ألقيتُ أمس خطابًا في البنك الدولي حول استراتيجيات النموِّ الجديدة، كان إلى حدٍّ ما شرحًا تفصيليًّا لما أُورِدُه في هذه التَّدوينة القصيرة. ذهبتُ في خطابي إلى أن التصنيع قد استَنْفَدَ إلى حدٍّ كبير جدًّا طاقتَه باعتباره استراتيجية نموٍّ، وأنه ينبغي من الآن فصاعدًا التركيزُ على الخدمات، وهو ما سيتطلَّب بدوره عقليَّةً سياساتية مُختلِفة فيما يتعلَّق بكيفية زيادة الإنتاجية. على وجه التحديد، ذهبتُ إلى أن السياسات التي تركِّز على إنشاء سِلْسلةٍ من القطاعات الناجِحة — التي عملَتْ بكفاءة كبيرة في التصنيع (بدءًا من تصنيع الملابس إلى تصنيع مقاعد السيارات، والسيارات، والإلكترونيات) — ستُسْفِر عن مَرْدُودٍ أقلَّ بكثير في الخدمات، في ظلِّ انعدام قابلية المُتاجَرة لدى معظم القطاعات الخِدْمِيَّة.

وأشرت كذلك إلى أنه من شأن الاستراتيجية المُوجَّهة نحو الخدمات أن تُسْفِر — حتى في أفضل الظروف — عن نموٍّ أقلَّ مما حقَّقَتْه حلقاتُ التصنيعِ السريعِ السابقةُ.

أبدى الأفراد الذين تحدَّثتُ معهم بَعْد الخطاب قدْرًا واضحًا من المعارَضة (يُماثِل ما تَلقَّيْتُه على المقال الذي كتبتُه على موقع «بروجيكت سينديكت»)؛ إحدى الحُجَج التي سمعتُها تذهب إلى أن الحدَّ الفاصل بين التصنيع والخدمات لم يَعُدْ واضحًا، وهو أمر حقيقيٌّ قطعًا؛ إذ تُوجَد أدلة على أن القيمة الصناعية المضافة التي تظهر في الإحصاءات الوطنية هي في أغلبها خدمات؛ إما خدمات تتعلَّق بالبحث والتصميم، وإما خدمات ما بعد الإنتاج.

لكني لستُ متأكِّدًا من سبب تلك الأهمية الكبرى التي تُنسَب لتلك الحجة؛ فعلى العكس من ذلك، يؤدِّي ارتفاع المُحتَوى الخِدْمِي في التصنيع إلى جعل التحوُّلِ السابقِ لأوانه عن التصنيع أكثر لفْتًا للأنظار؛ مع ذلك، قد ينبِّهنا ذلك بالفعل إلى أن الفارق النِّسْبي قد لا يكمُن فيما بين الصناعة والخدمات، بل فيما بين الحديث والتقليدي، وبين ما هو قابل للمُتاجَرة وغير القابل للمُتاجَرة. أمَّا ما يُثير القلقَ في الدول النَّامِية فيتعلَّق بأنه على الرغم من الأداء الجيِّد للصناعات الحديثة القابلة للمتاجرة من منظور الإنتاجية، فإن تلك الصناعات تتوسَّع بمشقة لكن ليس بالسرعة المطلوبة لإحداث نموٍّ سريع يشمل الاقتصادَ كلَّه.

علاوة على ذلك تتَمحْوَر حُجَّة أخرى حول تحوُّل كثير من الخدمات في الواقع إلى خدمات قابلة للمتاجرة، وهو أمر حقيقي كذلك، مع أن معظم الخدمات القابلة للمتاجرة (مثل الخدمات المالية أو خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات) تعتمد بشدَّة على العَمَالة الماهِرة، وتخلق طلبًا ضئيلًا على العَمَالة غير الماهرة.

أما الحُجَّة الثالثة فتزعم أنه ما زال يُوجَد مُتسَع للدول المُنخفِضة الدَّخْل في أفريقيا وجنوب آسيا لتنويع صناعاتها، وهو أمر مُمكِن نظريًّا، لكن لماذا لا نراه يحدث؟ لماذا تتَّجه تلك الدول عِوضًا عن ذلك نحو التحوُّل عن التصنيع؟

ربما أُفرِط في التشاؤم، لكن تلك الحُجَج لا تُقْنعُني.

Services, Manufacturing, and New Growth Strategies by Dani Rodrik. Dani Rodrik's Weblog. October 15, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.