كل ما قاله صديقي الأستاذ العقاد صحيح، ولست أستثني قوله إني مكار، وإني شاعر، أما قوله إني لعلي قدرت أن الناس لا يسمعونني أنكر الشاعرية على نفسي حتى يهرعوا إليَّ فيجذبوني إلى الطليعة في أول الصفوف، فهذا من المزح البارع المبطَّن بالجد، فما أنكر أني أحيانًا أتخيل هذه واقعًا، وأتصور أن الناس رفعوني إلى أعلى مقام، ولست بإنسان إذا أنا لم أفعل ذلك، وإلا ففيمَ كل هذا العناء الذي أكابده وأصبر عليه وأتشدد له؟ ألآكل وأشرب فقط؟ ورحم الله الملك الضليل الذي قال:

وأنا أروي البيتين من الذاكرة ويُخيَّل إليَّ أن في رواية البيت الأول خطأ، فليصححه من ليس به مثل كسلي عن المراجعة، أو من يستطيع — على خلافي — أن يصل إلى ما يريد في مكتبة بسهولة.

وأنا أمكر ولا شك — لا أحيانًا بل كثيرًا — ولكن مكري غير سيئ كما يعرف الصديق الذي لعله أدرى مني بنفسي، وهو مكر يحملني عليه أمران: أولهما الدفاع عن النفس، وثانيهما ما أراني مغرًى به في أحيان كثيرة من العبث «الصبياني» الذي يزين لي ركوب بعض الإخوان بالفاكهة. وإني لقادر على المكر السيئ، وإن نفسي لتحدثني وتغريني به، وأحسبني لا أستطيع أن أنكر أني فعلتها — إي والله الذي أطمع في غفرانه! وإن ندمي على ما اجترحت لشديد، وإن توبتي لصادقة — حتى لقد صرت أكره أن أرى أظافري تطول؛ لأنها تذكرني بطول لساني وسوء ما ركبت به الناس جادًّا وهازلًا.

وصديقي الأستاذ العقاد يعرف أني الآن رجل طيب، وهذا منتهى الخيبة، وأنا أعرف ذلك وأتسخطه حينًا، وأحمده حينًا، وأتعجب ماذا يكون من أمري غدًا، فإني أراني لا أثبت على حال؟ أتراني سأعود شرسًا سيئ المكر، أم سأظل رجلًا طيبًا أوثر الترفق والحسنى؟ لا أدري! فإني أراني كل يوم في شأن — أستغفر الله، فما أعني إلا أني لا أثبت على رأي ولا أستقر على حال، ولا أزال كل يوم أنظر إلى الناس والحياة نظرة جديدة، فأنا في كل يوم «مازني» جديد، قد يكون خيرًا أو شرًا من «مازني» الأمس، ولكنه غيره والسلام.

أمَّا كفي عن قرض الشعر فحكايته طويلة، ولم يتيسر لي إلى الآن أن أبسطها للقرَّاء — إذا كان هذا يعنيهم — لأنها ليست أقل من ترجمة حياة، ولكني أغتنم هذه الفرصة التي أتاحها لي صديقي الأستاذ العقاد، فأقول: إنه لم يكن من الهين على نفسي أن أقول للناس إني لست بشاعر، وإني أخفقت فيما عالجت من الشعر، وأصارح الصديق والقراء فأقول إني أشعر وأنا أقول ذلك أني أقتلع أحشائي، فلأمر ما تركت الشعر ونفضته يدي منه، ولكني ما حيلتي؟ لقد كنت بطيء النظم جدًّا، وقلما كنت أرضى عما أقول — أعرضه على أذني فلا تطرب، وعلى عقلي فيهز رأسه ويقول: «يا شيخ! ما هذا الكلام الفارغ؟ وأين هذا من قول فلان وعلان وترتان؟» وأقرأ الشعر الغربي والعربي، وأنظر في شعري فأتحسر! وكنا مرة — قبل الحرب العالمية الأولى — في بيت المرحوم الدكتور ميرزا مهدي خان «زعيم الدولة ورئيس الحكماء» — وكان هذا لقبه الرسمي — وهو من زعماء الثورة الدستورية في إيران — في زمانه — وكان يتقن العربية وينظم الشعر فيها، وكان معمرًا. فقصَّ علينا قصة ودعانا إلى تلخيص مغزاها في بيت واحد من الشعر، فلم أفهم شيئًا مما قال — لا لعجز فيه عن الإبانة — وما راعني إلا أنه ما كاد ينتهي من قصته حتى «طلع العقاد في حلقة» — كما يقول العامة — ببيت من الشعر، فهمت منه مغزى القصة وفحواها، وإن كنت لم أفقه شيئًا منها!

والعقاد هكذا، ينظم ثم يدوِّن، ويندر أن يغيِّر حرفًا مما نظم لأنه سريع البديهة، حاضر الذهن، وله قدرة عجيبة على النظر المحيط، والتصفية والتلخيص في أوجز عبارة، وقد قرأت كثيرًا مما قرأ من الكتب، ويسألنا سائل عن كتاب بعينه، فأراني حائرًا، وإذا به يُجمِل للسائل لبابه كله ومحوره في بضع كلمات، فأتعجب لقدرة هذا العقل على التفطن السريع إلى الجوهر، ولعجزي وحيرتي وضلالي بين التفاصيل والحواشي.

ثم إني أسأت الظن بصدق سريرتي فيما نظمت من الشعر، وشككت في إخلاصي، وكبر في وهمي أن العواطف التي وصفتها والتي ولدت ما أعربت عنه من آراء، لم تكن صادقة، وإنما كانت مما أوحيت إلى نفسي، فأنا إذن مقلِّد لا أكثر.

ونظرت فإذا الشعراء الذين أنجبتهم الأمم مئات وآلاف ومئات آلاف، ولكن لم يخلد منهم إلا آحاد وعشرات، فقلت لنفسي: إنه لا يخلد إلا شاعر من الطبقة الأولى، أما الأوساط فيعفو الزمن عليهم ويمحو ذكرهم، وما أراني جئت بشيء له قيمة حقيقة — نعم قلتُ شعرًا فيه موسيقية، وله حلاوة، وعليه طلاوة، ولكن ما قيمة هذا؟ وما خير أن أمضي في نظم شعر لا أراه يبلغ هذا المبلغ الذي يكفل له الخلود؟ ولماذا أضيع عمري في عبث؟ وسأضيعه — كالملايين من الخلق — في عبث آخر، ولكن هذا العبث الآخر أجدى عليَّ في حياتي على الأقل.

ثم إني كفرت بالخلود، وكفرت بنفسي، وكفرت بالأدب كله، كفرًا هو ثمرة الإيمان العميق بالحق، وكما «طلع في دماغي» كما يقول الصديق الكريم، أن أنكر على نفسي الشاعرية، «طلع في دماغي» أيضًا أن أنكر أنني أديب، ذلك أني أرى أن الأدب قد صار عندي «صناعة» — ولا أقول حرفة — وما أنا اليوم إلا صاحب دكان أدب أو «ورشة»، أفتح الدكان كل صباح على بركة الله، ويُقبِل الزبائن، هذا يريد مقالًا بعشرة جنيهات مثلًا، فأدفع إليه كلامًا طوله عمود، وإذا زاد زدنا، وما أكثر الكلام الفارغ. وذاك يطلب رسالة قصيرة، أو كُتَيِّبًا يدخل في الجيب ويُقرَأ في الترام أو المقهى، أو كتابًا «يُوضَع على الرف»، فأساومه ونتفق على الثمن، وأقبض العربون أو الثمن كله إذا كان «الطلب» حاضرًا، شأني في ذلك شأن «دالفكو» و«علي خليل» و«الفطراني» وغيرهم من التجار.

ولست أعبأ اليوم شيئًا بالخلود، الذي كنت أركب حافظًا رحمه الله بالهزل وأقول له — بإغراء العقاد، ذلك المكار الأكبر على الرغم من طوله — إني مستعد أن أهبه ثلاثمائة عام منه (أي من خلودي) إذا هو اجتهد! كلا، لا خلود إلا العدم، ولست أبالي ما يقول الناس فيَّ غدًا، ولا أنا يعنيني غير حياتي في هذه الدنيا، أما بعد أن أخرج منها بعد عمر طويل، فليس للناس عندي سوى «طظ!»

الحقيقة أني أخفقت، ولم أبلغ حيث كنت أريد، وأنا أعظم احترامًا للحق، وأحسن فهمًا للأدب، من أن أعد ما وسعني وتيسر لي على فرط اجتهادي، من الأدب الصحيح، ولست أرى غضاضة في هذا الاعتراف، وإني لأطمع أن أكون قدوة لغيري ممن يشير إليهم الصديق في مقاله، ولكن شكي كبير مع الأسف.

وأظن في هذا القدر الكفاية، ولكن تبقى كلمة أخيرة، هي أني ما أردت، ولا دار في خلدي قط، حين أنكرت على نفسي الشاعرية، أن أغري الناس بإنكار الفضل على ذويه غيري؛ ذلك حسد لا أسف إليه، وما عرفتني حسدت أحدًا قط، أو أحجمت عن الإقرار بالفضل والمزية لمن فيهم فضل ولهم مزية، وما شعرت قط بعجز حيال الناس، وإنما شعرت ولا أزال أشعر بالعجز عن بلوغ المثل الأعلى الذي رفعته أمام عيني، وجعلته مطلبي أو مناي، فقعد بي القصور كما قعد بي القِصَر.

والحمد لله، والشكر للصديق الكريم على ما أثنى ونصح، فإني أعرفه لا يقول إلا مخلصًا، وليتني أستطيع أن «أعملها» كما يشير في ختام مقاله البديع، وما يصدني قلةُ الثقة بالنفس، فإن نصيبي من الغرور جزيل، وإنما يصدني بُعْدُ الغاية كما أتمثلها، وعدم وفاء الأداة كما تبينت بالتجربة الطويلة، وقد سعيت سعيي على قدر ما وسعني، والأدب يا أخي شيء عظيم مهول، لا يستخِف به إلا أمثالُ من أشرت إليهم، وما قيمة هؤلاء؟

وإنه لحسبي عزاء وجزاء أن يكون هذا رأي العقاد في أخيه الشاكر المخلص.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.