أي الوزيرين يجد، وأي الوزيرين يهزل؟ أيهما ينصح للبرلمان ولا يقول له إلَّا الحق، وأيهما يداور البرلمان ولا يقول له إلَّا ما يحب أن يقول؟ ثم أي الوزيرين يعلِّم صاحبه فن السياسة وأصول التصرف في الشئون الخارجية: أهو رئيس وزراء مصر النقراشي باشا، أم هو وزير الخارجية البريطاني المستر بيفن؟ فليس من شك في أن المصريين حائرون بين هذين الوزيرين الخطيرين؛ أحدهما لا يريد أن يقول للبرلمان المصري شيئًا، والآخر لا يريد أن يخفي على البرلمان البريطاني شيئًا، وكلاهما مستمتع بثقة البرلمان، وكلاهما يفرض فيه أنه يقدم للبرلمان أخلص النصح، ويواجهه بالحق الصريح الذي لا مراء فيه.

أيمكن أن يكون سخيفًا كل السخف، وباطلًا كل البطلان هذا الأصل الفلسفي الخلقي الذي اتفق الناس عليه منذ عرفوا التفكير، وهو أن الحق واحد لا يتعدد، وأن يكون التطور الحديث قد أثبت صدق ما كان يقال في فرنسا، وهو أن هناك حقين تفصل بينهما جبال البرانس التي تفصل بين فرنسا وأسبانيا؟ أيمكن أن يكون هناك حق مصري ليس فيه شك، وحق بريطاني ليس فيه شك، وأن هذين الحقين لا يلتقيان الآن، وإنما يذهب كل منهما في جهة مضادة للجهة التي يذهب فيها صاحبه، وإنما قد يلتقيان غدًا أو بعد غدٍ، وفي يوم من الأيام قريب أو بعيد؟

والمصريون يعلمون أن لهم مطالب يقومون بها ويقعدون، وأنهم قد ألحوا على حكومتهم في أن تفاوض البريطانيين في تحقيق هذه المطالب، وهم يعلمون أن رئيس حكومتهم قد صرَّح أمام البرلمان بأنه وزملاءه يؤمنون بحقوق مصر، وينهضون بأعباء هذه الحقوق، ولا يقصرون في انتهاز الفرص لبلوغها. والمصريون يعلمون أنهم قد اختلفوا في فهم هذا التصريح وتفسيره، فقال أكثرهم: إن رئيس الوزراء لم يصنع شيئًا، وإنما هو يعلل الشعب بالأماني والآمال كما يُعلَّل الأطفال بما يُقدَّم إليهم من اللعب والوعود، وقال أقلهم: إن رئيس الوزراء صنع كل شيء، وسيصنع أكثر من كل شيء، ولكنه رجل سياسة وكياسة، ورجل حزم وعزم، ورجل حذر واحتياط، لا يقول إلَّا حين يحسن القول، فهو رجل يؤثر الذهب على الفضة، والذهب بالطبع هو الصمت، والفضة بالطبع هي الكلام.

واتصل الخلاف بين الكثرة التي تشك فيما صنع رئيس الوزراء، والقلة التي تؤمن بما صنع رئيس الوزراء، ثم قال أحد الوزراء لإحدى الصحف: إن الوزارة قد صنعت شيئًا، وقال وزير آخر لصحيفة أخرى: إن الوزارة لم تصنع شيئًا. وأراد رئيس الوزارة أن يحسم هذا الخلاف، فاجتمع له الصحفيون، وأرهفوا آذانهم، وأعدوا أقلامهم، واستعدوا للاستماع والتسجيل، وتكلم رئيس الوزراء، ولكنه لم يقل شيئًا، وانصرف الصحفيون عنه كما أقبلوا عليه تمتلئ قلوبهم شكًّا، ونفوسهم ريبًا، وعقولهم اختلاطًا.

ثم اشتد النقد لرئيس الوزراء من أصدقائه قبل خصومه، ورأى رئيس الوزراء — وهو صاحب الرأي الفصل دائمًا — أن يجلو الغموض، ويمحو اللبس، ويزيل القلق؛ فجمع هيئته السياسية، وجمع بعد ذلك مجلس الوزراء، وأذاع في الناس أن الهيئة السياسية قررت، ووافق مجلس الوزراء على ما قررت، وهو أن هذا الوقت أشد الأوقات ملاءمة للمفاوضة في تحقيق المطالب المصرية عند الإنجليز.

وهنا اشتد الخلاف بين المصريين مرة أخرى، فقال أكثرهم: إن هذا كلام يقال لمصر دون أن يبلَّغ إلى الإنجليز، وقال أقلهم: إن هذا كلام يقال لمصر وللإنجليز معًا، يُراد به أن تطمئن مصر إلى أن الحكومة محتملة للأمانة على أحسن وجه، ويُراد به دعوة الإنجليز لا إلى فتح باب المفاوضات، بل إلى الدخول من هذا الباب. ثم جعلت الصحف تزعم مرة أن قرار الهيئة السياسية ومجلس الوزراء قد أُبلِغ إلى الإنجليز، وتزعم مرة أخرى أنه لم يبلغ، وجعل بعضها يقول: إن البريطانيين قد ردُّوا على هذا الإبلاغ، وبعضها يقول: إنهم لم يردُّوا عليه.

واجتمع البرلمان في دورته الاستثنائية، وتحدث إليه رئيس الوزراء فلم يقل شيئًا، وانفض البرلمان راضيًا أو ساخطًا أو مضطربًا بين الرضا والسخط. ولكن رئيس الوزراء ظل — كعهد الناس به — صاحب سياسة وكياسة، وحزم وعزم، ومؤثرًا للذهب الذي هو الصمت، على الفضة التي هي الكلام.

ثم جعلت الصحف تختلف من جديد، فقال بعضها: إن البريطانيين قد ردُّوا بأنهم لن يفاوضوا إلَّا حكومة تمثل الشعب، وليس يعنيهم كيف تؤلف هذه الحكومة، فذلك شأن من شئون مصر المستقلة، وقال بعضها الآخر: إن البريطانيين قد ردُّوا بأنهم سيفاوضون الحكومة القائمة، وسيفاوضونها في قصر الزعفران متى عاد السفير البريطاني إلى مصر في أثناء الشهر المقبل.

وبينما المصريون يختلفون، ويجادل بعضهم بعضًا، ويقف أصحاب الأناة والحزم منهم موقف الانتظار والمراقبة والخوف على المستقبل؛ تكلم وزير الخارجية البريطانية. وهنا ينتهي الحق المصري ويبدأ الحق البريطاني، وبين الحقين اختلاف شديد. اختلاف في الشكل أولًا: فالحق المصري كما رأيته ملتوٍ شديد الالتواء، متعرج شديد التعريج، لا يكاد الإنسان يقبل منه على وجه حتى يصرف عنه إلى وجه آخر، أمَّا الحق البريطاني فيسير سهل مستقيم لا عوج فيه ولا التواء.

تكلم وزير الخارجية البريطانية في الثاني والعشرين من شهر أغسطس الماضي، فقال: إنه اطلع على الملاحظات التي أبداها رئيس الوزارة المصرية أمام البرلمان المصري، وأن حكومته ستدرس المسائل المصرية بروح من الود وتقدير المصالح المتبادلة في الوقت الملائم. وانتهى شهر أغسطس، وجاء شهر سبتمبر وانتهى، وجاء شهر أكتوبر وكاد ينتهي. وفي أثناء هذا الوقت الطويل كان الحق المصري يلتوي فيحسن الالتواء، ويعوجُّ فيحسن الاعوجاج، ويلعب بنفسه وبالمصريين كما يلعب المهرجون على الحبال. على حين ظل الحق البريطاني في مكانه ثابتًا لا يلتفت إلى يمين ولا إلى شمال، لا يلتوي ولا ينزوي، لا يقدم ولا يحجم، لا يرتفع ولا ينخفض، وإنما هو قطعة من الصخر قد استقرت ولا تريد أن تزول؛ فقد تكلم وزير الخارجية البريطانية في مجلس العموم أمس فقال: إنه لا يستطيع أن يزيد شيئًا على ما قاله في اليوم الثاني والعشرين من شهر أغسطس، أي إنه اطلع على ملاحظات رئيس الوزارة المصرية، وسيدرس الأمر المصري البريطاني في الوقت الملائم بروح من الود وتقدير المصالح المتبادلة.

وكان وزير الخارجية البريطانية قد سُئل عما يمكن أن تكون مصر قد طلبته بشأن السودان، فقال بلفظ صريح: إنه لم يتلقَّ طلبًا ما بشأن السودان، وإنه لا يحب ولا ينصح بإثارة هذه المسألة الآن. وهذا هو كل الحق البريطاني، وهو كما ترى بسيط، لم تتلق الحكومة البريطانية من الحكومة المصرية شيئًا، ولا تريد أن تثير مسألة السودان، وإذا جاء الوقت الملائم فستدرس ما بين مصر وبريطانيا العظمى بروح من الود وتقدير المصالح المتبادلة. أي شيءٍ أبسط وأيسر وأصرح من هذا؟ وأي شيءٍ أجدر أن يسوء المصريين، ويملأ قلوبهم حسرةً وألمًا، ونفوسهم حنقًا وغيظًا من هذا الحق الإنجليزي البسيط؟

لم تتلق الحكومة البريطانية من الحكومة المصرية شيئًا إلى الآن بشأن السودان، وليس لدى وزير الخارجية البريطانية شيءٌ يزيده على تصريحه في الثاني والعشرين من شهر أغسطس. فاجتماع الهيئة السياسية، وقرارها وموافقة الوزراء على هذا القرار، وما كان من مناقشات في الدورة الاستثنائية للبرلمان، كل ذلك لم يعط وزير الخارجية البريطانية شيئًا يضيفه إلى ما صرح به في الثاني والعشرين من شهر أغسطس. لماذا؟ لأن وزير الخارجية البريطانية لم يتلق شيئًا من الحكومة المصرية.

وللمصريين أن يقولوا ويعملوا في بلادهم ما يشاءون، فذلك لا يعني وزير الخارجية البريطانية من قريب أو بعيد ما دام لم يُرسَل إليه، وما دامت الحكومة المصرية لم تطلب إليه شيئًا، والشيء الوحيد الذي يهم وزير الخارجية البريطانية هو أن تظل المسائل المصرية نائمة لا يحب هو أن يوقظها، ولا ينصح للنواب البريطانيين بأن يوقظوها. ذلك أجدر أن يريح الحكومة البريطانية من عناء الأخذ والرد، ويتيح لها الفراغ للمشكلات الأخرى المعقدة في أوروبا وفي غير أوروبا.

وإذن، فأي الحقيقتين نصدق: الحقيقة المصرية التي تتخذ في كل يوم ثوبًا جديدًا، وزينةً جديدةً، وتتبرج تبرج الجاهلية الأولى في بلدٍ يعاب فيه التبرج، أم الحقيقة البريطانية البسيطة الساذجة الصارمة التي تثير الغيظ، وتشيع الحقد، وتملأ النفوس حسرةً وألمًا؟!

طلبت الحكومة المصرية إلى الحكومة البريطانية شيئًا أم لم تطلب؟ يقول بعض المصريين: نعم، ويقول بعضهم: لا، ويقول بعضهم: لا ندري، ويأبى رئيس الوزارة أن يقول شيئًا صريحًا، ويقول وزير الخارجية البريطانية، المستر بيفن، لمجلس العموم البريطاني في لندرة في الرابع والعشرين من شهر أكتوبر: إنه لم يتلقَّ من الحكومة المصرية شيئًا بشأن السودان، ولا يريد أن تُثار هذه المسألة، ولا ينصح بإثارتها، وأنه ليس لديه ما يزيده على ما قاله لمجلس العموم في الثاني والعشرين من شهر أغسطس.

هاتان هما الحقيقتان: حقيقة مصرية ملتوية لعوب تطمع حينًا، وتؤنس حينًا، ترضى مرة، وتسخط مرة أخرى، وحقيقة بريطانية صارمة كريهة لا تكاد الأبصار ترتفع إليها حتى ترتد عنها مغيظة محنقة وقانطة يائسة. ألم يأنِ لرئيس الوزراء في مصر أن يصطنع الجد مرة كما يصطنعه وزير الخارجية البريطانية دائمًا؟! ألم يأنِ لرئيس الوزراء أن يصارح الأمة المصرية بالحقيقة الواضحة الجلية التي لا تتبرج ولا تتبهرج ولا تلعب بالعقول؟! ألم يأن لرئيس الوزراء أن يعلم أن الشعب المصري قد ذاق الآلام وذاقها حتى أصبح ألمًا كله، وأن الشعب المصري قد خضع للمحن، وثبت للخطوب، وتعوَّد أن يواجه المصاعب، ويصبر على المصائب، ولا يجزع من الكوارث، ولا يفزع من الحادثات؟

يجب أن يعلم رئيس الوزراء أن الشعب المصري شجاع يستطيع أن يلقى الحقيقة وإن كانت بشعة المنظر، كريهة المظهر، مُرَّة المذاق، فليقل له هذه الحقيقة إذن، وليعرضها عليه كما هي في غير تكلف للباقة، ولا لرشاقة، ولا لهذه الفتنة الكاذبة. لن نصدق مهما يقل رئيس الوزراء وأنصاره أن وزير الخارجية البريطانية قد خدع البرلمان البريطاني أو كذب عليه حين أعلن إليه أنه لم يتلقَّ من الحكومة المصرية شيئًا. وإذن فحكومة لم تصنع إلى الآن شيئًا، وإذن فكل ما قيل لغو من اللغو، وباطل من الباطل، وكلام يعلل به الشعب كما يعلل الأطفال بالوعود والآمال.

ولكن الشعب المصري ليس طفلًا، ولا يريد أن يكون طفلًا، ويوشك وزير الخارجية البريطانية أن يكون أحسن ظنًّا بالشعب المصري، وأصدق رأيًا فيه من صاحب الدولة النقراشي باشا. فوزير الخارجية البريطانية يعلم حق العلم أن تصريحه في البرلمان البريطاني سيذاع في أقطار الأرض، وسيقرؤه الشعب المصري فلا يفزع، ولا يهلع، ولا يضعف في الاستمساك بالحق والمطالبة به.

وزير الخارجية البريطانية لا يتردد في مصارحة المصريين بالحقيقة الواضحة، ورئيس الوزارة المصرية لا يجرؤ على مصارحة المصريين بهذه الحقيقة الواضحة، لماذا؟ لأن أحدهما هو المستر بيفن المطمئن إلى نفسه، وإلى برلمانه، وإلى شعبه، ولأن الآخر هو حضرة صاحب الدولة، محمود فهمي النقراشي باشا، الذي لا يطمئن إلى أحد، ولا إلى شيء، والذي يخشى أن تزول الأرض تحت قدميه — أستغفر الله — بل تحت كرسيه في ديوان الرياسة، إن صارح الشعب المصري بأنه لم يطلب إلى البريطانيين شيئًا بشأن حقوق مصر والسودان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.