لست أدري أحقٌّ ما قرأتُ في بعض الصحف الباريسية من أنَّ فرنسا أبلغت مصر احتجاجها على ما يُذاع في الراديو من إنكار سياستها في شمال أفريقيا عامَّةً وفي مراكش خاصَّةً.

ولكنَّ الشيء الذي ليس فيه شك هو أنَّ الصحف الفرنسية غاضبة أشدَّ الغضب، مُنكِرة أشدَّ الإنكار، لِما يصدر عن مصر من إذاعة تُؤيد المراكشيين والتونسيين في إبائهم للضيم، ومطالبتهم بالحق، ومُقاومتهم للظلم، وثورتهم على الاستعمار.

وقد نشرت صحيفة الموند منذ أيام مقالًا افتتاحيًّا اتخذت له عنوانًا بغيضًا، قرنت فيه اسم رئيس وزرائنا باسم ذلك الإله الروماني ذي الوجهين الذي كان معبده يُفتح أيام الحرب ويُغلق أيام السِّلم. وزعمت فيه أنَّ لرئيس وزرائنا موقفين متناقضين مع فرنسا: أحدهما فيه السِّلم والدعة، والآخر فيه الخصومة والحرب؛ فرئيس وزرائنا — فيما روت صحيفة الموند — مُسالم لفرنسا حريص على أن تُقيم بينها وبين مصر صلات المودة والتعاون؛ فهو قد استقبَل في غبطة واستبشار ذلك الوفد الفرنسي الذي أقبل منذ حين يعرض على مصر استثمار أموال ضخمة فرنسية في تحقيق ما تُحاول من الإصلاح.

وهو كذلك قد كلَّف مراسل الموند إدوار سابلييه أن يقول في باريس: إنَّ مصر تنظر إلى الحكومة الفرنسية القائمة — حكومة منديس فرانس — نظرة فيها كثير من الأمل والرجاء.

وأوضح أنَّ رئيس وزرائنا إن كان قد قال هذا الكلام فهو إنَّما قاله مشيرًا إلى السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا، وإلى محاولة منديس فرانس لإرضاء التونسيين بتحقيق بعض آمالهم.

وواضح أنَّ رئيس وزرائنا إن كان له الكلام فهو قد أراد به أن يُوجه رئيس الوزارة الفرنسية توجيهًا رفيقًا إلى أن يصنع في مراكش شيئًا يُشبه كثيرًا أو قليلًا ما يحاول صنعه في تونس. فهذا الموقف من رئيس وزرائنا هو موقف السِّلم مع فرنسا، ولكنَّ له موقفًا آخر تراه صحيفة الموند موقف الحرب، وذلك حين يُخلي بين الإذاعة المصرية وبين ما تدعو إليه من إنصاف المراكشيين والتونسيين، وحين يُخلي بين الصحف المصرية، وبين ما تدعو إليه من تحقيق الاستقلال للمراكشيين والتونسيين أيضًا.

وكذلك صورت صحيفة الموند رئيسَ وزرائنا مناقضًا لنفسه، يُسالم فرنسا ويحاربها في وقت واحد، وتمنَّت عليه أن يختار أحد الموقفين. وأغرب ما في هذا المقال أنَّ هذه الصحيفة الفرنسية التى عُرفت دائمًا بالقصد والاعتدال وتجنُّب الهوى فيما تكتب، بمقدار ما يُتاح لمثلها من الصحف أن تتجنب الهوى فيما تكتب من الفصول السياسية؛ أنَّها تُريد رئيس الوزراء المصري على شيء لا يُراد عليه رئيس وزراء في أي بلد من البلاد.

فبين مصر وفرنسا صلات سياسية رسمية قوامها المودة والمجاملة والتَّعاون على الخير والسِّلم، وعلى ما ينفع النَّاس ويُحقِّق مصالح البلدين.

ولهذه الصلات السياسية حدود مرسومة معروفة مُقرَّرة في الأوضاع الدَّولية، وهى لا تمنع مصر من أن تُنكر من أعمال فرنسا ما ترى من حقِّها أن تنكره، كما أنَّها لا تمنع فرنسا من أن تصنع هذا الصُّنع نفسه مع مصر، فما دامت السفارة المصرية مستقرة مُفتَّحة الأبواب في باريس، وما دامت السفارة الفرنسية مستقرة مُفتَّحة الأبواب في مصر؛ فالأمر بين البلدين قائم على المودة والمجاملة والتَّعاون، ولكنَّه لا يُفني إحدى الدولتين في الأخرى، ولا يجعل إحداهما ظلًّا للأخرى. وهو بعد ذلك لا يُلغي حرية النقد التى هي حق طبيعي للشعب المصري، وصحفه وإذاعته، حتى ولو كانت هذه الإذاعة خاضعة لسلطان الحكومة.

والحكومة الفرنسية القائمة كغيرها من الحكومات الفرنسية التى سبقتها، ومن الحكومات الفرنسية التى ستليها غدًا أو بعد غدٍ، لا تُحب السياسة الروسية ولا تُقِرُّها ولا ترضى عنها، وهي مع ذلك تُقيم أمرها مع روسيا على هذه الأوضاع الرسمية المألوفة التى تقوم على المودة والمجاملة والتعاون، ما دامت لفرنسا سفارة مستقرة مفتَّحة الأبواب في موسكو، وما دامت لروسيا سفارة مستقرة مفتَّحة الأبواب في باريس.

وما أكثر ما يجهر رؤساء الوزارات الفرنسية في البرلمان الفرنسي بنقد السياسة الروسية نقدًا مرًّا عنيفًا، والصحف الفرنسية والإذاعة الفرنسية تتجاوز حدود المجاملة فيما توجِّه إلى روسيا وسياستها من نقد وتشنيع، وروسيا تجزي فرنسا بمثل ذلك دون أن تحتجَّ إحدى الدولتين على الأخرى بالطرق الدبلوماسية أو من طريق الصحف والإذاعة.

وبين فرنسا وبين حلفائها وأصدقائها الأقربين خصومات لا تنقضي، ولكنَّها لا تدعو إلى احتجاج بين هذه النَّاحية أو تلك. فما بال الفرنسيين — حكومة وشعبًا — ينتظرون من مصر ما لا ينتظرون من أصدقائهم وخصومهم جميعًا. وما لهم يضيقون بأيسر الأمر حين يَصدُر عن مصر، ولا يضيقون بالأمور الجِسَام حين تصدر عن غيرها من الخصوم والأصدقاء، وما بالهم يُطالبون مصر بما لا يستطيعون أن يُطالبوا به صحفهم الفرنسية نفسها، فبين الصحف الفرنسية التي تصدر في باريس وفي الأقاليم صحف توجه من النقد العنيف ومن الإنكار الشديد إلى السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا ما لا يُقاس إليه النقد المصري مهما يبلغ من الشدَّة والعنف.

وبين يديَّ — وأنا أُملي هذا المقال — صحيفة فرنسية باريسية صديقة لرئيس الوزراء القائم منديس فرانس، وهي تُوجه إلى السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا تُهمًا كأخطر ما تكون التُّهم، وتشنيعًا كأعنف ما يكون التَّشنيع؛ فهي تُنبِئنا بأنَّ منديس فرانس هَمَّ أن يُحاول في مراكش مثل ما حاول في تونس، ولكنَّ نُصحاء السوء من الاستعماريين الذين تُسَمِّي بعضَهم صرفوه عن هَمِّهِ ذاك، وألقوا في رُوعِه أنَّ من الخير أنْ ينتظر حتَّى يهدأ العنف في مراكش، وحتى لا تُذعِن فرنسا لضغط الثائرين عليها والنَّاقمين منها.

وتُنبِئنا بأنَّ الرئيس منديس فرانس قد خيَّب أمل الفرنسيين فيه حين استمع لأولئك النصحاء، وحين خلَّى بين المستعمرين وبين مراكش يفعلون بأهلها الأفاعيل.

وهي تُنبِئنا كذلك بأنَّ هذه السِّياسة الجديدة للرئيس منديس فرانس هي التي أباحت للإدارة الفرنسية في مراكش أن تقترف الآثام الغِلَاظَ التى اقترفتها احتياطًا لما كانت تتوقع من المظاهرات أثناء العيد الأضحى، وفي اليوم العشرين من شهر أغسطس، وهو اليوم الذي أُقْصِي فيه السلطان الشرعي عن عرشه؛ فأجرت ما تُسميه الصحف الفرنسية كلها عمليات التنقية في المدن الكبرى، وهي أنْ يحتل الجيش هذه المدن، ويقبض على الذين يتوقع منهم إثارة المظاهرات. ونشأ عن هذه التنقية أنَّ الذين قبَض عليهم الجيش أثناء هذا الإجراء لا يُحصَوْن بالعشرات ولا بالمئات، وإنَّما يُحصون بالألوف الكثيرة.

وهي تُنبِئنا أيضًا بأنَّ هذه السياسة الجديدة للرئيس منديس فرانس هي التي طوَّعت للإدارة الفرنسية أن تقتحم المساجد، وتقبض على العلماء المُوالِين للسلطان المنفي، وتحملهم إلى قصر السلطان القائم ليعلنوا إليه ولاءهم مُكرَهين على إعلانه إكراهًا.

وهي تنبئنا أيضًا بأنَّ الإدارة الفرنسية قد حشدت النَّاس بقوة الجيش ليُقدِّموا إلى السلطان القائم تهنئتهم بالعيد. فلمَّا فعلوا أعطت كل واحد منهم ألفًا من الفرنكات، ومقدارًا من السُّكَّرِ والشاي.

فهي تُقيم سياستها إذن على الرَّغَبِ والرَّهَبِ، في إحدى يديها السيف وفي يدها الأخرى الفرنكات والسكر والشاي، وأي شيء أشد إفسادًا للأخلاق وقطعًا للصلات بين الناس من سياسة تقوم على هذه الألوان المُنكَرة من الترغيب والترهيب، اللذين يُلغيان كرامة الإنسان، ويُقيمان أمره كله لا على رضا الضمير واطمئنان القلب، بل على الخوف من جهة، وعلى إرضاء الأفواه والحُلُوق والبطون من جهة أخرى.

بهذا كله وبأكثر من هذا كله وأعظم منه نُكرًا تُنبِئنا الصحيفة المؤيِّدة للرئيس منديس فرانس، وهي ليست منفردة بهذا النكير، وإنَّما تُشاركها فيه صحف فرنسية أخرى عسى أن تكون أعنف منها نقدًا، وأكثر منها تشنيعًا وتشهيرًا. وأنا أعلم أنَّ الفرنسيين قد يحتملون النقد من مواطنيهم ولا يحتملونه من غيرهم، ولكنَّ الصحف الإيطالية والإنجليزية تنشر من أنباء الظلم الفرنسي في مراكش وتونس أكثر ممَّا تنشر الصحف المصرية والإذاعة المصرية.

وما أعلم أنَّ فرنسا قد احتجت على إيطاليا أو على بريطانيا العظمى من أجل ذلك، ولست أذكر صحف البلاد المُنكِرة لسياسة الديمقراطية الغربية، وهي من غير شكٍّ تُصوِّر السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا أبشع التصوير وأشدَّه نكرًا، وما نعلم أنَّ فرنسا قد احتجت على دولة من تلك الدول من أجل ذلك … فما بال فرنسا تختص مصر بهذا الاحتجاج من دون الدول الأخرى.

أمَّا أنا فأُعِلِّل هذا بأمرين؛ أحدهما: أنَّ ما تكتبه مصر وتذيعه يقرؤه ويسمعه التونسيون والمراكشيُّون؛ لأنَّه يُكتب ويُذاع باللغة العربية على حين لا يكاد المراكشيون والتونسيون يقرءون أو يسمعون ما يُكتب أو يُذاع في اللغات الأجنبية الأخرى.

ولكنَّ فرنسا خليقة أن تقبل مصر على عِلَّاتها، وأن تعلم أننا لا نستطع أن نُغيِّر لغتنا، وأن نكتب ونذيع بلغة أجنبية لا يفهمها إخواننا في اللغة والدين لترضى عنا فرنسا؛ فقد تكون لغتنا أكثر أهمية عندنا من فرنسا مهما تعظُم صلات الصداقة والمجاملة الرسمية بيننا وبينها.

الأمر الثاني: أنَّ فرنسا فيما يظهر تُفرِّق بين الأوروبيين والشرقيين والعرب منهم خاصة؛ لأنَّها تعودت من الشرقيين ضعفًا قديمًا. ومن الحقِّ عليها أن تعلم أنَّ الأمم تضعُف وتقوى، وأنَّ القوة ليست مقصورة على وفرة السلاح وكثرة المال، وإنَّما القوة كل القوة هي التي تأتي من يقظة الضمير الإنساني في نُفُوس الشعوب، ومن الحق على فرنسا ومن الخير لها أن تعلم أنَّ الضمير الإنساني قد استيقظ في العالم الشرقي، وفي العالم العربي خاصة. وقد ذاقت هي وذاق بعض حُلفائها مرارةَ النتائج التي نشأت عن هذه اليقظة.

فليس لها بُدٌّ إذن من أن تقبل مِصْرَ على عِلَّاتها مرة أخرى، وتعلم أننا لن نلغي ضمائرنا الإنسانية، ولن نسكت على هذه الآثام المُنكَرة التي يقترفها الاستعمار في أي قُطر من أقطار الأرض، وفي الأقطار العربية والإسلامية بنوع خاصٍّ؛ لأنَّ الساكتين على هذه الآثام إنَّما يسكُتون عن الحقِّ، وقد استقر في نُفوسنا منذ قُرون طِوال أنَّ السَّاكت عن الحقِّ شيطان أخرس، ونحن لا نريد أن نكون شياطين ولا أن نكون خرسًا. وخير من الاحتجاج على كلمة الحقِّ حين يُقال أن ترجع فرنسا إلى الحقِّ، وتثوب إلى الرشد، وترد إلى المراكشيين والتونسيين ما ينتظرون أن يُرد إليهم من الحقوق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.