إذا ذُكرت الجامعة المصرية فَهِمَ منها كثيرٌ من الناس كلية الآداب. وكثير من الناس يريد أن يذكر كلية الآداب فيعبر عنها بالجامعة المصرية. وقد يستطيع أصحاب علم البيان أن يجدوا لهذا التعبير وذلك الفهم عللًا مقبولة سائغة من علمهم. فهناك المجاز الذي يطلق فيه اسم الكل على الجزء والذي يطلق فيه اسم الجزء على الكل، ولكن الأمر هنا لا يعدو أن يكون اختلاطًا مصدرُه فيما يظهر أن كلية الآداب عُرِفَتْ باسم الجامعة المصرية حين أُنشئت منذ نيف وعشرين سنة، واحتفظت بهذا الاسم ما بقيت حرة لا سلطان للحكومة عليها، فلما ضُمَّت إلى جامعة الدولة وأصبحت إحدى كلياتها الأربع التي تتألَّف منها الجامعة احتفظت باسمها القديم في أذهان كثير من الناس. وممَّا يسَّر لها احتكار هذا الاسم والاستئثار به دون الكليات الأخرى أنها ظلت في عهدها الجديد كما كانت في عهدها القديم شديدة الاتصال بجمهور الناس، وبلغت من ذلك ما لم تبلغه ولا يمكن أن تبلغه كلية أخرى من كليات الجامعة. فهي أكثر كليات الجامعة محاضرات عامة، يُلقى بعضها في الجمعية الجغرافية الملكية، ويُلقى بعضها الآخر في دُور التمثيل حين تضيق الجمعية الجغرافية بالمستمعين. وهذه المحاضرات تُلقى باللغات الثلاث: باللغة العربية والفرنسية والإنجليزية. وقَلَّما يوجد في القاهرة رجل متوسط الثقافة لا يفهم لغة من هذه اللغات. وهذه المحاضرات تتناول موضوعات عظيمة الخطر، لها صفتها العلمية العليا، ولها صفتها الأدبية الجذابة، وكلها متصل بحياة الناس من قريب، فهي تبحث عن قديمهم القريب أو البعيد إن كانت في التاريخ، وتبحث عن شعورهم وعواطفهم وعن ميولهم وأهوائهم، وعن أذواقهم ومَلَكات الجمال فيهم إن كانت في الأدب، وعن بيئاتهم ومواطنهم ومنافعهم إن كانت في الجغرافيا، وعن عقولهم ومَلَكاتهم ونُظُمهم وأطوارهم إن كانت في الفلسفة. فليس عجيبًا إذَن أن تتصل هذه المحاضرات — المتنوِّعة في لغتها، المختلفة في موضوعاتها — بجمهور الناس على اختلاف لغاتهم وجنسياتهم، وعلى تباين طبقاتهم ودرجاتهم الاجتماعية، وعلى تفاوُت حظوظهم من الثقافة والعلم. وأبواب كلية الآداب مفتوحة للذين يحبون العلم، ويريدون أن يختلفوا إلى دروسه اختلافًا منظَّمًا أو غير منظم، متصلًا أو مؤقتًا، لا يقيِّدهم في ذلك قيد، ولا يمنعهم منه مانع ما دام الظاهر من سيرتهم مقبولًا لا مغمز فيه. وهؤلاء المستمعون يُقبِلون مئات على الدروس المختلفة فيشاركون فيها الطلاب النظاميين، وهم أحرار لا يؤدون امتحانًا ولا يدفعون رسمًا ولا يكلفون مواظبة. وهم مختلفون، منهم المصري والأجنبي، ومنهم الشرقي والغربي، ومنهم المتوسط وذو الثقافة العالية. وإذا كتب أساتذة كلية الآداب كتبًا أو نشروا في الصحف والمجلات فصولًا طرقوا هذه الموضوعات التي يطرقونها في محاضراتهم العامة، والتي تمَس حياة الناس جميعًا، والتي يحسَب الناس جميعًا — مخطئين أو مصيبين — أن لهم بها إلمامًا قليلًا أو كثيرًا. فطبيعي إذن أن تكون كلية الآداب أظهر كليات الجامعة وأقربها إلى الجمهور، وأن تستأثر أحيانًا وهي ظالمة في غير عمد برضى الناس وثنائهم، وأن تختص أحيانًا أخرى وهي مظلومة بنقد الناس وإنكارهم. ولو أن الكليات الأخرى اتصلت بجمهور المثقفين اتصال كلية الآداب، فكثرت محاضراتها العامة وفهمها الناس وارتاحوا إليها، وفتحت دروسها ومعاملها للمستمعين والباحثين على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم وجنسياتهم؛ لَمَا ظهرت كلية الآداب ظالمة ومظلومة كما هي الآن. ولكن الأمر فيما يظهر ليس مقصورًا على كلية الآداب المصرية، إنما هو حظ كليات الآداب في أقطار الأرض جميعًا. فالناس يفهمون من جامعة باريس السوربون، وفيها مع ذلك كلية العلوم. وليست كلية الآداب الباريسية وحدها هي المجد العلمي لباريس، بل للكليات الأخرى من هذا المجد حظوظ لا تقل عن حظ كلية الآداب، وقد تربي عليها أحيانًا. ولكن الله أراد لكليات الآداب هذا المجد الخطِر، وهو أن تكون عنوان الجامعات، وأن تكون لهذا نفسه درقة تحتمي بها الكليات الأخرى وتتقي بها ما يوجه إلى الجامعة من سهام.

ومع هذا كله فالناس في مصر لم يفهموا بعدُ كلية الآداب على وجهها. وكثيرًا ما تمنَّت كلية الآداب لو جهلها الناس وأَغْضَوْا عنها كما يجهلون الكليات الأخرى ويغضون عنها. فهم يطلبون إليها أحيانًا ما لا تستطيع أن تنهض به. ألم يزعُم بعض الكتَّاب منذ أسابيع أنها لم تؤدِّ رسالتها لأنها لم تغير الحياة المصرية، ولم تقلبها ظهرًا لبطن، كأن كلية الآداب متى وُجِدَتْ يجب أن تحدث المعجزات، وأن تمس الشعب المصري بعصا سحرية، فإذا هو قد خُلِقَ خلقًا جديدًا. والناس لا يطلبون مثل هذا إلى كلية الطب ولا إلى كلية العلوم ولا إلى كلية الحقوق؛ لأنهم لا يزعمون لأنفسهم فَهم ما يدرس في هذه الكليات أو المشاركة فيه، بينما كلهم أديب وكلهم مؤرخ وكلهم فيلسوف.

لم يفهم الناس كلية الآداب على وجهها لأنهم لم يفهموا ما يُدرَّس في هذه الكلية على وجهه. وإنما يفهمون ما يُدرَّس في كلية الآداب يوم يعترفون بأن الأمر فيه كالأمر فيما يدرَّس في الكليات الأخرى. فليس هو شيئًا شائعًا يساهم فيه الناس جميعًا، وإنما هو علم كغيره من العلوم له مناهجه ومذاهبه التي لا يحسنها إلَّا أصحابها. فليس يكفي أن تكون شاعرًا أو كاتبًا لتكون أستاذًا في الأدب. وليس يكفي أن تفهم كتابًا في التاريخ لتكون مؤرِّخًا. بل ليس يكفي أن تكون مؤرخًا لتكون أستاذًا للتاريخ. وليس يكفي أن تكون فيلسوفًا لتكون أستاذًا في الفلسفة.

يوم ترتفع العلوم التي تُدرَّس في كلية الآداب عن أن تكون نهبًا للناس جميعًا وشركة بين الناس جميعًا، يساهم فيها القادر والعاجز، ويقضي فيها الجاهل والعالم. أقول يوم ترتفع علوم كلية الآداب عن هذه المنزلة يمكن أن نقول إن الناس قد فهموها وأقرُّوها في نظامها الطبيعي.

وقد نشأ عن سوء فهم الناس لكلية الآداب أنهم لم يقدِّروا حاجتها وطاقتها ونفعها ومكانتها من حياة مصر. فأمَّا المسرفون فيكلِّفونها شططًا كما رأيت. ولكنَّ هناك قومًا هم أشد خطرًا على كلية الآداب من هؤلاء المسرفين، وهم الذين يرون كلية الآداب إنما هي نوع من أنواع الترف، وفن من فنون اللهو التي لا تحتاج إليها البلاد إلَّا بعد أن تستكمل حاجاتها الضرورية الأخرى. فالطب ضروري لأنه يمس صحة الناس، وعلم القانون ضروري لأنه يمس مصالحهم أمام القضاء، والعلوم التجريبية ضرورية لأنها تمس صناعة الناس وزراعتهم وتجارتهم. فأمَّا الآداب فيحتاج إليها الناس في أوقات الفراغ. وما حاجتنا إلى التاريخ أو إلى الفلسفة ننصرف إليها عن حياتنا اليومية المنتجة!

فأمَّا الأدب شعره ونثره فليس إلَّا كلامًا، وتستطيع أن تثِق بأن هذا النحو من التفكير شائع جدًّا في مصر، وتستطيع أن تذهب إلى بعض المكاتب في وزارة المعارف وفي وزارة المالية فتجده قويًّا عنيفًا، مستعدًّا دائمًا للقص من جناحَيْ كلية الآداب والغض من قدرها. ولا تكلف نفسك جدالًا ولا محاورةً، فلن يغني عنك الجدال ولا المحاورة. ولا تقُل لهؤلاء الناس إن الحياة الأدبية الصالحة قوام الحياة العلمية الصالحة، وإن العلوم التجريبية لا تنتج إلَّا في بيئة حظها من الآداب عظيم. لا تقل شيئًا من هذا، فسينغضون إليك رءوسهم، ويقولون: كلامٌ لا يغني ولا يفيد. ولو أن سخط الساخطين على كلية الآداب وجهل الجاهلين وَقَفَا عند السخط والجهل لهان الأمر، ولكنهما يتجاوزان ذلك إلى إنشاء المصاعب وبث العقبات في سبيل كلية أقل ما توصف به أنها القوام الصحيح للحياة العقلية في هذا البلد الناهض. فالغرض الأساسي الذي قُصِد إليه الذين أنشَئوا كلية الآداب — وعلى رأسهم حضرة صاحب الجلالة ملك مصر — إنما هو إحياء العقلية المصرية، ومنحها هذه القوة الخصبة المنتجة التي تدفعها إلى أن تحيا وإلى أن تحب الحياة، وتفهمها، وتأخذ بأسبابها الصحيحة في جميع أنحائها. وإنما يكون ذلك يوم يوجد المصري الذي يفهم ويذوق ويحب أرقى ما يمتاز به الإنسان من طموح إلى المثل الأعلى في الأدب والعلم والفن.

إلى هذا قصد الذين أنشَئوا الجامعة المصرية القديمة، وكانوا موفَّقِين كل التوفيق. وإلى هذا يقصد الذين يشرفون على أمر الجامعة الآن، وهم موفَّقون كل التوفيق أيضًا. وإذا لم يكن بدٌّ من أن أذكر هنا بعض الذكريات الخاصة التي لا تُنسى لجلال خطرها وارتفاع شأنها عن النسيان، فلأذكر ذلك العطف الملكي السامي الذي شملني به حضرة صاحب الجلالة ملك مصر يوم عدت من أوروبا شديدَ العناية بدرس الآداب اليونانية واللاتينية، وعرف مني — أيده الله — هذا الميل، فحمِد فيَّ وشجعني على المضي فيه تشجيعًا ماديًّا ومعنويًّا حتى وضعت أول كتاب لي في هذه الآداب تحت رعايته العالية، ورفعته هدية إلى سُدَّتِهِ الكريمة. ومنذ ذلك الوقت لم تضعف عناية جلالته بهذا النوع من الأدب القديم في كلية الآداب. فبفضله وبفضله وحده جعلت الدراسات القديمة جزءًا من برنامج الدرس في الكلية؛ ذلك لأن جلالته أقدر الشرقيين جميعًا على فَهم هذه الحقيقة القيمة، وهي «أن مصر لن تنهض حقًّا، ولن تبلغ ما تريده من الحضارة الحديثة إلَّا إذا استخرجتها من معدنها، واستقتها من ينبوعها، وإنما معدنها وينبوعها أدب اليونان الرومان.»

نعم، ولن تنهض مصر وتبلغ من الحضارة الحديثة ما تريد محتفظة بشخصيتها وكرامتها إلَّا إذا عَرَفَتْ قديمها فأحيته، ووصلت بينه وبين الجديد، واتَّخذت من هذا وذاك مزاجًا صالحًا هو قِوام الحياة الصالحة التي لا تَفنى في القديم فتجمد، ولا تفنى في الجديد فتضيع.

نعم، ولن تبلغ مصر من الحضارة الحديثة ما تريد إلَّا يوم تزول فيها الفروق العقلية بين أبنائها، فيفهمون الأشياء فَهمًا متقاربًا، ويحكمون عليها حكمًا متشابًها، ويشتركون في الحس والشعور والتقدير. وكلية الآداب وحدها هي التي تسعى بمصر إلى تحقيق هذه الأغراض، وهي تفهم حق الفهم رأي منشئها ورغبته، ولن تقصِّر في تحقيق هذا الرأي العالي وهذه الرغبة السامية مهما تعترضها المصاعب والعقبات؛ لأنها تستمد من إخلاصها في خدمة العلم والوطن ومن تأييد المليك لها ما يُمكِّنها من التغلُّب على كل ما سيعترضها من المصاعب والعقبات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.