نعدو من سهوات التاريخ إلى سهوات زميلنا الأستاذ الحكيم.

لقد سمِع هذه السهوات اليوم بأذنيه، وأوشك أن يسهو فيقول كعادته: حصل. جائز … لولا أنه أُحِيطَ بضجة من القهقهة لا تُبقي على أعمق السهوات.

تحدَّث بعضهم عن سهوات الحكيم — وهو سامع — فقال إنه كان يسهر أيام العزوبة في أحد الأندية العامة، فهبط عليه صديق يقول له بلهجة الأسف والملام: يا أستاذ! أنت ساهر هنا وزوجتك تسهر في سيارة فلان إلى هذه الساعة؟!

فوثب الأستاذ وهرول إلى المنزل، وصاح بالخادم وهو يفتح له الباب في غضب لم يعهده منه قط: أين الهانم؟ أين الهانم؟

قال الخادم دهشًا: أي هانم يا بك؟

قال الأستاذ: أي هانم؟ امرأتي يا أبله!

فغُلِبَ الخادم دهشة وضحكًا وقال له وهو لا يصدق ما يسمع: ولكنك يا بك غير متزوج!

وانتقلنا إلى حديث «السهاة» المشهورين فذكر زميل كبير قصة الأستاذ أحمد أمين رحمه الله وهو في ترام مصر الجديدة وعامل التذاكر يسأله عن الاشتراك فيخرج له الساعة ويدنيها من عينيه كلما كرر السؤال.

قال عامل التذاكر: أنا أسألك يا بك عن «الأبونيه».

قال الأستاذ وهو لا يزال في ذهوله: وما هذا الذي تراه إذن بعينيك!

وقِيل عن الأستاذ أحمد — طَيَّبَ اللهُ ثراه — إنه كان يكره السبانخ وقدموه له يومًا على المائدة فقال متأففًا: ما هذا؟ سبانخ!

قالوا: نعم، لقد علمنا أنك تكره الرجلة فطبخنا لك السبانخ بدلًا منها …

فأقبل على الطعام يأكله باشتهاء، وقال شاكرًا: حسنًا صنعتم. أكثروا منه بعد الآن …

الحق أن العبقرية المصرية في فن القفشة قليلة النظير، وقد كان أغرب ما سمعناه عن الأدباء «السهاة» من أعلام الغربيين قصة «ليسنج» ملك النُّقَّاد، ولكن قفشاتنا المصرية — بغير تعصب — أبرع من قفشات الألمان.

كان ليسنج يعود إلى منزله كل ليلة عند منتصف الليل، وذهب قبل الموعد ذات ليلة فدق الباب وأطل عليه الخادم من النافذة فقال له: إن الأستاذ لم يرجع بعدُ.

فرجع الأستاذ من حيث أتى وهو يقول: طيب. سأعود في فرصة أخرى!

قفشاتنا نحن أبرع وأحقُّ بالتدوين، ولكننا نأسف لأننا لا نحفل بها ولا نجمعها كما صنع السلف الصالح من جامعي النوادر والفكاهات، وما كان الزاد الأكبر من طرائف العقد الفريد والأمالي والبيان والتبيين إلا من هذه البضاعة التي نسهو عنها في أدبنا الحديث.

وحقيقة أمرها أنها أكثر من فكاهات، إنها صورة نفسية واجتماعية، ولمحات من العبقرية القومية ينبغي أن نضيف تراث العصر منها إلى سائر العصور.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.