هو الذي يظللنا الآن فلا يرد عنَّا شرًّا ولا يصرف عنَّا عادية؛ لأنه مهلهل، لأنه لا يقوى على صد أو رد أو مقاومة، وكل ما يستطيعه هو أن يبطئ حركتنا، ويحول بيننا وبين النشاط المُطَّرد المستقيم. له من السلطان الحكومي كل مظاهره، فوزراء يجتمعون في كل أسبوع، وقد يجتمعون غير مرة في الأسبوع، ووزراء يختلفون إلى البرلمان فيسمعون ويقولون، ووزارات ومصالح تفتح أبوابها مع الصبح، وتغلقها حين يتقدم النهار، وموظفون يغدون على مكاتبهم، ويروحون إلى دورهم، وعلى وجوه فريق منهم ابتسامات ساخرة لا تحفل بالمكاتب ولا بالدُّور، وعلى وجوه فريق آخر منهم ابتسامات حائرة لا تدري أتخلص للسخرية أم تخلص للكآبة والحزن، وفي وجوه فريق ثالث منهم شحوب عابس لا يشبهه إلا شحوب الذين يُقبِلون على الكوارث، أو تُقبِل عليهم الكوارث لا يملكون لها ردًّا، ولا يستطيعون منها خلاصًا. ولهؤلاء وهؤلاء وأولئك تُصرف في آخر كل شهر أجور خطيرة أو حقيرة لا تكاد تستقر في جيوبهم، وهي لا تصل إلى بيوتهم على كل حال.

فكل شيء يدل على أن في مصر سلطانًا سياسيًّا منظمًا، كما أن في غيرها من البلاد المتحضِّرة سلطانًا سياسيًّا منظمًا. وكل شيء يدل على أن هذا السلطان السياسي المنظَّم في مصر من شأنه أن يصدر عن أهلها الأحداث والخطوب، وأن يحمي كرامتها من العدوان الخارجي، ويحمي لأهلها حياتهم وأموالهم وحقوقهم من العدوان الداخلي. ولكن انظر إلى ما تَعرِض عليك الصحف حين تصبح وحين تمسي في كل يوم، فسترى سواء رضيت عن ذلك أو كرهت أن هذا السلطان السياسي المنظم في مصر لا يرد عنها ولا عن أهلها، ولا يستطيع أن يرد عنها ولا عن أهلها شرًّا يهبط من السماء، أو ينجم لها من الأرض أو يأتيها من الأجنبي الخارجي، أو يأتيها من المواطن المقيم.

جرائم تُقترف في النهار المبصر وفي الليل المظلم، وتنشر الصحف أنباءها المروعة، فلا يرتاع لها أحد؛ لأن الناس قد ألِفوا الرَّوْعَ حتى اطمأنُّوا إليه، وعاشوا فيه كما يطمئن غيرهم إلى الأمن ويعيشون فيه. وقنابل تنثر حيث يريد أصحابها أن ينثروها. يجدها الناس في وضح النهار، ويجدها الناس في غلَس الليل، وتُدعى الشرطة فتنظر إليها مكتئبة، وتنقلها متثاقلة، ويقرر المختصون من الفنيين أنها من هذا النوع أو ذاك، إلا أن تنفجر قبل أن تبلغها الشرطة فتزهق النفوس وتريق الدماء وتشيع الجراحات، ولا تكاد تشيع خوفًا أو ذُعرًا؛ لأن الناس قد ألِفوا ذلك واستسلموا له، فأصبحوا لا يخافون ولا يذعرون. وقد يعبث أصحاب القنابل أو يجِدُّون فيلاعبون الشرطة، ويداعبون الحكومة، ويكتبون على قنابلهم سائلين عن اليوم الخامس عشر من هذا الشهر أعيد هو أم غير عيد.

والوزراء يجتمعون في كل أسبوع، ويختلفون إلى البرلمان، والموظفون يغدون إلى المكاتب، ويروحون إلى الدور، والأجور تُصرف آخر الشهر للوزراء والموظفين، والمكافآت تصرف آخر الشهر للشيوخ والنواب، وأبناء الشعب يجِدُّون ويكِدُّون ويجوعون ويمرضون ويجاهدون ويكافحون؛ ليُخرِجوا للدولة هذه الأموال التي تؤدَّى منها الأجور والمكافآت.

وقد يُقبِل هذا الوباء أو ذاك من حيث لا يدري أحد، بل من حيث لا تدري الوزارة التي خصصت لرد الوباء إن أقبل، ومحق الوباء إن نفذ إلى أهل الوطن. قد يُقبِل هذا الوباء من حيث لا تدري وزارة الصحة، فلا يجد من يَرُدُّهُ ولا من يصده، فينزل في مصر على الرحب والسعة، ويرتع في نفوس المصريين غير مدفوع ولا ممنوع، ثم ينصرف من حيث أقبل، وقد ملأ يديه موتًا ويتمًا وثكلًا وتأييمًا وترميلًا وفقرًا وجوعًا!

والوزراء يجتمعون في كل أسبوع، ويختلفون إلى البرلمان، والموظفون يغدون ويروحون، والأجور تُصرف آخر الشهر للوزراء والموظفين، والمكافآت تُصرف آخر الشهر للشيوخ والنواب، وأبناء الشعب يستخرجون من دماء قلوبهم، وعرق جبينهم هذه الأجور والمكافآت.

وقد يخطر لحاكم السودان أن يعبث بمصر والمصريين، وأن يخطو الخطوات الأولى أو الأخيرة لا أدري ليضيف إلى الإمبراطورية البريطانية مستعمَرة جديدة أو قديمة هي السودان. وقد يستبيح السكرتير الإداري لنفسه أن يقول في المجلس الاستشاري إن الحاكم العام للسودان يعين أعضاء المجلس التنفيذي ويعزلهم، كما أن الملك في مصر يُعيِّن الوزراء ويقيلهم، وينشر هذا كله في الصحف، ويقرؤه الوزراء والشيوخ والنواب وسائر المواطنين، فلا يغيظهم ذلك ولا يُحفِظهم؛ لأنهم قد ألِفوا الغيظ والحفيظة حتى أصبحوا لا يغتاظون، ولا تبلغ الحفيظة من قلوبهم شيئًا.

وقد يَخطُر للإنجليز أن يظفروا بموافقة الحكومة المصرية على ما يكيدون لمصر في السودان، فإذا أشفقت الحكومة من هذه الموافقة، ولم تُجِب الإنجليز إلى كل ما أرادوا، لم يتردد بعض المتكلمين بلسان وزارة الخارجية البريطانية في أن يقول إن الحكومة البريطانية قد احتملت في مصر أكثر مما ينبغي أن تحتمل، وأن مصر قد أسرفت في التجنِّي، وأَغرقت في الدل والتيه. وينشر هذا في الصحف فلا يغتاظ له أحد؛ لأن المصريين قد ألفوا الغيظ حتى أصبحوا لا يعرفون كيف يغتاظون!

والمهم هو أن مظاهر السلطان السياسي المنظم قائمة في مصر كما تقوم في كل بلد متحضر، ولكنها في مصر مظاهر ليس وراءها شيء، فهي أشبه بنسج العنكبوت الذي لا يصد شرًّا ولا يدفع عادية، وإنما يبطئ من الحركة ويفسد النشاط، ويثقل الناس بما يكرهون. ولا يجلب عليهم شيئًا مما يحبون … وصدق الشاعر القديم حين قال لخصمه ذلك البيت الذي لم يلائم أحدًا قط كما يلائم المصريين الآن:

ضربت عليك العنكبوت بنسجها

وقضى عليك به الكتاب المنزل

وصدق الله العظيم حين قال: ()، ولكن أتدري لِمَ كان السلطان السياسي المنظم في مصر مشبهًا لنسج العنكبوت؟ لسبب يسير جدًّا، هو أن نيابة نُوَّابه وشيوخه، ووزارة وزرائه، وإدارة مديريه لم تقُم على أساس من حب الشعب وإرادته وثقته، وإذا بُنيت أمور الحكم على غير حب الشعب وإرادته وثقته، فلا يمكن أن تكون إلا مشبهة لنسج العنكبوت.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.