بل لست أدري لِمَ اختارت الهلال أن تجعلني ترجمانًا عن العيب مصوِّرًا لمواضع الضعف، وآثرت غيري من الكتَّاب بموضوعات أخرى يسرهم أن يدرسوها، ويكتبوا فيها، ويسر غيرهم من النَّاس أن يقرءوا درسهم إياها وتصويرهم لها؟ أهو مكر من «الهلال» بي وكيد لي، أم هو ثقة وحسن ظن؟ فإن تكن الأولى فإني خليق أنْ ألقى مكرًا بمكر وكيدًا بكيد، وإنْ تكن الثانية فإني خليق أنْ أشكر للهلال حسن رأيها فِيَّ وحسن ظنها بِي.

وأكبر الظن أنَّ «الهلال» قد جمعت بين المكر وحسن الظن، فلأمكر بها كما مكرت بي، ولأجزل لها الشكر كما أحسنت بي الظن.

ولأسجل قبل كل شيء لأردَّ على «الهلال» مكرها أنَّ نهضتنا آية من آيات هذا العصر الحديث يكاد فهمها وتفسيرها يكون أبعد من أن تناله العقول، ويظفر به التفكير الطويل، فقد خلقنا أنفسنا خلقًا جديدًا، وأكرهنا العالم الأوروبي لا على أن يعترف بنا، ويؤمن لنا بالحياة الخصبة المنتجة فحسب، بل على أن يحسب لنا حسابًا، ويستيقن بأنَّ العالم الحديث لن يستطيع أن يعيش بغير جهودنا، ولا أحد يستغني عن مشاركتنا في احتمال هذه الأعباء الثقال التي تفرضها الحضارة على الشعوب الراقية.

ويكفي أنْ نقرأ ما يكتبه المستشرقون عن جهودنا في الإحياء والإنشاء لتوافقني على أنَّنا لم نبقَ كما كنَّا من قبل شعوبًا لا يُفكر فيها الغربيون إلا من حيث إنَّها أدوات تستغل، وتستذل، وتسخر في سبيل المنافع والمآرب التي يسعى إليها الاستعمار، وإنَّما نحن شعوب قد استيقنت الأمم الغربية بأنَّها قد أفلتت من يدها، وآمنت بنفسها وحقها. فهذه الأمم الغربية لا تكاد تتعزى عن إفلاتنا من يدها، ولكنَّها مع ذلك تُحاول ما استطاعت أن تجد الوسيلة لا لإذلالنا واستغلالنا، فلم يبقَ إلى هذا من سبيل؛ بل لتنظيم الصلة بينها وبيننا على أحسن وجه يلائم منافعها وأغراضها وآمالها في الحياة. كل ما تقرؤه في كتب المستشرقين وفصولهم الطوال التي تنشرها المجلات، والتي تتناول حياتنا الحديثة، وآدابنا الحديثة، إنَّما تُمهد لهذا اليوم الذي لا بد من أن يجيء، ومن أن يجيء في وقت أقصر مما نظن ويظنون، والذي سيجد الغرب فيه نفسه أمام شرق قوي عزيز كله خصب، وكله إنتاج، وكله أمل، وكله عمل، ولا بد من أن تنظم معه صلات قوامها الاحترام والسلام.

فمن ظنَّ أنَّ هذه النهضة التي انتهت بنا إلى هذه المنزلة، والتي ستنتهي بنا بعد قليل إلى حيث ينظر إلينا الغرب كما ينظر الند إلى الند، والنظير إلى النظير؛ أقول من ظنَّ أنَّ هذه النهضة يسيرة، أو ضئيلة، فهو مسرف في الطمع لا يعرف لآماله حدًّا تقف عنده أو تنتهي إليه. وأنا أحد هؤلاء المسرفين الذين يرضون عمَّا وصلنا إليه من الرقي، ولكنَّهم مع ذلك يأبون أن يقنعوا به، أو يطمئنوا إليه، أو يروه لائقًا بما نستحق وبما نستطيع من التقدم والرقي، فأنا راضٍ ساخطٌ معًا! ومن هذا الرضى وهذا السخط يأتلف لي مزاج فيه الابتسام والعبوس، وفيه التفاؤل والإشفاق. ولعلك إنْ سألتني عمَّا يسخطني ويبعث في نفسي الخوف والإشفاق بعد أن عرفت ما يرضيني ويبعث في نفسي الأمل والرجاء، لم تجد عندي جوابًا يقنعك، ولكنَّه يقنعني أنا، ويدعوني لا إلى اليأس ولا إلى الوقوف، بل إلى الأمل وإلى الجهاد الذي لا يعرف مللًا ولا فتورًا.

فنهضتنا على كل هذا الفوز الذي ظفرت به تنقصها أشياء أساسية لا بقاء للنهضة من دونها. وليس الغريب أننا لم نكمل هذا النقص أو لم نتبينه، وإنَّما الغريب أنَّنا نهضنا ومضينا في نهضتنا برغم هذا النقص حتى انتهينا من الرقي حيث نحن الآن، ولكننا فيما أظن قد بلغنا طورًا من حياتنا الأدبية لا يمكن أن نعدوه إلا إذا تبينا مواضع الضعف في حياتنا، وبذلنا ما نملك من قوة وجهد لإصلاحها والتخلص من آثارها السيئة.

وأظهر مواضع الضعف في نهضتنا الأدبية الخالصة أربعة فيما أظن:

الأول: أنَّ اتصالنا بأدبنا القديم ضعيف لم يبلغ ما ينبغي له من القوة، فكثير جدًّا من أدبائنا يعرفون من الأدب الأجنبي أكثر مما يعرفون من الأدب العربي. فالذين يأخذون بحظ من الثقافة اللاتينية يحدثونك في تفصيل دقيق، وإطالة ممتعة عن الأدباء اللاتينيين، وآثارهم، وخصائصهم، فإذا سألتهم عن أدبائنا القدماء فقليل منهم — أستغفر الله — قليل جدًّا بينهم من يستطيع أن يُطيل معك الحديث. وقل مثل ذلك في أدبائنا الذين تثقفوا بالأدب السكسوني، وقد فرغ الناس من إثبات أنَّ كل حديث لا قيمة له ولا غناء فيه إذا لم يعتمد أصدق الاعتماد على الأدب القديم، فنحن في هذه الحال التي نحن فيها الآن نبني في الهواء، ونقيم أدبنا الحديث على غير أساس، ولا بد من مضاعفة النشاط في إحياء الأدب القديم ونشره وتوثيق الصلة بينه وبين الأدباء المحدثين حتى يشعروا شعورًا قويًّا بأنَّه أدبهم لا أدب آبائهم وأجدادهم، وبأنَّهم محتاجون إلى أن يستمدوا منه القوة والحياة.الثاني: أنَّ أدباءنا لم يوفقوا إلا إلى ثقافة محدودة من الأدب الأجنبي نفسه، فهم بين متأثر بالأدب اللاتيني لا يكاد يعدوه إلى غيره، ومتأثر بالأدب السكسوني لا يكاد يعدوه إلى غيره، وذلك نقص قبيح لا بد من إكماله والتخلص من شرِّه؛ هو نقص؛ لأنَّه يضيِّق أفق الثقافة والمعرفة، وهو نقص؛ لأنَّه يوشك أن يفني شخصية الأديب وقرائه في هذا الأدب اللاتيني أو السكسوني الذي يتأثره ويكاد يفنى فيه. والأديب الخليق بهذا الاسم جدير أن يأخذَ بأعظم حظ ممكن من الثقافات الأدبية المختلفة؛ ليتم بذلك شخصيته، ويوسع بذلك أفقه، ويعصم بذلك نفسه من الفناء والغلو في التقليد.الثالث: أنَّ أدباءنا الذين يُحسنون الأدب الأجنبي يُحسنونه طولًا وعرضًا، ولا يحسنونه عمقًا — إن صح هذا التعبير الغريب — فهم يجهلون الآداب القديمة التي أنشأت هذا الأدب الأجنبي الحديث. يجهلون الأدب اليوناني واللاتيني كما يجهلون الأدب العربي، أو أكثر مما يجهلون الأدب العربي. فهم يستطيعون على كل حال أن يقرءوا آثار العرب في لغتها، ولكنَّهم لا يستطيعون أن يقرءوا آثار اليونان والرومان إلا في التراجم، وقليل منهم من يقرؤها في التراجم. ولست أدري لماذا أعجز كل العجز عن أنْ أصدق أنَّ إنسانًا يستطيع أنْ يُتقن شيئًا من الأشياء إذا لم يتقن أصله الذي نشأ منه، وينبوعه الذي فاض منه. وأنا أعلم حق العلم أنَّ في أوروبا قومًا ممتازين لا يحرصون على درس الأدب القديم، ولكنِّي أحبُّ ألا يخدع أدباؤنا بهذا الميل الظاهر عند هؤلاء الأوروبيين، فهم لا يريدون أن تكون الآداب القديمة، واللغات القديمة فرضًا على كل المثقفين، كما كانت من قبل. ولكنَّهم لا يستطيعون أن يتصوروا أديبًا خليقًا بهذا الاسم إلا إذا أحسن هذه الآداب القديمة، وأتقن درسها والعلم بها. وأنا أبعد الناس عن أن أفكر في فرض الآداب القديمة على طلابنا جميعًا، أو على المثقفين عندنا جميعًا، ولكنِّي أحرص النَّاس على أن يأخذ أدباؤنا المنتجون من هذه الآداب القديمة بحظ معقول.الرابع: أنَّ أدباءنا لا يحفلون بالعلم، ولا يأخذون أنفسهم بدرسه والإلمام بطائفة حسنة منه — ومن جهل العلم — ولا سيما بعض العلم — فقد جهل الحياة. ولست أدري كيف يستطيع الأديب أن يكون أديبًا حقًّا دون أن يكون أدبه صورة من صور الحياة، ولست أدري كيف يستطيع الأديب أن يُصوِّر الحياة وهو يجهلها ولا يعرف من أسرارها ودقائقها ولا من ظواهرها وقوانينها شيئًا.

ولعل هذه الأنواع التي أشرت إليها من الضعف هي التي تعلل ما نشكو منه جميعًا، وما يأخذنا به المستشرقون من أنَّ أدبنا الحديث مصنوع غير مطبوع، ومتكلف غير مصور لحياتنا. فلو قد عظم حظنا من العلم بالأدب العربي القديم، ولو قد عظم حظنا من العلم بأنواع الأدب الحديث على اختلافها، ولو قد عظم حظنا من العلم بالأصول الأولى لهذا الأدب الحديث، ولو قد أخذنا من العلم الخالص بحظٍّ معقول، لو قد كمل لنا هذا كله؛ لما استطاعت الحياة أن تمر بنا — أو لما استطعنا نحن أن نمر بالحياة — ونحن عنها غافلون، لو كمل لنا هذا كله؛ لحيينا حقًّا، ولتأثرنا بالحياة حقًّا، فأحسسنا ما فيها من لذة وألم، ومن عظة وعبرة، وما يدعو إلى البحث والتفكير. ولو قد أحسسنا هذا كله؛ لما استطعنا أنْ ننصرف عن تصويره، وأن نبلغ من ذلك ما نُريد.

فأنت ترى أنَّنا رغم هذه العيوب القبيحة قد استطعنا أن ننهض، وأن نحدث لأنفسنا أدبًا معاصرًا خليقًا بالإكبار والإعجاب! فكيف بنا لو محونا هذه العيوب، وأكملنا هذا النقص، ووضعنا أنفسنا من أدباء الغرب بحيث وضعوا أنفسهم وأبينا أن نلقاهم فنعجز عن فهمهم إذا قالوا، وعن التحدث إليهم إذا انتظروا منا الحديث؟

بديع أن نبلغ ما بلغنا على نقص الأسباب، وضعف الوسائل، وقصور الأدوات، ولكن أبدع من هذا وأروع أن نشعر بما في نهضتنا من الضعف فنزيله، ونضع مكانه القوة والخصب والنشاط. وكم أتمنى أن نأخذ في أسباب ذلك منذ الآن، وكم أتمنى بعد أن تمضي أعوام غير طوال أن تعود الهلال فتعرض عليَّ مثل هذا الموضوع، إذن لا أتهمها بالمكر، ولا أخاف منها الكيد، ولا أتحرج من أن أجيبها إلى ما تريد سعيدًا بإجابتها إليه مغتبطًا بتسجيل ما نكون قد وفقنا إليه من فوز لا يذكر بجانبه ما نسجله الآن.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.