نعودُ اليومَ إلى هذا العنوان، وإلى الموضوع الذي تحدثنا فيه أمس، فقد يظهر أنَّ هذا الموضوع خَليقٌ أَنْ يتصل الحديث فيه؛ لأنَّه ليس من اليسر ولا من السهولة، ولا من الهوان بحيثُ ينبغي أن يمر كما يمر غيره من الموضوعات التي تتعرض لها الصحف، ثم لا تلبث أن تذهب بها الريح حين تشرق الشمس أو حين يقبل المساء.

فهذا الموضوع له خطره العظيمُ من وجوه مُختلفة: هو خطيرٌ لأنَّ قصة الكورنيش نفسها خطيرة؛ ولأنَّ المال الذي ذهب فيها كثير، يكاد يبلغ نصف مليون جنيه؛ ولأنَّ الناس قد عنوا أعظم العناية بهذا المِقْدَار الضَّخْم من أَموال الإسكندرية، وحرصوا أشد الحرص على أن يعرفوا فيمَ أنفق؟ وكيف أنفق؟ وماذا أفادت الإسكندرية من إنفاقه؟ ولأنَّ الوزارة القائمة قد تكلفت إظهار العناية بهذا الأمر، والجد في الكشف عن وجه الحق فيه، فألفت لجنتها التي ألفتها، وانصرف أعضاء هذه اللجنة عن أعمالهم اليومية التي تتصل بمناصبهم وبمصالحهم الخاصة أيضًا إلى درس هذا الأمر وتحقيقه، فكل هذا لا يكون إلا حين يكون موضوع التحقيق خطيرًا حقًّا، خليقًا بهذه العناية العَظيمة من الناس، خليقًا بأنْ تخرج له الوزارة عما ألفت من الأناة والهدوء والاستقرار الذي يُشْبِهُ النَّوم.

وقد أُثيرت قِصَّةُ الكورنيش في حدة غير مألوفة، ألقيت إلى الناس كما تلقى الصخرة من مكان مُرتفع شَاهق، فكان لوقعها ضجة عنيفة، لفتت إليها كل إنسان، وأطلقت بها كل لسان، وشغلت بها كل ضمير. وما دام الأمرُ كذلك فلا بُدَّ فيما يظهر من أنْ يَنْتَهِيَ التحقيقُ في قِصَّة الكورنيش هذه إلى أقصى ما ينبغي أن ينتهي إليه.

وهناك ناحية أخرى تجعل هذا الموضوع عظيم الخطر بعيد الأثر في حياة المصريين، فهو في حقيقة الأمر امتحان عسير لأخلاقنا السياسية ولفهمنا للديمقراطية، واستعدادنا لاحتمالها، واحتمال ما تُكَلِّفنا النهوض به من الأثقال. فليست الديمقراطية صورًا وأشكالًا، وإنَّما الدِّيمُقراطية حقيقة من الحقائق، لا قِوَامَ لها ولا ثَبَاتَ، ولا استقرار ولا غناء، إلا إذا اعتمدت على أخلاق مُسْتَقِيمةٍ وطِبَاعٍ قَوِيَّةٍ، وضَمَائِرَ حية، ونفوس مُخْلِصَةٍ في حبها والتضحية في سبيلها بكل شيء.

وأظهر ما تمتاز به الديمقراطية الصحيحة في الشعوب الحية، إنما هو إكبارها للمساواة، وحرصها عليها، واتخاذها أساسًا لما يكونُ بين الأفرادِ والجَمَاعَات من صلات، ولما يكون بين الشعب والحكومة من صلات. فإذا امْتَازَ بعضُ النَّاس من بعض فيما يتصل بالعدل والحق، أو تفوق بعض الناس على بعض فيما يتصل بالعدل والحق، فليست هناك مُسَاواة، وليست هناك ديمقراطية، وليس هناك عدل ولا حق، وإنما هناك سياسة تقوم على الاستئثار، وتقوم على نظام الطبقات أو على ما هو شَرٌّ من نظام الطبقات. تقوم على هذا النظام المنكر الذي يؤثر فردًا على أمة، والذي يجعل القانون حكمًا عدلًا بالقياس إلى الناس جميعًا، إلا هذا الفرد أو ذاك؛ فإنه يميزه ويؤثره ويرفعه فوق القانون.

وكل هذا شر لا يُلائم النظام الديمقراطي، ولا يُلائم أخلاق الشعب الديمقراطي، ولا يلائم حياة الشعب الذي يراد أخذه بالتربية الديمقراطية. والواجب الوطني على كل فرد من أفراد الشعب وعلى أفراد المثقفين خاصة، وعلى الذين تكون إليهم قيادةُ الشَّعْبِ بِوَجْهٍ أَخَصَّ، إنَّما هو مُقَاوَمة هذا الفساد بكل ما يملكون من قوة وجهد، والتضحية في سبيل ذلك حتى بما لا تَطِيبُ النَّفس بالتضحية به إلا في مشقة وعسر.

وليس في الديمقراطية شيء أشد إحساسًا مِنْ هذه الأمور التي تمس المساواة بين الأفراد من جهة، والتي تمس جباية الأموال العامة، وتدبيرها وإنفاقها في وجوهها من جهة أخرى. فكل بلد يَحْرص على الحياة الديمقراطية، حريصٌ بطبعه على المُساواة، وحريصٌ بطبعه على النزاهة وطهارة اليد والقلب والضمير في كل ما يمس أموال الشعب.

ومن هنا قلنا وما زلنا نَقول: إنَّ قِصَّةَ الكورنيش التي أُثِيرتْ في هذه الأَيام امتحانٌ دَقِيقٌ عَسِيرٌ للنظام الدِّيمُقْراطي في مصر، ولمقدار الشعور في مصر الرسمية بحب الديمقراطية وتقديسها، والإخلاص في حمايتها. ففي قصة الكورنيش مساس بالأموال العامة، وفي تحقيق قصة الكورنيش اختبار للمساواة. ولا بد أن ينتهي هذا التحقيق إلى إظهار كل شيء. وليعلم المصريون جميعًا وليعلم الأجانب الذين يرقبون أمور المصريين أن الدولة المصرية مخلصة في حماية الأموال المصرية، مخلصة في تحقيق المساواة بين المصريين.

وقد أَشَرْنا أمس إلى أنَّ صدقي باشا لم يُسأل، ولم يسأل أمامَ لجنة التحقيق؛ لأَنَّه ظَهَر في آخر الأمر أو في أَوَّلِهِ لا ندري، أو لا نُريد أن ندري، ظهر أنَّ هذه اللجنة لا تستطيع أن تدعو صدقي باشا، ولا أن تسأله؛ لأنَّ صدقي باشا كان وزيرًا، وإنما يسأل الوزراء أمام البرلمان. فإذا صح هذا وانتهى التحقيق دون أن يسأل صدقي باشا بوجه من الوجوه، فإنَّ رُكنًا ذا خطر عظيم من أركان الديمقراطية سينهدم، وستسجل مصر الرسمية انهدام هذا الركن؛ وهو ركن المساواة. فليس هناك فرق ما بين صدقي باشا وبين غيره من الذين سئلوا في قصة الكورنيش أمام لجنة التحقيق إلا أن صدقي باشا كان وزيرًا، ولا ينبغي بحال من الأحوال أن تكون الوزارة حصنًا يَحْمي صدقي باشا من أن يسأل عما أتى من الأَعمال ليسمع جوابه، وليُحكم له، أو ليحكم عليه؛ فليستْ الوزارة امتيازًا، وإنما الوزارة خدمة للدَّولَة، يقتضي صاحبها عليها أجرًا، فيجبُ أَنْ يُؤدي عن أعماله فيها حسابًا، إنْ ظهرت الحاجة إلى أن يؤدي هذا الحساب.

والعقبة الوحيدة التي تحول دون سؤال صدقي باشا هي أنه كان وزيرًا، وأنَّ الوزراء يُسألونَ أمَامَ البرلمان، فلا بُدَّ إذن من أن توجد الوسيلة لإزالة هذه العقبة التي تقوم في سبيل المساواة، ولا بد إذن من أن توجد الوسيلة ليسمع صدقي باشا ما ينبغي أن يُوجه إليه من سؤال، وليقول صدقي باشا ما عنده من جواب. وما نظن أنَّ صدقي باشا نفسه يكره هذا أو يَضيق به؛ فصدقي باشا قد صال وجال، وتحدث إلى الصحف في قصة الكورنيش، وكتب لها البيانات، ودافع عن نفسه قبل أنْ يُهاجمه أحد. ومن فعل هذا كله، فهو مُطْمئن واثق، لا يكره السؤال ولا يتردد في أنْ يجيب إذا دعي، وفي أن يرد إذا وُجِّهَ إليه السؤال.

ومن هنا نستطيعُ أنْ نُعين بجهدنا الضعيف على إيجاد الوسيلة لإزالة هذه العقبة، فهناك طَرِيقانِ من أَيسر الأُمور أنْ تسلكا إلى تحقيق هذه الغاية؛ الأُولى: يستطيع أن يحققها صدقي باشا نفسه، وهي أن يذهب إلى اللجنة دون أن تدعوه، وأن يدلي إليها بما عنده من البيان وإن لم تسأله. فقد ينبغي أن يكون صدقي باشا أكرم على نفسه، وأَحَبَّ للديمقراطية، وأحرص على المصالح العامة من أن يؤثر الصمت والاستقرار؛ لأنَّ أحدًا لم يدعه، ولأن أحدًا لم يسأله، وهو الذي تحدث إلى الصحف، ولم يكرهه أحد على الحديث، فليتحدث إلى اللجنة دون أن يضطره أحد إلى الحديث.

وليس من شك في أن حديث صدقي باشا إلى اللجنة سينفعها ويعينها؛ فقد كان صدقي باشا وزيرًا للداخلية، وقد أجازَ صدقي باشا ما أجاز من قصة الكورنيش، وأَجَازَهُ في عجل، وفي غير مهل، وله في ذلك رأي، وله في ذلك حكمة، وله في ذلك تعليلات، من الخير أن تسمعها اللجنة لتقيم حكمها على أساس صحيح. فإذا آثر صدقي باشا الرَّاحة واختار لزوم الصمت، والاستقرار — وهذا حقه طبعًا — فقد نظُنُّ أنَّ الطريق الثانية لا بُدَّ منها، وهي مفروضة حينئذٍ على الرجل الطيب ووزارة الرجل الطيب. وهذه الطريق الثانية هي أنْ يُسْأَل صدقي باشا أمام البرلمان، وقد بين الدستور كيف يكون سؤال الوزراء والتحقيق معهم.

ونحنُ نَعْلَمُ أنَّ القانون الذي ينظم هذا لم يصدر بعد. ولكن عدم صدور القانون لا يلغي حق البرلمان، ولا يعطل واجبه، ولا يعفي الوزراء من أن يتحملوا تبعات أعمالهم. فالبرلمان قادرٌ في حدود الدستور على أن يؤلف اللجنة البرلمانية التي نص عليها الدستور، وهذه اللجنة تنظم أعمالها وإجراءاتها بنفسها ما دام القانون لم يصدر، وهذه اللجنة تسأل صدقي باشا وتسمع منه، وتتبين وجه الحق في موقفه من قصة الكورنيش. وهذه اللجنة إنْ أُلِّفت وسألت صدقي باشا؛ تحمي المساواة، وتثبت أن الدستور لا يفرق بين الوزراء وغير الوزراء في احتمال التبعات، وتثبت أنَّ لأموال الشعب حماة يصونونها، ويذودون عنها، ويبحثون عما ضاع منها، ويبينون للناس كيف ضاع، ويحاسبون الذين أضاعوه.

وبإحدى هاتين الطريقتين يعلم المصريون جَمِيعًا، ويعلم الأجانب الذين يرقبون مصر، أن مصر بلد حر، ديمقراطي، لا يتميز فيه أحدٌ بحماية مهما تكن، ولا يرتفع فيه أَحدٌ عن تأدية الحساب عما يأتي من الأعمال. فليختر صدقي باشا، وليختر رئيس الوزراء، ولننتظر نحنُ لنرى أَيَسْعَى صدقي باشا إلى اللجنة القائمة، أم يُدعى صدقي باشا إلى اللجنة التي سيؤلفها البرلمان؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.