طلب مني «المصور» الأغر أن أكتب له طائفة من ذكرياتي السياسية فقبلت، وكان القبول مني تسرُّعًا؛ فإن من العسير أن تنشر ذكريات صريحة لا يزال معظم الذين لهم اتصال بها أحياء ولله الحمد، ثم إن المرء يعرض له السهو، ولا سيما إذا كان مثلي لا يُعنى بتدوين شيء مما وقع له أو مَرَّ به؛ لأن اشتغالي بالسياسة والصحافة إنما تفرع على اشتغالي بالأدب وجاء بسبيل منه، ومِن تَهَكُّمِ الأقدار أني من أضعف الناس ذاكرة، وأني مع هذا أُعَوِّلُ على ذاكرتي! وياما أكثر ما أقرأ الكتاب مرة، وأخرى، وثالثة، فيكون في كل مرة كأني ما اشتريته ولا رأيته إلا الساعة. وكل كلام أسمعه يدخل من أذن، ويخرج من أذن؛ فلا بقاء له ولا تَلَبُّث، ولكن الصور تبقى ولا تبهت ولا يغيب شيء من معارفها، حتى القديم البعيد الذي يرجع إلى أيام الطفولة، ولعل قدرة ذاكرتي على الاحتفاظ بالصور وألوانها هي التي تغريني بالاعتماد عليها، فإذا أضفت إلى هذا أني معجل في حياتي، كأني أساق بالسياط، وأني مشغول أبدًا بأمور شتى، وأني لا أطيق المُكث في مكان واحد أكثر من دقائق معدودات، وأن أعصابي لا تحتمل الصبر على الكتابة إلا للنشر فورًا، إذا أضفت هذا إلى ذاك عرفت لماذا لم أُعْنَ بإثبات شيء مما بلوت في الصحافة والسياسة.

على أني قد تخيرت لكم ثلاث ذكريات ليس في نشرها ضير.

فأما الأولى فمتصلة بحادث أليم، وكنت يومئذٍ أعمل في جريدة الأخبار مع المرحوم أمين بك الرافعي، وكان المرحوم عبد القادر حمزة باشا كلما رأى سياسة جريدته متفقة مع سياستنا المستقلة في «الأخبار» يدعوني إلى الكتابة في جريدته فأفعل، ولكن بتوقيع مستعار لأن عملي لحزبهم ولجريدتهم لم يكن أمرًا استقر عليه الرأي، وكان رأيي أن الحال لا تدعو لظهور الأحزاب وتعددها، فقاومت حركة تأليف حزب جديد في سلسلة مقالات نشرتها بجريدة البلاغ بتوقيع «مطلع»، وكان الأستاذ العقاد يكتب في البلاغ وكان يحمل من ناحيته على الحزب الذي يُراد تأليفه، ولكن باسمه الصريح.

ولم نكن نُلِحُّ في هذه الحملة، وإنما كان كل مِنَّا يكتب في هذا كلما دعت مناسبة.

ومضت الأيام، وقام الحزب، وإذا ببعض الحمقى يغتالون المرحومين حسن باشا عبد الرازق وإسماعيل بك زهدي على باب الأحرار الدستوريين، وقد عُرِفُوا فيما بعد، ونالوا جزاءهم، وتبين أنهم مجانين لا علاقة لهم بصحافة أو أحزاب، ولكن ثروت باشا أراد أن يَعُدَّ البلاغ وصاحبه ومن يكتبون فيه مسئولين «أدبيًّا» عن الجريمة، وكان هذا خطأ بينًا، فأما صاحب البلاغ فمعروف، وأما الأستاذ العقاد فيكتب باسمه الصريح، وأما «مُطَّلِع» فلم يعدم ثروت باشا من يدله على أنه «المازني».

ودعاني المرحوم أمين بك الرافعي وقال: «اسمع، أخبر صاحبك أنكما ستنفيان من مصر.» يعني بصاحبي الأستاذ العقاد، ولا أحتاج أن أقول إني لم أقصر في إبلاغه، ولا في الاستعداد للنفي وتدبير الأمر مع أمين بك على ما يكون وأنا منفي، ولا سيما بعد أن رأيت النيابة تستدعي الأستاذ عبد القادر حمزة للتحقيق معه، ولكنا لم نُنْفَ لأن وزارة ثروت باشا استقالت وقامت وزارة نسيم باشا فصرفت النظر عن هذا الذي لا صلة له بالجريمة، ولست أحتاج أن أقول إنَّا جميعًا من ألد خصوم الإجرام السياسي في أية صورة من الصور.

وأما الذكرى الثانية، فحكاية فرار المرحوم الشيخ جاويش من تركيا، ودخوله مصر في غفلة من الحكومة المصرية وكان على رأسها يومئذٍ الرجل الطيب المرحوم يحيى باشا إبراهيم.

دعاني المرحوم أمين بك إليه ذات صباح ودفع إليَّ كتابًا وقال: اقرأ. فإذا هو مقال من الشيخ جاويش يعلن فيه أنه دخل مصر، ويسوغ اضطراره إلى التنكر والدخول خلسة، فأشرت عليه بنشره ففعل، فقامت الدنيا وقعدت، واضطربت الحكومة، وانطلق البوليس السري في كل مكان، يتجسس ويتحرى، وصار الناس يَفِدون علينا زرافات ووحدانًا يسألوننا: أين هو؟ وكلهم يعتقد أننا قد خبأناه في دار الأخبار.

وكان الدستور قد صدر، وهو يحرم نفي المصري من بلاده، ولكن الانتخابات لم تُجْرَ للبرلمان الأول، ونحن نخشى التعسف والاعتداء على الدستور، فأشرت عليه بمقابلته يحيى باشا نفسه، وقلت: إنه قاضٍ قبل أن يكون رجل سياسة، وضمير القاضي لا يسمح بالعدوان على القانون الأساسي للبلاد، ولا سيما إذا كان قد صدر في عهد الرجل نفسه، فصدق ظَنِّي ولم يَخِبْ في هذا الرجل عليه رحمة الله، واعترف بأن الدستور لا يبيح نفي المصري، وأنه لا يملك أن يمنع الشيخ جاويش من التمتع بالحق المكفول لكل مصري. قلنا: «هل للشيخ جاويش أن يظهر وهو آمن؟»

قال: «نعم، بلا مراء.»

فصدرت الأخبار وفيها دعوة له أن يظهر ففعل! والظريف أن مدير الأمن العام، وكان إنجليزيًّا، سأل أمين بك: «بذمتك قل لي، أليس الشيخ جاويش عندكم في الأخبار؟»

حتى هو كان يعتقد أننا نخبئه في دار الأخبار! ولكن الحقيقة أنه نزل المنزل الوحيد الذي لا تتجه إليه الظنون ولا تحوم حوله الشُّبَه، وهو منزل أصهاره وآله في الإسكندرية!

أما كيف فَرَّ من تركيا ودخل مصر متنكرًا، فتاريخ لا سبيل إلى نشره الآن.

والذكرى الثالثة التي أختم بها هذا الفصل لا تخلو من فكاهة، ومن عظة أيضًا. وكنت يومئذٍ أتولى رياسة تحرير جريدة «الاتحاد»، وكانت وزارة زيور باشا الثانية قائمة، فذهبت إلى دار الحزب عصر يوم وصعدت إلى طبقته العليا حيث يجلس الأعضاء ويسمرون ويجتمعون، وكان التليفون على رأس السلم الخشبي، فلما صرت على آخر درجة من السلم رأيت أحد الوزراء يتكلم في التليفون وسمعته يقول: «تقول الوزارة استقالت؟ يا خبر أسود!» وترك السماعة معلقة بحبلها متدلية في الهواء، وراح يضرب كفًّا بكف.

فربتُّ له على كتفه وقلت: «حلمك يا باشا! هل يعقل أن تستقيل الوزارة وأنت لا تعلم؟»

فأفاق وقال: «أي والله صحيح، ولكني نسيت من صدمة الخبر.»

قلت: «والله لتمنيت أن يكون الخبر صحيحًا.» وكنت برمًا بالوزارة كثير الإلحاح على الاتحاديين أن يخرجوا منها.

فصاح بي: «أيه؟ بتقول أيه؟»

قلت: «لا شيء! لا شيء! اطمئن فلست أنا الذي يعين الوزراء ويقيلهم.»

فأدهشني أنه قال وهو يدخل الصالون: «الحمد لله!»

وكان — كما هو ظاهر — يحمد الله على كذب الإشاعة، ولكن عبارة الحمد جاءت بعد كلامي أنا فلم يسعني إلا أن أضحك.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.