في مختبر المركز الطبي لمستشفى سينسيناتي للأطفال توجد سلسلة من الكتل الصغيرة في طبق بتري. إنها بيضاء اللون ومجوفة وفي حجم حبات البازلاء؛ إنها مَعِدات.

مقطع مستعرض للغشاء المبطِّن لأعضاء تشبه المعِدة الطبيعية.
مقطع مستعرض للغشاء المبطِّن لأعضاء تشبه المعِدة الطبيعية.

في الواقع إنها نماذج مَعِدات مستنبَتة داخل المختبر. لقد توصل طالب الدراسات العليا كايل مكراكين إلى طريقة لصنع هذه النماذج من خلال جعل الخلايا الجذعية تنتج نسيج المعدة، وهو إنجاز لم ينجح أحد حتى الآن في تحقيقه. لقد بدت النتائج مثل الكُرَات الصغيرة، لكن الخلايا تمكنت — وهي تنمو بطريقة ما — من تنظيم نفسها في تكوين يشبه الشكل التقليدي للمعدة الحقيقية؛ فقد كوَّنت الطبقات الصحيحة والثنيات والتجاويف وتفعِّل عمل الجينات المعتادة. يقول جيم ويلز، الذي أشرف على هذه الدراسة: «إنها ليست مجموعات مختلطة من الخلايا، فهي للعجب تبدو مثل مَعِدات مصغرة.»

إن هذه التخليقات، المعروفة باسم أشباه المعدات، قريبة الشبه بالأعضاء الفعلية أكثر من خلايا المعدة المستزرَعة، التي تفتقر إلى وجود تكوين ثلاثي الأبعاد، أو فئران المختبر، التي لا تعاني من أمراض المعدة مثلما نعاني نحن. لن تساعدك هذه التكوينات على هضم الوجبات، ولكنها تفتح الباب أمام تجارب لم يكُن من الممكن إجراؤها من قبل.

على سبيل المثال، نحن نعلم أن أمراض مثل القُرَح وسرطان المعدة تسببها في الغالب بكتيريا تسمى الملوية البوابية. إن هذا النوع من الميكروبات الحلزونية صاحَب الإنسان منذ أصوله الأولى في أفريقيا، ويصيب غالبية البشر عادة. إنه يستوطن أجسامنا في أثناء مرحلة الطفولة ويبقى معنا لعقود، بل ويساعدنا على تنظيم الأحماض في المعدة، إلا أنه قد يسبب بعض الأمراض في وقت لاحق من الحياة.

درس كثير من العلماء هذا النوع من البكتيريا وكيف يؤثر في المعدة لعقود، حتى إن البعض حصل على جائزة نوبل عن جهوده. إلا أن اللحظة التي يستوطن فيها هذا الميكروب المعدة في سن صغيرة، وهو أول لقاء بين العائل والبكتيريا، لا تزال لغزًا يأمل ويلز أن تستطيع هذه الأعضاء الشبيهة بالمعدات التوصُّل إلى حله. يقول ويلز: «نستطيع الآن أن نقول: أيتها البكتيريا، هيا ادخلي إلى المعدة، ثم نرى ماذا سيحدث.»

إن هذه الأعضاء الشبيهة بالمعدات الحقيقية هي الأخيرة في سلسلة متنامية من «الأعضاء المستنبتة في المختبر»؛ فقد استخدم علماء آخرون الخلايا الجذعية من أجل استنبات نسخ من العديد من الأعضاء الأخرى، منها العينان والأمعاء والكليتان وحتى المخ. إلا أن استنبات المعدة انطوى على تحدٍّ استثنائي؛ لأن الفريق لم تكن لديه خريطة واضحة يسير وفقًا لها.

على مدى عقود من العمل، رسم الباحثون مخططًا دقيقًا للجينات والجزيئات التي تحوِّل الخلايا الجذعية إلى مختلف الأعضاء، واتبعوا هذه الخطوات لترشدهم في تصنيع أعضاء شبيهة بالأعضاء الحقيقية، إلا أن المعدة لا تحظى بكثير من الاهتمام مقارنة بالأعضاء المجاورة لها الأكثر شهرة مثل الكبد أو البنكرياس. يقول ويلز: «لم يكن لدينا مخطط جيد لطريقة تشكُّل المعدة.» لقد كان عليهم التوصل إلى هذا بأنفسهم.

على سبيل المثال، أوضح مكراكين أن جينَيْ WNT3A وFGF4 يعملان معًا من أجل إقناع كرة من الخلايا الجذعية بتكوين أنبوب معوي، وهو أنبوب بدائي يصبح في النهاية الجهاز الهضمي بأكمله. ينقسم الأنبوب المعوي إلى ثلاثة أقسام، وتتكون المعدة من القسم الأول: الأمعاء الأمامية. ومن أجل القيام بهذا كان لزامًا على الفريق إبطال عمل جين يدعى BMP يحدد تكوين القسمين التاليين. بطريقة مماثلة كان على مكراكين تحديد جينات ومواد كيميائية تخبر العضو الشبيه الذي ينمو بأن يكوِّن بطانة معقَّدة مليئة بالغدد التي تفرز عصارات هضمية، وبخلايا تفرز هرمونات تتحكم في الشهية.

حتى الآن لا يزال هذا العضو الشبيه بالمعدة غير مكتمل النمو، فهو يشبه معدة جنين في الشهور الثلاثة الأخيرة من الحمل؛ لذا فهو يفتقر إلى بعض السمات الموجودة في معدة الإنسان البالغ. كذلك فإنه يمثل جزءًا واحدًا فقط من المعدة — غار المعدة — الذي يربطها بالأمعاء. يعمل الفريق حاليًّا على إنتاج الجزء الآخر، وهو قاع المعدة الذي يفرز الأحماض.

إلا أن هذه الأعضاء التي تشبه المعدات على حالها هذا يمكن بالفعل استخدامها في إجراء التجارب. اكتشفت يانا زافروس، أحد أعضاء الفريق، أن هذه المعدات تتفاعل مع بكتيريا الملوية البوابية تمامًا مثلما تفعل المعدة الطبيعية، فتلتصق البكتيريا بالأغشية المبطنة لها وتحث على نمو المزيد من الخلايا، لكن هذا يحدث فقط إذا كانت تحمل جينًا يسمى CagA. يصنع هذا الجين نوعًا من البروتين تستطيع هذه البكتيريا حقن خلايا عائلها به حتى تمارس تأثيرها عليها. إنه جين من أجل التفاعُل، والسلالات التي تحمل هذا الجين ربما تتسبب في الإصابة بسرطان المعدة والوقاية من سرطان المرِّيء. يمكن لهذه الأعضاء الشبيهة بالمعدة أن تساعد العلماء في دراسة كلا هذين التأثيرين.

يمكن أيضًا إضافة الطابع الشخصي عليها؛ فيستطيع فريق ويلز أخذ خلايا من جسمك وإعادتها إلى خلايا جذعية، واستنبات نسخة مصغرة من معدتك داخل طبق اختبار.

إن لهذا الأمر إمكانات كبيرة؛ فمثلًا يمكننا من خلاله رؤية كيف تؤثر السلالات المختلفة من بكتيريا الملوية البوابية على أناس من مختلف أنحاء العالم. فنحن نعلم أن التوافق بين العائل والميكروبات أمر مهم؛ ففي بعض المناطق ترتفع معدلات إصابة الناس بسرطان المعدة لأنهم يحملون سلالات من بكتيريا الملوية البوابية لم تكن موجودة لدى أسلافهم. قد يتمكن العلماء، باستخدام هذه الأعضاء الشبيهة بالمعدات الحقيقية، من معرفة السبب في هذا، أو حتى معرفة إن كانت السلالة الموجودة لديك من هذه البكتيريا ستسبب مشكلات في معدتك أنت.

A Personalised Mini-Stomach, Grown in a Dish by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. October 26, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.