رأيت سعدًا أول مرة وأنا طالب في مدرسة المعلمين العليا، وكنا يومئذٍ ثلاثة عشر في الفرقة النهائية، هم كل من بقوا، أو تخلفوا من سبعة وعشرين دخلوا هذه المدرسة أول من دخل بعد أن أعيد فتحها. وكان هو وزيرًا للمعارف — أو ناظرًا لها كما كان الوزير يُدعى في ذلك الوقت — ولم نسعَ نحن إليه لحاجة لنا، بل سعى هو إلينا ليرى هذه المدرسة التي كانت تهم أن تُخرج أول فوج من المعلمين في عهدها الجديد، وكانت الزيارة مفاجئة، وإنَّا لجالسون في حجرتنا نصغي إلى أحد المدرسين وهو يلقي درسه — وكان أساتذتنا جميعًا من الإنجليز إلا أستاذ اللغة العربية أو أدبها وأستاذ الترجمة — وإذا به داخل علينا بقامته المديدة وطلعته المَهيبة وعينيه الضيقتين البراقتين، وكانت معه عصا يتوكأ عليها في غير ضعف، فنقر على الباب مستأذنًا في الدخول وترك العصا إلى جانب الباب من الخارج كما يترك الداخل إلى ساحة القضاء ما يحمل من مثل ذلك، فكان هذا أول درس تلقيته بما يجب لحجرة الدرس من التوقير والاحترام.

وقد حدث بعد ذلك بحوالي ثلاث سنوات، وأنا مدرس في المدرسة الخديوية أن دخل عليَّ مفتش جديد لا أعرفه بغير استئذان أو نقر على الباب، فتذكرت هذا الدرس ولم يسعني إلا أن أطرده لأصون للمعلم كرامته وللعلم توقيره، ولم يصبني أذى بل اضطر المفتش إلى الاعتذار بفضل رجلين، ناظر المدرسة مستر فرنس ووكيلها المرحوم علي بك عمر.

وكنا نسمع عن سعد وشدة شكيمته في الوزارة، ونظرنا فلم نجد معه إلا رجلين ناظر مدرستنا المرحوم إسماعيل حسنين باشا ووكيلها المرحوم علي بك عمر! فهو لم يجئ إذن كما يجيء من يسبقه ومن خلفه من الوزراء في حاشية من المستشار والمفتشين الإنجليز.

وكان لا بد أن يقول شيئًا لهؤلاء الذين يوشك أن يصبحوا مدرسين، فماذا نظنه قال؟ قال آخر ما كنا نتوقع أن يقول، فقد ابتدرنا بسؤال عن الحرية ما هي؟ وما مداها؟ وما حدها؟ وكانت ابتسامته وبشاشته وحلاوة صوته تغري بالاجتراء عليه بالكلام، فقلنا وقال، وأجبنا واعترض، وتذكر بعضُنا ما قرأه في كتاب جون ستيوارت ميل عن «الحرية» فأجمله في عبارة وجيزة لم تخلُ من الاضطراب والقلق والتفكك، وأدرك سعد ما تنطوي عليه من صوابٍ فراح يحاور حتى استقامت العبارة وارتفعت المعالم، وبرزت «الحقوق والواجبات» وقضى في ذلك معنا نصف ساعة وزيادة، ثم حيَّا وانصرف.

***

وتألف الوفد المصري، وانتشرت «التوكيلات» له، وذاع أنه طلب أن يؤذَن له في السفر إلى باريس ليبسط قضية مصر ويدافع عنها أمام مؤتمر فرساي، وكنت يومئذٍ ناظر مدرسة ثانوية، فخطر لي خاطر أجبت ما يُهيب بنفسي منه في غير روية أو تدبر، فدعوت صديقًا لي وقلت له: «تعال معي.» قال: «إلى أين؟» قلت: «إلى بيت الأمة؟» قال: «ماذا نصنع هناك؟» قلت: «صبرًا وسترى.»

وقصدت إلى بيت الأمة، وأنا لا يختلج في نفسي شك في أني على صواب، ودفعت ببطاقتي إلى أحد الخدم وقلت إني أريد مقابلة سعد باشا، فاستقبلني محمد بك بدر — ولعله يذكر ذلك — وسألني عمَّا جئت له. فقلت له في صراحة وبساطة: إني رجل معلم، وأن هذه الحركة المباركة ينبغي أن يكتب تاريخها على وجهه الصحيح مصري نزيه قبل أن يشوهها ويمسخها قلم أجنبي متحيِّز أو جاهل بالحقائق، وأنا لا أرى لي عملًا يكون خيرًا من كتابة هذا التاريخ، ولا بد لهذا من أن أصحب الوفد في سفره إلى باريس ومقامه فيها لأكون على صلة به، وإني لفقير ولكني لا أعدم من يقرضني ما يكفي من المال، وقد جئت لأرجو من سعد باشا أن يأذن لي في السفر مع الوفد لهذه الغاية.

ألقيت عليه هذه الخطبة الوجيزة، ولم يخطر لي قط أن من الممكن أن يساوره شك في أمري، وكان الرجل ظريفًا كيسًا ولبقًا ذكيًّا، فلم يَبْدُ عليه شيء مما عسى أن يكون قد جال بخاطره، ووعد أن يعرض الأمر على سعد وأن يرد عليَّ، فشكرته وتركت له عنواني.

وما زلت إلى اليوم أنتظر الرد!

***

ولعل القراء يذكرون المقال المشهور الذي نشرته جريدة مصر للمرحوم سينوت بك حنا بعنوان (إني أتهم)؛ فقد كانت له ضجة عالية يومئذٍ، ولكن ما أقل من يعرفون أنه كانت لي صلة به، أو أني كنت السبب المباشر فيه!

ولهذا المقال قصة لا بأس من روايتها، وكانت «لجنة ملنر» قد جاءت وعادت إلى لندن وذاع أنها ترغب في الاتصال بالوفد المصري، وكان معظم أعضائه لا يزالون في باريس، وكنت يومئذٍ في الإسكندرية؛ ذلك أن المرحوم الأستاذ عبد القادر حمزة كان يُصدر «الأهالي» هناك، فكتب إليَّ يقترح أن أعاونه في تحريرها، فكتبت إليه أني مرتبط باتفاق «شفوي» مع المرحوم أمين بك الرافعي على العمل معه في جريدته حين يتاح له أن يصدرها، فقبل رحمة الله أن أعمل معه حتى يدعوني أمين بك.

وعلمت وأنا في الإسكندرية — من مصدر لا يرتقي إليه الشك — أن هناك فريقًا لا يرضون عن مفاوضة الوفد للجنة ملنر، وكانت الأخبار قد تواترت بأنه مستعد لذلك، وأن هذا الفريق يسعى لتأليف وفد جديد، حتى إذا ثبت أن الوفد المصري قبل مفاوضة لجنة ملنر، ظهر الوفد الجديد وأعلن خلع القديم من الوكالة.

ورأيت أن هذا خطر على القضية؛ لأنه يفضي إلى انقسام في ساعة الحاجة إلى اتحاد الكلمة وتصافق الأيدي وتضافر الجهود، وما كان لنا من سلاح إلا هذا الاتحاد، ولا كان نفعنا حيال لجنة ملنر إلا ما رأته من اجتماع كلمتنا، وإلا ما صارحها به المرحوم رشدي باشا من أنها لن تجد في مصر قطتين تقبلان مفاوضتها فلتذهب إلى الوفد إذا شاءت أن تجد من يحق له أن يكلمها باسم الأمة.

ولم أر بأسًا من مفاوضة الوفد للجنة ملنر، فإن هذا لا يقيده، وهو حر في رفض ما ينافي مطالبه، وهذه المفاوضة بعض السعي الذي وُكِّلَ الوفد فيه حيثما وجد إليه سبيلًا، ثم إنها خير من القعود بلا عمل، وأخلق بالوفد أن يعرف من طريق هذه المفاوضة الاتجاهات الرئيسية للسياسة البريطانية حيال قضيتنا، وهذا ربح لا يستهان به.

فماذا أصنع؟ استخرت الله، وكتبت إلى أمين بك بهذا كله، وكان هو السكرتير العام المساعد للجنة الوفد المركزية بالقاهرة، وعنده الشفرة التي يخاطب بها الوفد، ورجوت منه أن يبلغ الوفد في باريس حكاية الوفد الجديد ليكون على بينة من الأمر، وليعرف ما تستهدف البلاد له من الانقسام إذا لم يَتَوَخَّ الحذر الشديد، واقترحت عليه أيضًا أن يتهيأ لإحباط السعي الخفي لتأليف وفد جديد، وأبلغته أن الأمر كاد يتم، ووعدت أن أصنع أنا واجبي في الوقت نفسه.

وقد كان، أَعَدَّ المرحوم سينوت بك حنا مقاله «إني أتهم» لينشر في جريدة مصر، وأعددت أنا مقالًا لينشر في جريدة الأهالي، وصارحت المرحوم الأستاذ عبد القادر بالأمر كله، فألقى لي حبلي على غاربي. وفي يوم واحد، صدرت جريدة مصر في القاهرة، وفيها يهاجم سينوت بك المساعي لتأليف وفد جديد، وجريدة الأهالي في الإسكندرية وفيها مقالي بتوقيعي وفيه أدافع عن مفاوضة الوفد للجنة ملنر وأسد عنها بكل ما أوتيت من قوة، وبهذا أوصدت الأبواب في وجه الوفد الجديد، وفقد كل أمل في إيجاد صحيفة واحدة تؤيده.

***

وهذه ذكرى أخرى أسوقها لطرافتها.

عاد سعد من أوربا أول ما عاد فخرجت الأمة كلها تستقبله وتحييه، وليس في قولي «الأمة كلها» مبالغة، فما رأيت شبرًا من الأرض بين الإسكندرية والقاهرة خاليًا من الناس، وقد قطع القطار المسافة في ثماني ساعات وزيادة؛ لأن الناس كانوا يلقون بأنفسهم على القضبان في طريقه ليقف ولأن عمال الإشارة كانوا يرفعون إشارة الوقوف في كل محطة صغيرة.

وكنت مع أعضاء الوفد في صالونه، وكان ذا شِقَّيْنِ: أحدهما يستريح فيه سعد بين المحطات؛ أي دقائق، والآخر فيه بقية الوفد، فأخبرني مصطفى بك النحاس (وكان يومئذٍ سكرتير الوفد) أن سعد باشا أوصاه أن يراجع خطبه؛ فإنه يرتجلها، وأن يحذف منها ما يرى حذفه ممَّا قد يعد تهييجًا، حتى لا يؤخذ عليه شيء أويظن أنه جاء لإثارة البلاد على الوزارة — وزارة الثقة كما كانت تسمى — وطلب مني أن أحذف نحو سطر من خطبة سعد باشا في حفلة الطلبة بالإسكندرية فقلت له: إني أمليتها علي أمين بك بالتليفون بعد منتصف الليلة البارحة وإني أخشى أن لا نصل إلى مصر قبل صدور «الأخبار» فقال: «اصنع ما تستطيع.» فوعدت.

وبلغنا القاهرة حوالي المغرب، فأسرعت إلى الأخبار — وقولي أسرعت يحتاج إلى إيضاح، فقد خلا ميدان المحطة وكل شارع بعده من الخلق جميعًا لأن الخلق جميعًا تبعوا سعدًا، فلم أجد مركبة أو حمارًا أو غير ذلك ممَّا يمكن أن يركب، وقطعت المسافة إلى جريدة الأخبار بميدان الأزهار، مشيًا على القدمين.

وأخبرت أمين بك بما طلبه مني النحاس بك، فقال: اصنع ما بدا لك. فذهبت إلى الرقيب — وكانت الرقابة التحفظية لا تزال قائمة — وطلبت منه حذف العبارة التي يراد حذفها فأبى وقال: «إن الأوامر صدرت إلى الأخبار من عدلي باشا شخصيًّا بأن لا يقرأوا خطب سعد باشا أو أحاديثه وأن يتركوها تنشر كما هي.» فقلت له: «إن سعد باشا نفسه هو الذي يريد هذا الحذف.» فقال: «أما وهذا هكذا فلا بأس.» وحذف العبارة.

وفي صباح اليوم التالي كنت واقفًا أنتظر الترام — وكان مسكني يومئذٍ في صحراء الإمام الشافعي «على تخوم العالمين» — وإذا بالمرحوم. «عبد الخالق الطحاوي» شيخ التربية يقول لي وهو يركب سيارته: إن سعد باشا سيحضر لزيارة مقابر الشهداء، فأمرت غلامًا هناك أعرفه أن يسرع إلى البيت فيجيئني بورق وقلم، ووقفت أنتظر مقدم سعد، ثم إذا هو مقبِل في سيارة ومعه واصف غالي باشا، وخلفهما سيارة أخرى فيها محمد أمين يوسف بك والمرحوم سينوت حنا بك، فأشرت إليهما فحملاني معهما، وزار سعد مقبرة صهره، ثم مقابر الشهداء من المسلمين، وألقى كلمة وجيزة كتبتها، ثم ذهب إلى مقبرة شهيد قبطي في شارع الملكة نازلي وكانت موصدة، فوقف في طريق ضيق أمام نافذة وألقى كلمة أخرى حيا فيها ذكرى الشهداء، وكنت أضع الورق على الحائط وأنا أكتب ما يقول وظهري إليه، فلما فرغت ودرت ألفيته واقفًا ومعه سينوت بك، فسلمت عليه لأول مرة في ذلك اليوم، فسألني عن العبارة التي حذفت والرقيب الذي حذفها، وكان بادي الغضب، فقلت له: «إنك أنت يا باشا الذي حذفت العبارة.» فاستغرب، فقصصت عليه القصة كلها فعادت إلى وجهه الطلاقة، وقال: حسنًا صنعت؛ إذ بينت لي الحقيقة فقد كان هذا خليقًا أن يكون مثار أزمة مع الوزارة.

والظريف بعد ذلك أنه قال لأمين بك إن المازني أبرع صحفي في العالم؛ لأنه ما من إنسان غير الطحاوي كان يعرف وجهته حين خرج من بيت الأمة، فكيف عرف هذا العفريت؟

فسألت أمين بك: «وماذا قلت له؟»

قال وهو يضحك: «كل شيء يا سيد إبراهيم إلا أنك تعيش بين المقابر.»

فضحكت — ما وسعني أن أضحك — وحمدت الله الذي يسترني ولم يفضحني!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    اللهم ارحمنا واغفر لنا ·١٧ فبراير ٢٠١٧، ١٢:٣٥ م

    مقالات روعة كيف نستطيع تحميلها