فوجئ العلماء والأدباء والكتاب والطلاب بين معمم ومطربش بخبرٍ كان المقطم أول من أذاعه، ثم تناقلته الجرائد؛ ألا وهو خبر مشروع إغلاق مدرسة القضاء الشرعي. رددت الأفواه ذلك الخبر؛ فاربدَّتْ له الوجوه، وخفقت الأفئدة، وأصبح أمر إغلاق ذلك المعهد العلمي حديث الناس في بيوتهم وأنديتهم وعلى القهاوي. ولا نغالي لو قلنا في الطُّرق أيضًا، وفي مركبات الترام.

وكتبت الجرائد كثيرًا عنه ناشرةً احتجاجات الطلبة. ويسرُّنا أن نرى في طليعة من كتب واحتج طلبة الأزهر الشريف. وسافر لمقابلة دولة الرئيس ومعالي وزير الحقانية وفدٌ من أساتذة المدرسة.

وعادوا دون أن يقفوا على بيان صريح يروي غلتهم، ويطفئ أوارهم. هذا هو ملخص ما حدث، ونحن نكتب اليوم حيال هذا الموضوع كلمتنا.

أراد المرحوم الشيخ محمد عبده إصلاح الأزهر الشريف، وحاول تحقيق أمنيته، ولكن الظروف حالت بينه وبين ما يريد. وليس لنا الآن أن نبحث في سبب فشله؛ خشية الخروج عن الغاية التي نرمي إليها في مقالنا. ولما رأى المرحوم المفتي أن لا سبيل إلى إصلاح الأزهر فكَّر في إنشاء مدرسة القضاء الشرعي، وسعى لذلك، ولكن المنية وافته قبل تحقيق غايته، بيد أن المشروع لم يَمُت بموته، بل ظل حيًّا في قلوب تلاميذه، فلما تولى أمر وزارة المعارف صاحب المعالي سعد زغلول باشا، كانت أول حسنة من حسناته الكثيرة هي إنشاء مدرسة القضاء، فانتقى لها خيرة الأساتذة، ووضع لها برنامجًا يشمل العلوم الدينية والكونية. وظلت المدرسة في عهده وبعد مغادرته المعارف كعبة لطلاب العلم، وأخرجت للأمة مجموعة من خيرة أبنائها علمًا وأدبًا ارتقت مناصب القضاء الشرعي، وبرهنت عن كفاءة كبيرة هي وأختها مجموعة الأزهر الشريف. فأي ضرر يعود على الأمة أو على القضاء من بقاء هذا المعهد الديني ورجال الأزهر الشريف لا يرون فيه اعتداء على حقوقهم أو سلبًا لها؟!

يقولون إن الأزهر الشريف به عشرة آلاف طالب، وإن مدرسة القضاء لا يزيد عدد طلابها عن أربعمائة، وإنها تعد جزءًا من الأزهر الشريف، فإذا أُصلِح الأزهر كانت الأمة في غنًى عن مدرسة القضاء. وهذا هو سر تفكير الوزارة في مشروع إغلاق المدرسة، ونحن لا نرى فيما يقولونه الصواب.

هبْ أن الأمر كما يقولون؛ فأي ضرر يعود على الأمة إذا زاد عدد طلاب الأزهر بهذه النسبة الصغيرة في معهد آخر، بل أي ضرر يعود على الأمة لو فكَّر ولاة الأمور في إنشاء معهد ديني ثالث ثم رابع ثم خامس … بل أي ضرر على الأمة لو أنشأت الحكومة في كل عاصمة من عواصم المديريات مدارس للطب والهندسة والزراعة والحقوق؟

يا حبذا لو تحقق ذلك ورأينا العلم تزدهر رِيَاضُه في كل بلد من بلاد مصر، بل في كل قرية من قُراها، نحن نعلم أن البناء صعب، وأن الهدم سهل، ومن الهين هدم مدرسة القضاء، ولكنه من الصعب بناء مدرسة أخرى، فإذا أغلقوا المدرسة اليوم، ورأوا فيما بعدُ الحاجة ماسة لها لاقوا الصعوبات في بنائها من جديد، فنكون قد خسرنا خسارة كبرى نحن في غنًى عنها.

أما ما يقولونه من أن الوزارة لا تريد أن تُكلِّف نفسها مصاريف لا فائدة منها، فنحن نُجلُّ الوزارة عن ذلك، وهي التي زادت مرتبات الموظفين، وتنازلت عن جزء من أرباحها في شركة الترام. فعلت الوزارة ذلك إرضاءً للجمهور، وجدير بها أيضًا أن تفعل أكثر من ذلك إرضاءً للعلماء والأدباء والطلبة وهم زهرة الجمهور المصري. أما إشاعة أن الوزارة تريد إغلاق المدرسة انتقامًا من ناظرها، فنحن نُجلُّ الوزارة عن ذلك، مهما كانت وزارة إدارية أو سياسية أو إدارية وسياسية معًا.

وأمامنا الزمن، وهو كفيل بتحقيق آمالنا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.