أمسينا في جو مفعم بالزجر والعيافة، مغلف بالأحاجي والأسرار، يتكلم المتكلم فإذا هو عائف أو زاجر من حيث يريد ولا يريد، وإذا هو معرض عما بين يديه وتحت عينيه لينظر إلى عالم الغيب، ويستعجل العلم بغده المحجوب، وبالذي يجري في ساعته تلك على مدى الألوف من الأميال.

وحق للناظر تلك الليلة أن يعرض عما بين يديه وتحت عينيه! فماذا كان في الحق بين يديه وتحت عينيه؟

منظر واحد يتكرر، ثم يتكرر، ثم يتكرر في غير تبديل!

هضاب ورمال، ثم هضاب ورمال، ثم هضاب ورمال … ثم نيل ينتظمها ويجري في خلالها، ليزيد التشابه بينها ولا يزيدها شيئًا من التبديل أو التنويع.

فإذا طالت نظرة العين إلى تلك المتشابهات فهي كالعين المنومة التي حدجت بالنظر شيئًا واحدًا حتى غاب عنها وغابت عنه، فاستسلمت لما يوحي إليها من الأنباء، وما يكشف لها من الأسرار.

هنالك علمنا منشأ الزجر والعيافة من قديم، فلا يزجر الزاجر ولا يعيف العائف إلا وبه نقص من حظ العيان، وحاجة إلى العلم بالفهم والسماع.

وكنا في مثل تلك الحاجة ليلة الزجر والعيافة.

فتركنا معركة العلمين ناشبة في بدايتها ونحن لا نسمع كثيرًا ولا قليلًا عنها، وانقضى الليل وطرف من النهار ولا خبر ولا رواية ولا إشاعة كتلك الإشاعات التي يخترعها المرجفون ولها صبغة من الخبر والرواية.

وما معركة العلمين في تلك الليلة وفي كل ليلة تأتي بعدها إلى أقاصي التاريخ؟

هي معركة سماها القدر ولم يُسمها الجيشان، ولا صحف الأنباء أو مطلقو الأسماء على معارك القتال.

هي معركة علمين اثنين تتلخص فيهما جميع الأعلام التي تظل المتقاتلين اليوم في كل ميدان.

علم الحرية، وعلم الطغيان!

علم الدفاع، وعلم الفتوح والغارات!

وأي العلمين ارتفع في تلك المعركة ففيه مصير عالمين وخافقين ومشرقين، وفيه ابتداء زمان وانتهاء زمان.

وتلك تلك المعركة التي انقطعنا عن أخبارها ليلة وطرفًا من نهار، ثم بلغنا الشلال، فعلمنا أننا سنقضي في الباخرة نيفًا وأربعين ساعة، لا نحن بالعالم متصلون، ولا العالم بنا متصل، حتى نستأنف الصلة به عند تخوم السودان.

نيف وأربعون ساعة بغير أخبار!

وفي الباخرة مع ذلك طائفة من رجال الصحافة ورجال الأعمال تعودوا عشرين سنة على الأقل ألا تنقضي عليهم أربعون دقيقة بغير خبر جديد، عن أمور بالغ ما بلغ شأنها فهي سفساف الحديث إلى جانب الحديث عن العلمين.

فمن لم يتعلم الزجر والعيافة في تلك الليالي المحجبات فما هو متعلم، وقد تعلمناها فأحسنَّا العلم بهما من درس واحد لم تسبقه دروس.

***

أقبل الليل فألقت الباخرة مراسيها عند الشاطئ إلى الصباح.

وخرجنا من المقاصير نتنسم الهواء جادين، ونتنسم الأخبار متفكهين، وذهب كل منا يسأل صاحبه مازحًا: ما أحدث أنباء المساء؟ فيجيبه: أي مساء؟ الجمعة أو الخميس أو الأربعاء! فكل أخبار هذه الأيام سواء.

وإنَّا لكذلك إذ انحدر أمامنا مركب سريع موقر بالأبقار السمان …

فصاح صائح: بشارة خير!

وصاح ثان: نعم، وأي خير! فهي أبقار لا تذهب إلى مصر لتموين الأستاذ روميل وأصحابه بطبيعة الحال! … ولا تصل إلى القاهرة قبل ثلاثة أيام.

وانطلقت الفكاهة والجد أي منطلق في ذيول هذه العجماوات، فمن قال: إنها تكلمت وسكت الناس، ومن قائل: إن بقرات يوسف عليه السلام كانت سبعًا وكانت في المنام، وهذه سبعون وفوق السبعين نراها في اليقظة رأي العين، فما أحسن البشارة! وما أصدق التعبير!

وكان صاحب القدح المعلى في تلك العيافات والتعبيرات طبيبًا يسخر من الخرافات.

فقلنا: وقد تمت المعجزة بحمد الله، واصطلح الطب والسحر لحظة في هذه الليلة بفضل الجهل بالأنباء … وللجهل فضله الذي لا ينكر في بعض الأحايين.

ثم توالت الأنباء من هذا الطراز: كل مركب منحدر يعبر عن شيء كثير، بغير سؤال وجواب، وبغير اعتساف في التأويل والتعبير.

***

وأسفرت ليلة الزجر والعيافة عن صباح مشرق كأوضح ما يكون صباح، وتشرق شمس في سماء.

ونظرنا … فماذا رأينا؟

عجيبة من عجائب التوفيقات: فقد رأينا على الشاطئ قبالتنا هيكل الصباح المشهور بين الهياكل المصرية، ورأيناه في اللحظة التي بني لها، وأعدت محاريبه للقائها، والامتلاء بشعاعها وضيائها؛ وهي لحظة الشروق.

هذه مطالع هاتور.

هذه محاريب أبي سمبل، وهذه تماثيلها الأربعة الفخام لا تسأم النظر إلى الدنيا في مجلسها، ولا تسأم الدنيا من النظر إليها.

وهذا الوادي هو الذي قدسوه قبل ثلاثة آلاف سنة، وجعلوه حرمًا لربته هاتور، ولأرباب كثيرين.

فهي إذن ظلال الهيكل الساحر التي شملتنا في جو الزجر والعيافة منذ ألممنا بواديها ونحن لا ندري.

وهي إذن بقية من كهانات سبقت جميع الكهانات، وأخذ منها الوادي أو هي قد أخذت من الوادي بنصيب.

وكان تمام التوفيق أن نبيت الليل في جوارها، ثم لا نطلع عليها إلا مع طلوع الصباح، وقد فضَّت له مغالقها، وكشفت له محاريبها، وعانقته هنيهة عابرة في لجة من النور.

وعبرنا صامتين.

وأنصتنا وأطلنا الإنصات؛ لأننا نختلس السمع من وراء ثلاثة آلاف عام، وماذا يمنعنا أن ننصت فنسمع؟ … ثلاثة آلاف عام لا تنأى بنا عن السمع في ذلك السكوت.

كانوا يقولون في تلك اللحظة من وراء الجدران الضخام، ومن وراء جدران أضخم منها وأفخم، وهي جدران الدهور:

أتيت أيها البصر الهادي وتمزقت الظلمات، ورجعت الأشباح إلى ظلماتها، واهتزت الأرض بالبشائر، وافترت الثغور!

تحيات يا رائد السماء. إنَّا لك خاشعون.

وإن الحياة لتبسم بك يا كريم، وإن الماء ليتنفس بك يا واهب الأنفاس، وإن الزهرة لبك تزهر، وإن الوردة لبك تعطر، وإنها لتحيات إليك يا رائد السماء، وإنا لك لخاشعون!

صورت نفسك فما لك مصور، وكذلك صورت في ملكك أول نهار، وخلقت نفس الصباح ونفس الإنسان، وكل ما نماه عالم الإنسان.

حجبت سرك في النور الأعظم فلا يستشفه بصر مبصر، وإنا لنحييك يا رائد السماء، وإنا لك في سرِّك لخاشعون!

يا أيها الوليد القديم لكل نهار جديد، نستقبلك فنرقص فرحًا في كرامتك، ونحن لك خاشعون!

كانوا ينشدون هذا النشيد من وراء الجدران.

كانوا ينشدونه بكل لسان، ويرسلونه إلى كل سمع فلا يضيرهم أن يخذلهم لسان واحد في تلك اللحظة، وهو اللسان الذي لا يقول بعد الموت، ولا يخترق حجاب القبور.

***

إيه أيتها التماثيل الضخام! فيم تتحدثين في تلك الجلسة وقد طالت بك آلاف السنين؟

كم قلت! وكم لم تقولي! وكم رأيت وكأنك ما رأيت! وكم غمرتك الرمال وأنت لا تحفلين، وغمرتك الأنوار وأنت لا تحفلين، وغمرتك الأنظار المستطلعات وأنت لا تحفلين! … فِيمَ احتفالك؟! وفِيمَ صبرك وانتظارك؟ وإلامَ تجلسين؟ إلامَ إلامَ تجلسين؟!

قلت لأصحابي: هذه جلسة تاريخية ليس لها قرار؛ لأنها كلها قرار!

قال قائل منهم: طوبى لها قرارها! وطوبى لها هذه الجلسة التي اطمأنت إليها: لا حروب ولا أشجان، ولا أهواء ولا أضغان، ولا اكتراث للإنسان ولا لعالم الإنسان.

قلت: على رسلك يا صاح … لو استطاعت أن تبتسم لكلامك لامتلأت أفواهها بالابتسام، ثم جلجلت بالضحك حتى ارتجَّتْ لها الهضاب والآكام.

أهذه التماثيل الضخام بمعزل عن الحروب والأشجان، وعن الأهواء والأضغان، وعن الاكتراث للإنسان وعالم الإنسان؟

هي حديث حرب، وهي حديث حب، وهي حديث شجن، وهي حديث إنسان يتكلم من وراء الزمن إلى إنسان.

وخطوة واحدة وراءها تريك رمسيس في مركبة الحرب يقلب الصفوف على الصفوف، ويرسل الحتوف وراء الحتوف، ويفخر بالنجاة وهو مارق من بين ألوف.

وخطوة أخرى وراءها تريك المطامع والأهواء تلعب بالكهان والرؤساء، وتزدلف إلى السطوة والثراء، وتنطق بالهجرة والمراء.

كلا، يا صاح! هي الحرب في هذا المكان، والحرب في كل مكان، وهي الأهواء الآن، الأهواء في كل آنٍ، وهي الصخور الصلاب تسكت سكوتها، فتسمع منها لجب الفرسان، ونجوى الحسان، وسعاية الأقران والأعوان.

هي حرب ينبئنا بها حجر، وحرب ينبئنا بها بقر، وحرب ينبئنا بها كل قائل وأعجم، ولا يعوزه ترجمان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.