الطربوشُ يُفَارِق الرءوسَ، أو الرءوسُ تُفَارِق الطربوشَ.

ومن اليسير أن ترى ذلك بنظرة واحدة إلى الشارع؛ فإن اللون الأحمر الذي كان يُواجِهُ عينيك من كل رأس لم يَبْقَ منه غير بقعة هنا ورقعة هناك، وكلها في طريقها إلى الزوال …

وأراني لم أبصر هذه الحقيقة المحسوسة من طرابيش الشارع كما أبصرتُها من طرابيش ثلاث زالت من رءوس ثلاثة، كل أصحابها من أبناء العِشْرة السابقة ومن أقطاب الهيئات العلمية «التقليدية» … وهي آخر من يخرج على التقاليد.

ولا نظن أن أحدًا ينظر إلى شارع في القاهرة بعد عشر سنين، فيلمح فيه طربوشًا واحدًا على رأس واحد، إلا أن يكون ذلك في موسم التنكُّر، إنْ قُدِّر لمواسم التنكُّر بقاء بعد عشر سنين.

غير مأسوف عليه

ويذهب الطربوش من مصر غير مأسوف عليه؛ لأنه في الواقع لم يكن إلا ضريبة على الرءوس، لا مسوغ لها مِنْ جوِّنا ولا مِنْ ماضينا؛ أي لا مسوغ له من الجغرافية ولا من التاريخ.

فالجوُّ المصري أحق الأجواء أن يَنْظُر إلى اللون الأحمر كما يَنْظُر إليه الدِّيكُ الرومي ليثور عليه كلما رآه، والتاريخ المصري لا يَذْكُر الطربوش قبل عهد التُّرْك العثمانيين، والتُّرْك العثمانيون أَنْفُسُهم لم يلبسوه قبل فتح القسطنطينية وانتزاعهم عادات المغلوبين كما انتزعوا منهم الدولة والسلطان.

لباس أخذتْهُ مصرُ على الأرجح من التُّرْك، وأخذه التُّرْك من اليونان، فليس له عندنا حق الجو ولا حق التاريخ العريق، ولعلَّه في زواله اليوم علامة مكشوفة على تحرر الرءوس من حكم العادة ومن حكم السيادة، وما أملحه وأصلحه لو كان في زواله علامة على تحرر الرءوس من الداخل! تحرر الرءوس من الجمود الراسخ والجهل المنحوس.

غرائب العادات

ومن غرائب العادات أن هذا الطربوش الذي أخذناه على الأرجح من الترك بعد الفتح العثماني قد أوشك أن يَخْلُق في السياسة المصرية التركية أزمةً عنيفةً؛ لأننا نلبسه ونتخذه شعارًا للرأس في الحفلات الرسمية، بعد أن تخلى عنه مصطفى كمال وأمر الأمة التركية كلها بالتخلي عنه، حتى أئمة المساجد ورجال الدين.

حدث ذلك يوم أن أقام الرئيس التركي حفلة استقباله الكبرى، ودعا إليها سفراء الدول بملابسهم الرسمية بطبيعة الحال، ودخلوا جميعًا عراة الرءوس، ودخل سفيرنا وحده وعلى رأسه طربوش!

لقد كان الطربوش الوحيد الذي بقي في العاصمة التركية؛ لأن رئيس الدولة يُحرِّم الطرابيش، ويريد أن يتخلص منها ليتخلص معها من القديم كله داخل الرءوس وخارجها على السواء.

وتصوَّرْ أن رئيس الدولة هذا يفتح عينيه، فيرى أمامه طربوشًا تحت سقف داره!

وتصوَّرْ قبل ذلك موقفَ سفيرِنا الدقيقَ!

فإنَّ خَلْعَ الطربوش في العُرْف الرسمي استخفاف واحتقار، ولو أن الصدر الأعظم — مثلًا — خطر له يومًا أن يدخل على الباديشاه بغير طربوش، لفَقَدَ رأسَه كما فَقَدَ طربوشَه بلا مراء. فإذا كانت ظروف الزمن لا تسمح بفقد الرءوس بهذه السهولة؛ فالصدر الأعظم — ولا شك — فاقِدٌ كرسيه وديوانه مدى الحياة!

وحار السفير المصري ماذا يصنع؟ إنْ خَلَعَ طربوشَه حُقَّ لرئيس الدولة أن يحسبها إهانة إذا شاء، وإنْ أبقاه أبقى الطربوش الوحيد في دار الرئاسة العليا، حيث تصدر الأوامر بمصادرة الطرابيش ومطاردة الطرابيش وعقاب من يلبسون الطرابيش.

وكان السفير المصري يقظًا، فلمح مِنْ عَيْنَيْ أتاتورك أنه لا يريد الطربوش، واعتبر ذلك إذنًا بمخالفة العُرْف الشائع في التقاليد الرسمية، فوضع طربوشَه على أقرب شماعة، واتقى بذلك أزمةً عنيفةً كانت وشيكة أن تحدث في الحفلة وفي العلاقات الدولية، لو أن أتاتورك هجم على السفير إحدى هجماته التي تعوَّدَها بعد الكأس الخامسة أو السادسة من العَرَق، وخَلَعَ الطربوشَ بيده من رأس السفير.

وحتى على هذا حدثت الأزمة بغير عنفها المحذور حين وصل الخبر إلى القاهرة، وقِيلَ إن السفير خلع طربوشه؛ لأنه أحس أنه سيُخْلَع بغير اختياره، وكادت علاقات مصر وتركيا أن تنقطع لولا اعتذار لطيف من جانب بعض الوزراء.

الطربوش الأبيض

وحدثت نقيضة أخرى من نقائض العادات في القاهرة أيام إغارة النمسا على بلاد البشناق التابعة للدولة العثمانية، فقد كانت مصر كلها تلبس الطربوش، ولا يُصْنَع طربوش واحد من ملايين الطرابيش في بلدة مصرية، وإنما كانت الطرابيش على أصنافها المتعددة تُسْتَوْرَد من النمسا حيث لا يُلْبَس طربوش واحد في بلادها.

فلمَّا أغارتِ النمسا على ولاية البشناق التركية، بعد إعلان الدستور، هاجتْ خواطر المصريين لهذا العدوان، وقرَّرُوا مقاطعة النمسا والإضراب عن شراء بضائعها، وعلى رأسها الطربوش!

وماذا يلبس المصريون إذا قاطعوا الطربوش؟

لو تقرَّرتِ المقاطعة في الوقت الحاضر، لما كان في الأمر من مشكلة، ولا من حاجة إلى السؤال عن الخَلَف بعد ذلك السَّلَف المغضوب عليه.

كانوا يخلعون الطربوش ويمشون عراة الرءوس.

ولكن الذي يمشي عاري الرأس في ذلك الزمن، كان في حكم الزميل الذي يمشي بغير رأس فوق كتفيه، أو كان وصف الجنون أسبق الأوصاف إلى رأس الناظر إليه.

وانحلَّتِ العقدةُ باختيار اللبدة البيضاء بدلًا من الطربوش الأحمر، وأقبل الناس على شراء اللبد و«كيها» على قوالب الطرابيش!

ثم يدخل «أحمد زكي باشا» سكرتير مجلس الوزراء إلى الجلسة بطربوشه الأبيض، فيتغير وجه المستشار الإنجليزي الذي كان يحضر مجلس الوزراء في ذلك الحين، ولا يأتي الاعتراض على خلع الطربوش التقليدي من أحد غيره!

لم يعترض رئيس النظار ولا أحد من النظار المصريين، وإنما جاء الاعتراض من المستشار الإنجليزي؛ فنهض وهمَّ بالخروج استنكارًا لهذا العبث في رأيه، وصاح قائلًا: أنحن هنا في كرنفال؟!

ولم يَسَعِ السكرتيرَ في ذلك الموقف الحرج إلا أن يخرج قبل أن يخرج المستشار الحاكم بأمره، ثم عاد إلى الجلسة بعد أن استعار طربوشًا — حيثما اتفق — من أحد الموظفين.

على رأس فتاة

ولم تكن أزمات الطربوش كلها سياسية دبلوماسية، بل كانت له أزمات عاطفية شعرية في بعض المناسبات، وإحداها مناسبة حَضَرْتُها يوم كُنْتُ موظفًا بديوان المديرية في الزقازيق.

كان لنا زميل في المكتب ممن تعوَّدُوا إحياء الليالي العاطفية على هواه، وطاب له يومًا أن يصطحب صديقةً له إلى نادي الغناء والرقص في المدينة، ولم يكن من الجائز يومئذ أن يدخل الفتى مع فتاة إلى تلك الأندية، فاحتال على الأمر بطربوش وضعه على رأس الفتاة، وبدلة من بِدَله وضعها فيها، مع اختلاف الهندام ومواضع البروز والضمور.

ولم يَصْعُبْ على الشرطة كَشْفُ هذا السِّرِّ المكشوف؛ فإن شَعَرَ المرأة في ذلك الزمن لم يكن مما يسهل وَضْعُه في الطرابيش، ولم يكن «رجيم» المأكول والمشروب قد أصلح هندامها للدخول في بِدَل الرجال؛ فقَبَضَتِ الشرطةُ على زميلنا العاطفي، وساقوه إلى القسم، وكتبوا له محضرًا بجريمة الخروج على الآداب العامة، وأبلغوا المحضر في اليوم التالي لسعادة المدير.

ولولا أن سعادة المدير كان هو أيضًا من زمرة العاطفيين الذين يُقدِّرون هذه المعاذير، لانتهى الأمر بعقوبة صارمة تُنْصَب على الرأسين: رأس الفتى، ورأس الفتاة.

تقدَّمْ إلى الوراء

هذه الجريمةُ — جريمةُ اختلاف الأزياء — لم تَزَلْ جريمة بعد ذلك الحادث بنحو أربعين سنة، فكان ظهور المرأة بملابس الرجل فعلًا فاضحًا يُعاقِبُ عليه القانونُ، وكان ظهور الرجل بملابس المرأة فعلًا فاضحًا وجريمةً كتلك الجريمة.

ومن الواضح أن المُشَرِّع قد أصاب في تقرير العقوبة على اختلاف الأزياء بين الرجال والنساء؛ لأنه أراد بها مصادرة الفساد ولم يُرِدْ بها مصادرة الحرية.

أما اشتراك المرأة والرجل في لباس واحد — داخل البيوت — فقد كان مألوفًا قبل عدة قرون، ولم يَزَلْ مألوفًا إلى زمن قريب.

كانت السيدة العزيزة في بيتها تلبس الطربوش وتموهه أحيانًا بالذهب، أو تصوغه من الذهب الخالص إذا كانت من ذوات اليسار.

وكانت تلبس الصدار والسروال التركي أو اليوناني، بل كانت قبل ذلك تلبس القفطان من الحرير، وترجع إلى ذلك العهد أغاني الأطفال في شهر رمضان، ومنها: «بنت السلطان لابسة قفطان …»

فإذا كان التساوي في الملابس علامة من علامات التقدم، فنحن قد تقدمنا خمسمائة سنة إلى الوراء! …

ولعلنا أقدم

قلنا إن الطربوش قد انتقل إلى مصر — على الأرجح — من الترك العثمانيين، ولكننا لم نؤكد ذلك على التحقيق؛ لأن الطربوش كان معروفًا بين عرب الصحراء الغربية قبل الفتح العثماني في بعض الأقوال أو التقديرات؛ ولهذا يختلف لباس الرأس بين عرب الصحراء الغربية وعرب الشرق في صحراء سيناء وما جاورها؛ فيلبس الأولون الطربوش اليوناني المشهور بالطربوش المغربي، ويلبس العرب المشارقة عقالًا فوق الكوفية، ولا يُشاهَد بينهم من يلبس الطربوش.

ولو كان الطربوش قد انتقل لأول مرة من الترك إلى مصر لكان عرب الشرق أولى بلبسه؛ لأنهم قريبون من الولايات التركية وعلى اتصال بالترك من وراء الحدود.

ومن المحقق أن الأزياء اليونانية والأزياء الرومانية قديمة جدًّا في الصحراء الليبية، ومنها «التوجا»: وهي الحِرام الذي يُعلَّق من الكتف ويتدلى على الصدر ويدور إلى الكتف من تحت الإبط الأخرى. فإن هذا الحِرام هو «التوجا» الرومانية بغير كلام.

وقد كان اليونان والرومان يترددون على السواحل الليبية، ويوغلون في الصحراء إلى واحة سيوة لشراء الأملاح النادرة، وأهمها عندهم ملح «النوشادر» الذي يُنْسَب اسمه في اليونانية واللغات الأوروبية إلى واحة أمون Ammonia؛ لأن كهان معبد آمون في سيوة كانوا يحتكرون سر صناعته ويحسبونه من العقاقير المُقدَّسة التي يُداوَى بها الصرع والغيبوبة والجنون.

وكان أولئك الكهان على دراية جيدة بعلوم عصرهم وعلى معرفة باللغات الأوروبية التي تكلم بها اليونان الأقدمون.

ولهذا يُقال إن الإشاعة التاريخية التي شاعت عن تقديسهم للإسكندر المقدوني وتسميته باسم «ابن الإله»، إنما كانت تحريفًا لفظيًّا أخطأ الإسكندرُ فَهْمَه أو تعمَّدَ الخطأ ليستفيد منه في المشرق وبين قومه.

قال له الكاهن: يا بُنَيَّ.

فظنَّ أنه يقول له: يا ابنَ الإله.

لأن الكلمة الأولى باليونانية تُنْطَق بيديون Paidion، والكلمة الثانية تُنْطَق بيديوس Paidios.

والكلمتان قريبتان في مسمع الأذن، ولا سيما السماع في المحاريب من أفواه الكهنة الذين يتعمدون الأسلوب الغامض حتى في لفظ الكلمات.

ويُعَزِّز هذا الرأيَّ ما اشتهر من كبرياء الكهنة المصريين واعتدادهم بأنفسهم في خطابهم لفراعنة مصر فضلًا عن الملوك الغرباء؛ لأنهم كانوا ينصبون الميزان للفراعنة كل سنة ويحكمون لهم أو عليهم باسم الآلهة، فلا يقدر الفرعون على مراجعتهم في الحساب إلا على خطر من فَقْدِ عرشه والتعرض لغضب السماء.

ومن كبريائهم أن دارا سأل كهانَ الإله فتاح أن يقيموا له تمثالًا إلى جانب تمثال رمسيس الثاني، فقال له رئيسهم بغير اكتراث: إنك لم تصنع ما تساوي به ذلك الفرعون العظيم؛ فلم تفتح كفتوحه ولم تَبْلُ كبلائه … فكظم دارا غيظَه وأجابه في كثير من الخشوع: «سأفعل كما فعل إذا عِشْتُ كما عاش.»

ومن زار الصحراء الغربية اليوم وجد فيها بقايا الهجرة اليونانية من أقدم العصور قبل الميلاد بنحو ألفَيْ سنة، ولم تنقطع هذه الهجرة في أحرج الأوقات مع انقطاع طريق البحر والبر خلال العصور القديمة والحديثة.

ومن اليونان المهاجرين مَنْ كان يهجر بلاده ويقيم في الصحراء ويدين بالإسلام ويتزوج من العرب، وإلى واحد من هؤلاء تُنْسَب عشيرة من عرب الغرب تُعْرَف باسم «أولاد علي أبو برنيطة»؛ لأن جدهم تَسَمَّى باسم علي، ولم يَزَلْ يَلْبَس البرنيطة بعد أن تَرَكَ اليونانُ لبس الطربوش وخرجَتْ صناعتُه من أيديهم إلى النمسويين وبعض الجاليات الأجنبية في البلاد التركية.

ولماذا لا أخلعه؟!

وللقارئ أن يسأل بعد ما تقدَّمَ: هل خلعْتَ الطربوش؟ ولماذا لم تخلعه إن كُنْتَ تلبسه إلى الآن؟!

وجوابي — موضِّحًا أو معتذرًا — أنني ألبس الطربوش وألبس الكوفية أيضًا في الشتاء؛ لأنني عرضة للنزلات الأنفية والحنجرية، وقد أجريتُ عمليتين جراحيتين في الأنف لاتقاء الزكام.

وقد سبقْتُ زميلَنا توفيق الحكيم إلى لبس «البيريه» بنحو عشرين سنة؛ لأنني كنت ألبسها بالسجن، وكنت ألبسها حين صنع لي الأستاذ أحمد صبري — رحمه اللَّه — صورتي التي كان يعدها من مفاخر فنِّه.

فإذا كان الرأس العاري في الشتاء والصيف ممتعًا، فليس أمامي غير الطربوش والقبعة، ولا معنى إذن لاستبدال القبعة بالطربوش.

وأظن أن بقاء طربوش واحد لا يضير؛ لأنني أستبقيه وَصْفة طبية ويستبقيه التاريخ تذكارًا حيًّا إلى حين.

بل أظن أنني لن أكون وحيدًا بهذا الزي المخالف بقية هذا الجيل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.