لما اشتعلتِ الحربُ العالميةُ الكبرى راح أناس من أدبائنا يتغنون بالسلام الشرقي والعدوان الغربي، وينعون على الحضارة الأوروبية هذه الحروب التي لا تُخمَد لها نار.

وكاتب هذه السطور من الذين يفندون دعوى الغربيين في رجحان العقول والطبائع، ومن الذين أبطلوا «الخصوصيات» المزعومة لثقافة اليونان رُوَّاد الحضارة الغربية في رأي الأوروبيين.

وقد كان أناس مِنْ كُتَّابنا ينخدعون بالمزاعم الأوروبية التي خصت اليونان بمزية التفكير الخالص لوجه العلم والمعرفة، ويُردِّدون هذه المزاعم كأنها حقيقة مفروغ منها غَنِيَّة بذاتها عن التعليل والتدليل! ومقطع الحق فيها أن الفروق بين الشرقيين والغربيين فروق تاريخية اجتماعية تَعْرِض لجميع العقول على اختلاف الخَلْق والتكوين، فالغربيون حجروا على العلم حين قامت بينهم الكهانات القومية التي تستند إلى سلطان الدولة، والشرقيون فعلوا ذلك يوم قامت دولهم وكهاناتهم في مصر والعراق والهند، وإنما تقدَّمَ الزمنُ بسلطان الدول والكهانات في الشرق؛ لأن الحضارات القديمة بكهاناتها العريقة قامت على شواطئ الأنهار الكبار، فكانت دول الشرق أقدم من دول الغرب في التاريخ.

إن أثينا حَكَمَتْ بالموت على أبي الفلاسفة سقراط، وإن فلاسفة اليونان الأُوَل كانوا يتكلمون بالألغاز فرارًا من رقابة الكهان.

أما آداب اليونان في العلاقات بين الأمم، وهم رُوَّاد الحضارة الأوروبية كما يقول المؤرخون الأوروبيون، فهي أسوأ الآداب التي عُرِفت في هذه العلاقات حتى الآن.

ولم تكن تلك الآداب مقصورة على العلاقات بين اليونان ومن يسمونهم بالبرابرة، ولا بين اليونان والشرقيين، ولا بين اليونان وأهل مصر وأبناء البلاد الآسيوية، ولكنها كانت آدابهم مع أبناء الجزر في البحر الإغريقي، ومنها جزيرة ميلوس التي اشتهرت بأجمل تماثيل الزهرة في الفن القديم.

فلما أرادت أثينا أن تسطو على تلك الجزيرة جاءها الرُّسُل يسألون أقطابها عن الذنب الذي جنوه؛ فقال لهم أقطاب الأثينيين: ماذا تطلبون؟

قالوا: نطلب العدل!

فسخر الأقطاب وقالوا لهم: إنما العدل بين الأكفاء، ولكن القوي يفعل ما يشاء، والضعيف يرضى بما لا بد منه!

قال الميليون: إنكم تتنكرون للعدل، وليس هذا في مصلحتكم؛ لأنكم إذا انهزمتم يومًا لم يكن في وسعكم أن تلجأوا إليه …

قال الأثينيون: دعونا نجازف بهذه التجربة، وانظروا ما نحن فيه اليوم، نحن نريد أن نخضعكم بغير مشقة علينا، وخير لكم أن تتجنبوا المقاومة، فذلك أسلم لكم وأجدى.

قال الميليون: أَخَيْرٌ لنا أن نصبح عبيدًا؟!

قال الأثينيون: نعم؛ فذلك ينقذكم من مصير أسوأ من الاستعباد.

قال الميليون: ألا يرضيكم أن نبقى في سلام ونظل لكم أصدقاء؟

قال الأثينيون: كلا؛ إننا لا نريد صداقتكم لأنها شاهدة بضعفنا، على حين أن بغضكم لنا شاهد بقوتنا، فاذكروا أن المسألة معكم هي مسألة البقاء واتقاء الفناء وأننا نحن الأقوى!

قال الميليون: ليس الحظ في جانب الأقوياء على الدوام، ولنا أمل — إذا نحن بذلنا غاية الوسع — أن نظل قائمين.

فكان جواب الأثينيين الأخير: «حذار الأمل الكاذب، ولا تكونوا كجهلاء الغوغاء الذين يُعلِّقون أملهم على المجهول غير المنظور — كالدين وما شاكله — حين تخذلهم صوادق الآمال، فاستمعوا لنصحنا واربأوا بأنفسكم عن سبيل هذه الحماقة، واذكروا أنكم لم تقدموا في كل ما قلتم حجة واحدة مما يستند إليه أناس عمليون.»

هذه رواية «ليو سديد» للحوار الذي دار بين قومه ووكلاء تلك الجزيرة في بحر اليونان، ولم تبلغ الآداب الإنسانية بين الأمم أسوأ مما بلغته عند رواد الحضارة الغربية التي يفخر بها الأوروبيون!

لكننا — مع هذا الرأي في الآداب الأوروبية قديمها وحديثها — نَكْره الفخر الرخيص، ونَكْره أن نبني أعمالنا على فخر كاذب ينهار بكل ما يُبنَى عليه.

فليس الشرقيون ملائكة وليس الغربيون أبالسة، ولم تكن حضارة الشرق خلوًّا من الحروب، وليست حضارة الغرب في زماننا خلوًّا من المحاسن ولا من طلاب السلام.

فلما كتب بعض الأدباء منا يتغنون بالسلام للشرق قلنا لهم: على رِسْلِكم؛ فإننا على قلة سلاحنا قد ملأنا القواميس والمعجمات بأسماء السيف والسنان والدرع وما إليها من السلاح الهزيل، ولو جمع الغربيون أسلحتهم بأسمائها لما أدركوا بها نصف أسماء السلاح الشرقي في العصر القديم.

نحن أصحاب عيوب والغربيون أصحاب عيوب، وليس الفخر الكاذب سبيلًا إلى إصلاح عيب أو كسب مفخرة، وبهذه العقيدة نُعقِّب على كتاب الباحث الفاضل الدكتور «زكي نجيب محمود» الذي سماه «شروق من الغرب»، وقال في مقدمته: «من الغرب تمنيت لو أشرق على بلادي شعاع من نور … من الغرب الذي شاءت له إرادة الله يكون في عصرنا مبعث المدنية ومنارها، فيه يُنتَج العلم والفلسفة والأدب والفن وتنشأ النظم الاجتماعية والسياسية، وبين أهله تَقُوم الثورات التي تُحطِّم أسوار القديم لتنبت في الأرض نباتًا جديدًا …»

وتعقيبنا بعد ذلك التمهيد أننا نتطلع إلى الشروق من كل مكان، حتى من الشرق القديم وحتى من الجنوب إذا طلع علينا شعاع من الجنوب، ولا نتطلع إلى الغرب وحده حين نترقب الشروق.

قال شاعر الغرب الأقصى «ويتمان» في إحدى قصائده الإنسانية:

والآن أيها السادة؛ هذه كلمة أقولها لعلها تبقى مع ذكرياتكم وأفكاركم

لعلها تبقى مبدأ وغاية لكل فلسفة تنزع إلى الغيوب:

لقد عَبَرْتُ مِنَ الكتبِ الحديثَ والعتيقَ، وقرأتُ مذاهبَ اليونان والجرمان، وطالعتُ «كانت» كما طالعت «فيخته» و«شلنج» و«هيجل»، ودرستُ «أفلاطون»، ودرستُ مَنْ هو أعظم من «أفلاطون» و«سقراط» — أعني «المسيح القدسي» — وأطلتُ الدراسة لما قال …

ثم انتهى «ويتمان» من دراسته أو من قصيدته إلى غاية الغايات كما استمدها من «المسيح القدسي» فإذا هي: حب الإنسان للإنسان، وألفة الصديق للصديق، وحنان الأزواج والأبناء والآباء، وقربى المدينة من المدينة والأوطان من الأوطان.

إن «ويتمان» عالِم من أعلام الغرب في أقصاه، وقد علَّمتْهُ الدراساتُ أن يرقب شروقًا من الشرق، وهو يرى أمامه مطالع «سقراط» و«أفلاطون»، ومطالع «كانت» و«هيجل»، ودارة الفلسفة كلها في مشارق الغرب المتألق بالأنوار. ولم يكن «ويتمان» على خطأ، ولن نكون نحن على صواب حين نجمع النور كله في مكان واحد، ولن يكون النور نورًا وهو محبوس في مكان.

الحق أن الفضل للعين التي ترى وليس الفضل للمشارق والمغارب أو للأنوار وما تنطرح عليه من العالم المنظور.

وفي الغرب نور وسحاب، وشمس وضباب، وفيه طريق مضاء، ولكنه منحدر إلى الخراب، فإن كانت العين صالحة للنظر نظرت واستقامت على الهدى، وإن لم تكن عين تنظر فلا خير في القِبْلة حيث كانت إلى الغرب أو إلى الشرق، وفي الشمال أو في الجنوب.

وفي الشرق الذي خبا نوره زاوية مشرقة، وفي الغرب الذي تألق نوره زاوية مظلمة، وعلى «العين» وحدها المعول فيما تراه من كل زاوية، فلا يكن شعارنا شروقًا من المغارب ولا تخبطًا في ظلام المشارق، وإنما الشعار الحق «عين ترى» من كل صوب وحدب، ونظرة تحيط بكل أفق وترتفع إلى كل فلك.

وقد قيل في الإنسان إنه الحيوان الذي يدور بصره حيث شاء، وفيه ينبغي أن يقال إنه صاحب البصيرة التي تختار آفاقها ولا تجهل إشراقها، ولو صح أن الغرب اليوم نور كله لما ضل فيه من ضلَّ ولا عمي فيه من عمي، فإنما العِبْرة بالعيون التي ترى لا بالأنوار التي تطلع على البصير والأعمى وعلى السالكين في سبيل الخير والرجاء والسالكين في سبيل الشر والقنوط.

إن ضياء بني الإنسان سماء مفتوحة من جهاتها الأربع، وما تقدمت حضارات واقتفتها حضارات على آثارها إلا ليتسع الأفق وينتشر النور ويترقب الناظرون شروقًا من كل مكان وفي كل زمان، وقد نرى في الغرب من ينادي قومه: إلى الشرق يا قوم … فلننظر معه حيث نظر، ولنكن على يقين أننا سنبصر شيئًا حين نرصد الشروق من الزمن القديم، كما نرصد الشروق من المغرب في الزمن الحديث.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.