يجب أن يعترف المصريون بأن الله قد أتاح لهم في هذه الأيام سادة كرامًا يسودونهم بالرفق، وقادة عظامًا يقودونهم إلى المجد، وأطباء بارعين يطبُّون لنفوسهم وقلوبهم من هذه الأمراض الخطيرة التي تعرض للشعوب في أوقات الخطر والخوف والاضطراب. ونظرة يسيرة إلى ما يحدث من حولهم في أقطار العالم القريبة والبعيدة، تبيِّن لهم ذلك في وضوح، وتظهره لهم في جلاء.

فالعالم كله خائف وهم آمنون، والعالم كله مضطرب وهم هادئون، والعالم كله متردد بين الجزع واليأس وهم مطمئنون، قد مُلئت قلوبهم ثقة، وفُتحت لهم أبواب من الأمل المشرق المضيء. وليس لهذا كله مصدر إلا أن سادتهم كرام يسودونهم بالرفق، وقادتهم عظام يقودونهم إلى المجد، وأطباءهم بارعون يردون عنهم أمراض النفوس والأجسام جميعًا.

وقد عرف هؤلاء السادة الذين يحكموننا على خير ما تُحكم الشعوب، أن الأحكام العرفية مرض خطير ينهك الأجسام، ويفسد القلوب، ويضعف النفوس، وأن علاجه لا يكون بالأدوية العنيفة، وأن الإقلال منه لا ينبغي أن يأتي فجأة، ولا أن يلم دون تمهيد له متصل، وانتظار له طويل، وأن الخير كل الخير في أن يعالج هذا المرض الخطير شيئًا فشيئًا؛ يؤخذ الطب له باللين والرفق، ويكون السعي له بالأناة والمهل. ذلك أحرى أن يكون الدواء ناجعًا، والشفاء قاطعًا، واسترجاع الصحة والقوة مقطوعًا به، وذلك أحرى أن يأمن المريض النكسة، وينفذ من هذه العقابيل الخطرة التي توشك أن ترده إلى شر مما كان.

وقد أحس سادتنا وقادتنا وأطباؤنا منذ أوائل هذا العام أن حمَّى الحرب قد أخذت تخف شيئًا فشيئًا، وأن مرض الأحكام العرفية يجب أن يخف شيئًا فشيئًا، فاصطنعوا في علاجنا رفقًا لا يشبهه رفق، واحتياطًا لا يعدله احتياط. عللونا بالوعود أول الأمر، وهم صادقون إذا قالوا، منجزون إذا وعدوا، وافون إذا عاهدوا؛ فصدقناهم واطمأننا إلى وعودهم وعهودهم. وأخذت الآمال تتراءى لنا من بعيد، تبسم لنا عن ثغور كأنها اللؤلؤ المنضود، وترمقنا بعيون كأنها السهام النافذة، ولكنها سهام الحب والرحمة والأمن والسلام. وجعلت قلوبنا تخفق لذلك رضًا وابتهاجًا، وجعلنا ننظر إلى هذه الآمال التي تتراءى وتتناءى، مشغوفين حراصًا عليها.

وجعل سادتنا وقادتنا وأطباؤنا ينظرون إلينا من بعيد، يبسمون حين يرون ما تبعث الآمال في نفوسنا من الحياة، ويضحكون حين يرون ما تشيع الثقة فينا من الغرور، ويقول بعضهم لبعض: ألا ترى إلى هذا الشعب النحيل الضئيل العليل! إن الحياة قد أخذت تدب فيه قليلًا قليلًا، ولكنه أضعف من أن يحتملها إلا إذا تقدمت إليه بمقدار؛ فلنبالغ في الرفق به، والاحتياط له، ولنمنحه الحرية، قطرة قطرة، وقطرتين قطرتين، وقطرات قطرات؛ حتى نعوده الحرية بعد أن بعد عهده بها ونمرنه على القوة بعد أن طال فراقه لها، وكذلك عشنا على الوعود أيامًا وأيامًا، وأسابيع وأسابيع.

ثم أحس قادتنا وأطباؤنا أننا أصبحنا قادرين على أن نحتمل القطرة الأولى من قطرات الحرية، فخففوا الرقابة على الصحف تخفيفًا يسيرًا ظاهرًا، وأقاموا ينظرون إلينا ويرقبون ما نأتي وما ندع. ثم قال بعضهم لبعض: يظهر أن المريض ما زال ضعيفًا لا يحتمل هذه القطرة التي قدمت إليه، فلنرده إلى الأمل، ولنداوه بالرجاء، ولنعلله بالوعود؛ مخافة أن ينتكس. وإذا الرقابة ترد كأعنف ما كانت أيام البأس، وإذا الآمال تعود فتتراءى للمريض باسمة، وتتناءى عنه معرضة، والمريض راضٍ بالأمل، قانع بالوعود، واثق بروح الله ورحمة الأطباء.

ثم تضع الحرب أوزارها في أوروبا، وتسترد الشعوب حرياتها كاملة، ويعبث الغرور بنفس الشعب المصري المريض، فيظن أن حريته سترد إليه كما رُدَّت إلى غيره. ولكن سادته يعلمون من أمره ما لا يعلم، ويقدرون قوته على الاحتمال خيرًا مما يقدرها هو. فهم يمسكون الحرية على عنف، ويمنعونها من أن تسعى إلى هذا الشعب المريض؛ مخافة أن تقتله، وهم يمسكون الشعب على عنف مخافة أن يسعى إلى الحرية فيقتل نفسه. وهم يكتفون بأن يأذنوا للشعب وللحرية في شيء من تبادل اللحظ على بعد، ومن تبادل الإشارة في أناة وحذر وتحفظ؛ حتى إذا مر شهر وشهر وتبيَّن لسادتنا الكرام، وقادتنا العظام، وأطبائنا البارعين، أن تبادل اللحظ، وتقارب الإشارة، وطموح أحد العاشقين إلى صاحبه لا يؤذي ولا يُعرِّض لمكروه؛ قال بعضهم لبعض: نستطيع الآن أن نعيد إلى المريض قطرة الحرية تلك التي قطعناها عنه، ذلك أجدر أن يرضيه ويلهيه، وأحرى أن يريحنا ويريحه من هذا الصياح المزعج الطويل.

وأقبل رئيس الوزراء ذات يوم على البرلمان، كما يقبل الطبيب ذات يوم على المريض باسمًا متكلفًا إشراق الوجه، ورشاقة الحركة، وطلاقة اللسان. وقال رئيس الوزراء للبرلمان في مزاح يشبه الجد، وفي جد يشبه المزاح: لقد قررنا رد الحريات إلى الشعب فله أن يقول ويكتب، ويخطب ويجتمع وينتقل، ولكنه يحسن به أن يكون في هذا كله معتدلًا مقتصدًا رفيقًا بنفسه شفيقًا عليها. كما يقول الطبيب للمريض: أمَّا اليوم فقد جئتك بنبأ عظيم؛ سآذن لك في قليل من حساء، وفي شيء من حركة، وفي أن تجلس في سريرك، أو على مقربة منه ساعة من نهار، ولكن احذر أن تتجاوز الحد الذي رسمته لك، فتشق على نفسك، وتضطر إلى النكسة، ثم إلى ما كرهت من مرض طويل، وألم ثقيل ودواء بغيض.

وقد فرح الشعب بجرعة الحرية التي أذن له بها رئيس الوزراء، كما يفرح المريض بقدح من الحساء الذي يأذن به الطبيب. ولكن رئيس الوزراء كان مازحًا يتكلف الجد، أو كان جادًّا يضمر المزاح، فلم يكد الشعب يذوق الحرية؛ حتى نطق وهمَّ أن يتحرك. وخاف رئيس الوزراء على الشعب حريته الضئيلة، وحركته اليسيرة، فنظر إليه مشفقًا عاطفًا رحيمًا، ثم أمر به فرد إلى حيث كان ينبغي أن يستقر؛ لأنه تبيَّن أنه لم يبلغ من القوة بعد ما يمكِّنه من الكلام في غير رقابة، فقامت النيابة مقام الرقابة. وليس المهم أن تستقر الرقابة في وزارة الداخلية، وهي ما زالت مستقرة فيها، وليس المهم أن يختلف الرقباء إلى دور الصحف وهم ما يزالون يختلفون إليها، وإنما المهم أن يعاقب المتكلم إذا تجاوز الحد المرسوم، وهو والحمد للَّه يعاقب على سعة، ويضايق في رخاء إن أمكن أن يجتمع الضيق والرخاء. فتحقيق في الضحى، وسجن في المساء، وإطلاق من السجن اليوم، وعودة إلى السجن غدًا، وحرية تُمنح على أن يرتهن في سبيلها هذا المقدار القليل أو الكثير من المال، وتفتيش لدور الصحف، وتفتيش في دور الصحفيين. كل ذلك لأن الشعب ما زال مريضًا، لم يسترد قوته بعد، ليستمتع بالحرية كما تستمتع بها الشعوب التي برئت من المرض، وتم لها الشفاء.

والإقليم المصري معتدل فيما يقول الناس، يستمتع أهله بصحو الجو، وصفو السماء، وبهذا الليل الذي يخفف من قيظه، وبهذا البحر أو بهذين البحرين اللذين يجعلان الحياة فيه نعيمًا مقيمًا، كذلك يقول الناس إذا تحدثوا عن إقليم مصر، وكذلك يكتبون في الكتب، ولكنهم واهمون كل الوهم ما في ذلك شك، وآية ذلك هذا الشقاء الذي يتجرعه المصريون في هذا القيظ المهلك، وهذا الصيف الممض.

وكذلك الحال بالقياس إلى الشعب المصري، يُقال: إنه صحيح قوي ذكي نشيط، وتقول الحقائق الواقعة: إن حظه من المرض أعظم من حظه من الصحة، وإن نصيبه من الضعف أضخم من نصيبه من القوة، وإن قسمته من الغفلة أكثر من قسمته من الذكاء، وإن ما اضطر إليه من الفتور أشد مما أتيح له من النشاط. فهو شعب خامد هامد، وخامل ذابل، لا يحتمل الخطوب حين تلم، ولم ينفذ من المشكلات حين تشتبك، وإنما ينظر إليها قائمًا واجمًا ساهمًا كأنما يتخبطه الشيطان من المس، وقد عرف سادتنا وقادتنا وأطباؤنا خصائص الإقليم المصري، وخصائص الذين ينعمون بالحياة في هذا الإقليم، فساسوهم كما ينبغي أن يساسوا بكثير من الرفق، وقادوهم كما ينبغي أن يقادوا في كثير من التمهل، وعالجوهم كما ينبغي أن يعالجوا في كثير من الاحتياط.

فلا ينبغي أن ندهش إذا رأينا الأحكام العرفية تُلغى في أقطار الأرض كلها، وتبقى في مصر؛ لأن مصر لا تحسن الإسراع إلى الشفاء من مرض الأحكام العرفية، ولأن الشفاء لا يحب الإسراع إلى مصر، فمصر معتدلة تؤثر السيطرة على السرعة، وتكره العجلة؛ لأنها من الشيطان. ولا ينبغي أن ندهش إذا رأينا الإنجليز يضيقون بتلكؤنا وإبطائنا فيفاوضون حكومتنا في إنهاء الأحكام العرفية بالقياس إلى رعاياهم على الأقل، إذا كنَّا نحن نحب الأحكام العرفية ونحرص عليها! لا ينبغي أن ندهش لذلك؛ فالإنجليز يقيمون في إقليم بارد لا تأخذه الصحراء من الشرق والغرب، ولا تصب الشمس عليه حرَّها، كأنه ذوب الرصاص المصهور. بل لا ينبغي أن ندهش إذا رأينا السودان يسبقنا إلى إلغاء الرقابة على الصحف، ثم يسبقنا إلى إلغاء الرقابة على البريد، ثم يسبقنا إلى استئناف الحياة التي كان يحياها قبل الحرب! فالذين يشرفون على أمور السودان أعلم بشئونه وطاقته، وحسن استعداده للحرية منَّا نحن إخوانه المصريين. وحلفاؤنا الإنجليز الذين يدبرون أمر السودان سواء رضينا أم كرهنا، إنما يدبرونه بعقولهم، وطبائعهم الإنجليزية التي لا تتأثر بالإقليم الأفريقي، وإنما تتأثر بالإقليم البريطاني، والتي تعالج الأمراض على أصول الطب الإنجليزي، لا على أصول الطب المصري.

مهما يكن من شيء فقد وضعت الحرب أوزارها في الشرق بعد أن وضعت أوزارها في الغرب، وردَّت الحرية إلى الشعوب، وأسرعت الشعوب إلى الحرية. وظل الشعب المصري مريضًا ينظر إلى سادته وقادته وأطبائه، ويقول بعضهم لبعض: أتظن أنه يستطيع أن يحتمل جرعة أخرى من الحرية؟! فيرد بعضهم على بعض: إن الأناة خير من العجلة، وإن الاحتياط خير من المغامرة. ولم يخطئ الشاعر القديم حين قال:

قدِّر لرجلك قبل الخطو موضعها

فمن علا زلقا عن غرة زلجا

يقول قائلهم: ولكن الإنجليز يطالبون بإعفاء رعاياهم من الأحكام العرفية، وما يستقيم لنا أن نعفيهم من دون المصريين. فيرد قائل آخر: سنعفيهم جميعًا، ولكن بعد أن نأخذ للأمر أهبته، ونعد له عدته. والغريب أنهم لم يأخذوا للأمر أهبته، ولم يعدوا له عدته في هذه الأشهر العشرة التي أنفقوها في الحكم، وإنما بدا لهم أن من الممكن اتخاذ الأهبة وإعداد العدة، بعد أن وضعت الحرب أوزارها في الشرق والغرب جميعًا، وبعد أن أُعفي السودان من الأحكام العرفية.

والشعب المصري المريض يصيح ويصيح، ويملأ الجو صياحًا، ويكاد يؤرق ليل السادة والقادة والأطباء. ولا بد من أن يستريح سادتنا وقادتنا وأطباؤنا في الليل على الأقل؛ لأنهم يشقون في النهار بالأعمال الكبرى.

لا بد إذن من أن يعلل الشعب لعل صياحه أن ينقطع، ولعل السادة أن يستريحوا. وما أيسر تعليل الشعب!

نظرة أخرى من الحرية تُهدى إليه في كثير من الاحتياط، وقد فعل مجلس الوزراء فتفضل — وله الشكر كل الشكر، وعليه الثناء كل الثناء — فوقف الرقابة على البريد. ولا نقول ألغاها؛ لأنه لم يلغها كما أنه لم يلغِ الرقابة على الصحف، وإنما وقفها وقفًا يمكن الرجوع فيه إلى أن تُلغى الأحكام العرفية في شهر سبتمبر بعد عيد الفطر إن شاء الله. وشهر سبتمبر يمكن أن يحتمل إلغاء الأحكام العرفية في آخره وفي أوله وفي وسطه، ويمكن ألا يحتمل هذا الإلغاء، وأن يلقي حمله الثقيل على شهر أكتوبر، فلا بد من اتخاذ الأهبة، وإعداد العدة، والاحتياط لطوارئ التموين، وطوارئ غير التموين، ومن الممكن أن يستأنف المريض صياحه، ويؤرق السادة، والقادة، والأطباء، ولا بد لهم من أن يناموا بعد طول اليقظة، ومن أن يستريحوا بعد طول العناء.

وإذن، فالدواء قريب يسير: كلمة تُقال فتستقيم الأمور، وتجري على خير ما يحب الحاكمون والمحكومون.

أتذكر القصيدة التي قالها المتنبي منذ ألف عام، والتي استعرت مطلعها في حديث الأحد الماضي؟ يحسن أن تقرأ هذه القصيدة، فستجد فيها بيتًا وصف المتنبي فيه نفسه، وأؤكد لك أن المصريين المعاصرين لم يوصفوا قط بأصدق، ولا أروع، ولا أبعث للحزن والأسى من هذا البيت:

أمسيت أروح مثرٍ خازنًا ويدًا

أنا الغني وأموالي المواعيد

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.