كان إسماعيل صدقي باشا — رحمه الله — يقول لمن يناقشونه في آرائه الفلسطينية: ماذا يصنع مليون أو مليونان مع أربعين مليونًا؟

وأذكر أنني قلت له يومًا بمجلس الشيوخ إن الصهيونية العالمية والظروف الدولية قد جعلتهم يوجهون سياسة الولايات المتحدة في مسألة إسرائيل على الأقل، وليس في الولايات المتحدة أكثر من خمسة ملايين بين مائة وعشرين مليونًا؛ فلماذا يهون خطبهم في هذه البلاد ونحن نعلم أنهم يعملون ومن ورائهم الاستعمار وعداوة الشرق والعرب والإسلام؟!

والحق أن محاباة إسرائيل قد بلغت بساسة الغرب حدًّا لا يُوصَف إلا بأنه احتقار للعقل البشري، وقلة اكتراث لكل اعتبار يُقدِّره الناظرون إلى العواقب، بغير هوى دخيل يذهل صاحبه عن الصواب.

ما هذا التوازن الذي أصبحنا نقرأ عنه في مسألة الأسلحة؟! وبأي مقياس من مقاييس التوازن يُطلَب من المصريين أن يقيسوا ضرورات الدفاع بل ضرورات الحياة؟

لا معنى للتوازن المطلوب إلا أن تكون إسرائيل وحدها مساوية في السلاح لجميع الأمم العربية.

فأي مخلوق في الشرق يستطيع أن يقبل لأمته هذه المهانة الأبدية إلى غير نهاية؟!

فإن لم يكن التوازن المطلوب بهذا المعنى؛ فمعناه الآخر شرٌّ وأدهى، ومطالبة العرب بقبوله لا يُقال عنه إلا أنه ضرب من الذهول عن كل ممكن مستطاع.

معناه الآخر أن يتفرَّق العرب باختيارهم لتكون إسرائيل وحدها كفئًا لهم متفرقين، وأن توازنهم إسرائيل لأنهم مفروض عليهم أن يتشتتوا أمامها في كل رأي وفي كل عمل.

أي إنسان يملك صوابه يظن أن مبدأ التوازن هذا صالح لأَنْ تدين به مصر، وتدين به الأمم العربية، وتدين معه بحسن النية من جانب الساسة الغربيين؟!

أي إنسان يملك صوابه يطلب من أربعين أو خمسين مليونًا أن يُوطِّنوا أنفسهم إلى الأبد على قوة لن تزيد يومًا على قوة إسرائيل؟!

وإذا كان وجود إسرائيل يكلف العالم كل هذه التضحية؛ فكيف يُراد بالعرب أن يجعلوا أنفسهم هذه الضحية باختيارهم؟!

وإنه لمن البديهي أن المطلوب في الكفاءة الحربية مطلوب كذلك في الكفاءة السلمية، فعلى أمم العرب إذن أن تَظَلَّ أبدًا محرومة من الصناعة والتجارة كي تستطيع إسرائيل أن تعيش بينهم بصناعتها وتجارتها ولا يستطيعوا أن يقابلوا قوتها الاقتصادية بمثلها.

عندنا في الصعيد مَثَلٌ يقول: «صاح به: ثم لأذبحك … فقال له: يا أخي هذا كلام يطير النوم …»

يا غرب … يا أيها العالم الذي يريد من هذه الأمم الشرقية المنكودة أن تطمئن إليه ولا تطمئن إلى الكتلة الشرقية … يا أيها الناس، لا تطلبوا منَّا أن ننام وأنتم تطيرون النوم من عيوننا، واحترموا عقولكم وعقول خلق الله في الشرق والغرب إن كنتم تحتقرون عقولنا.

واتزنوا قبل أن تفرضوا التوازن على عباد الله!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.