بعد عشرين عامًا، إذا أنسأ الله في الأجل — وعسى أن يفعل — كيف تراني سأكون؟ وأي إنسان أكون؟ ولست أسأل عن «الأين»؛ فليس لأهل الأرض غير الأرض، ظاهرها وباطنها في الحياة وبعد الممات، وإنما أسأل عن «الكيف»؛ لأن الحياة قائمة على التطور الدائم، وما من شيء فيها يبقى على حال، أو يثبت فلا يلحقه تغيُّر، حتى الموت الذي نعده نقلة حاسمة نهائية، ليس كذلك، وما هو بحاسم أو نهائي إلا فيما يتعلق بالشخصية الفردية، أيْ بشعور الإنسان بذاته، وشعور الناس بها، أما الحقيقة فهي أن الفرد ليست له حياة قائمة بذاتها مستقلة عما عداها من مظاهر الحياة الأخرى، وإنما هو قطرة في بحر الحياة الأعظم، وليس الموت بفناء له، بل هو دخول في مرحلة جديدة من التطور، على نحو ما تتسرب الموجة وتغيب في أمواج المحيط الأخرى، أو كما تتبخر القطرة من الماء لتعود فتنزل مع سواها مطرًا، يسقي الأرض وما فيها وعليها، ويعين على إخراج صور شتى من الحياة، فهي دورة إذن وفق قانون سرمدي، وأنين أبدي أزلي، وليس قولنا إننا نموت إلا خطأ مرجعه إلى الشعور بالذات، شعورًا يخيل إلينا ويوهمنا أننا خلق مستقل عن مظاهر الحياة العديدة الأخرى، وأن شأننا غير شأن سوانا، وشبيه به خطأ القول بأن قطرة الماء تموت حين يطويها الخِضَمُّ أو تتبخر في الهواء.

***

ولا شك عندي في أني سأكون غيري — إنسانًا جديدًا كل الجدة لا بعد عشرين عامًا، بل عشرين يومًا، أو عشرين ساعة إذا شئت، وليس في قولي هذا مبالغة، فإن أنسجة الجسم نفسه وخلاياه تتغير، وحركه البلى والتجدد لا تفتر ولا تنقطع، وقديمًا أعربت عن هذا في قصيدة منها هذه الأبيات:

معنى هذا أن الإنسان لا يظل إنسانًا واحدًا طول عمره، بل هو أناس عديدون يتعاقبون، وكلما ذهب واحد جاء غيره على الأثر، ولا يبقى على حاله ويثبت، ولا يكاد يلحقه تغيير إلا معدنه الأصلي، فإذا كان معدنه «مازنيًّا» مثلًا، فهذا المعدن «المازني» يلازمه على كثر ما طرأ عليه من وجوه التغير. مثال ذلك أن شجرة الحنظل لا تنبت ثمر الكثمرى؛ لأن البذرتين مختلفتان، وقد تطعم شجرة من شجرة، ولكن هذا لا يجنيك إلا ثمرة فيها مشابه من الثمرتين، في الطعم أو الرائحة أو الحجم، ولكن الأصل يبقى، فلا ينقلب البرتقال تفاحًا، ولا الحنظل كمثرى، وإن كان النوع يتحسن ويرتقي.

فأنا إذن سأظل المازني المعهود بفطرته ووراثته واستعداده، ولكني سأتكيف على مقتضى ما تفرضه الأحوال الجديدة، وعلى قدر ما أوتيت من المرونة؛ لأن من لا يتكيف يعجز لا محالة عن النهوض بالأعباء التي يلقيها عليه تطور الزمن، والقاعدة التي لا شذوذ فيها هي أن يتكيف الخلق أو يببد، وما دامت حياتنا مستمرة فإن في مقدورنا أن نتكيف إلى حد ما، وهي قدرة تقل مع تضعضع القوى، وانهداد الكيان واليبس، وقِلَّتها تنذر بوشك الرحيل، وهل الشيخوخة إلا هذا اليبس؟ وهل الشباب إلا المرونة أو القدرة على سرعة التجدد؟

فأنا سأزداد يبسًا على الأيام، وإن كنت سأظل أكافح لأحتفظ بقدر كافٍ من المرونة اللازمة، ولكن المصير محتوم، فإنه لا حكمة على الإطلاق في خلق إنسان خالد لا يدركه فناء؛ إذ كان مؤدَّى هذا تعطيل قوانين الحياة كلها، وأن يُمنَى الوجود بالجمود، ويُقضَى عليه به، وما الحاجة إلى قانون أو قوانين للحياة إذا كان الناس خالدين في الأرض؟ وماذا يصنعون؟ ولأي شيء يسعون؟ أو ماذا يغريهم بالسعي وقد ضمنوا البقاء إلى آخِر الأبد إن كان له آخِر؟ وما دام للوجود قوانين، فإن عملها يقتضي هذا الذي نعده فناء، والذي هو في الحقيقة تطوُّرٌ لا أكثر، وقد تخفى علينا الحكمة الكبرى من وراء هذا كله، ولكن هذا ليس بالسر الوحيد الذي أعيا عقولنا القاصرة إلى الآن.

***

وستكون الدنيا بعد عشرين سنة غير هذه الدنيا التي ألفناها، وتكون العادات والأخلاق والآداب والمقاييس والمذاهب وأساليب التفكير قد تطورت كثيرًا أو قليلًا — كثيرًا على الأرجح؛ فإن الخطوات سريعة في هذا العصر، عصر الطائرة والراديو وما إليهما — وسيشق على الكثيرين أن يسايروا هذا التطور السريع ويتكيفوا على مقتضاه بمثل سرعته، والشيوخ أعجز عن ذلك من الشبان، غير أن المسألة مع ذلك ليست مسألة شيخوخة وشباب، وإن كان هذان عاملين لا يجوز إسقاطهما من الحساب، وإنما هي قبل كل شيء مسألة مرونة نفسية، قد يظل الشيخ الهرم، محتفظًا بها على الرغم من تداعي بنيانه، ولا يُرزَقها الفتى ذو الرخاصة والغضوضة.

وأعتقد أني سأحتفظ بقدر كافٍ جدًّا من مرونة العقل والنفس، وإن فقدت مرونة البدن، وسأظل قادرًا على مسايرة الزمن، بل أستطيع أن أقول — في غير اغترار — إني سأكون قادرًا لا على مسايرته فحسب، بل يسبقه أيضًا بعقلي ونفسي، وبالتمني وأحلام اليقظة، ولكني سأعجز لا محالة عن ركوب تيار الحياة كما أركبه الآن، فلن تراني يومئذٍ أنهز بدلوي أو أسوم سرح لهو، وأنَّى لي أن أفعل ذلك، واليبس يقعد بي، ويحطني ويصدني، ولا أسف على فقدان القدرة يومئذٍ على مواقعة الحياة، فإنَّا لا نفقد بذلك شيئًا جوهريًّا لا عوض عنه. وأخلق بحياة النفس والعقل أن تصبح أفتن للقلب وأسحر للب، ومن فضل الشيخوخة أنها تعين المرء على تصفية الجوهر من الأخلاط، ووزن الأمور بميزان صحيح دقيق، وتهذيب المطالب والغايات، وتنقيتها كما تنقَّى الحنطة وتعزل عنها الغَث والمَدَر والزُّوَان، وتلك مزية للشيخوخة الناضجة ولا شك لم يُحرَمها الشباب، ولا أوتيها كل شيخ، ولكني لا أرتاب في أني سأكون من الشيوخ الذين رُزِقوا نعمتها، وأوتوا فضلها بمَنِّه تعالى.

كلا، لا أسف على الارتفاع عن الشباب والدخول في الهِرَم، فإن ضعف البدن يعوضه قوة العقل واطراد نموه، والطبيعة لا تهب المزايا جزافًا، ولا تسرف في العطاء. ومن عدل الطبيعة أنها تزيد في عقولنا بقدر ما تنقص من أجسامنا، أو تهد من قوى أبداننا، وصحيح أن الحياة تبنينا ثم تعود فتهدمنا، ولكنها ليست في هذا عابثة، فما تهدم إلا ما تراه قد أصبح غير صالح للبقاء لسبب هي أدرى به، ثم هي بعد ذلك تأخذ منه وتبني به سواه، فلا يذهب شيء هباء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.