هناك حقائق طبيعية لا يمكن تجاوزها في حياتنا اليومية، بصرف النظر عن شكل النظام الاقتصادي السائد، ولا تتعلق هذه الحقائق بالاقتصاد فقط بقدر ما هي تتعلق بطبيعة الكون الذي نعيش فيه. وفي ضوء هذه الحقائق هناك دروس يمكن استخلاصها حول جوهر النشاط الاقتصادي — إن لم يكن الحياة الاجتماعية بصفة عامة. أما الحقيقة الأولى والتي تحكم النشاط الاقتصادي فهي أن العمل أو الجهد يُبذَل أولًا، ثم تأتي الثمرة لاحقًا وكنتيجة لهذا العمل أو الجهد، فأنت تزرع الأرض وتمهدها وتبذر البذور وترويها وترعاها، ويأتي المحصول في النهاية كنتيجة لهذا المجهود. وهذه الحقيقة لا تتعلق بالزراعة وحدها، بل بكل نشاط الإنسان الإنتاجي في مختلف العصور، بدءًا من الحياة البدائية ومرورًا بالثروة الزراعية، وأخيرًا بالثروة الصناعية في مراحلها المختلفة. فما معنى ذلك؟ المعنى هو أن العمل أولًا ثم الثمرة لاحقًا، أي إن التكلفة تُدفَع أولًا ثم يأتي العائد لاحقًا، فليس هناك شيء مجاني في الحياة، فلكل شيء ثمن أو تكلفة يجب دفعها أولًا ثم تأتي الثمرة. ولا يقتصر الأمر على السبق الزمني، بل إن العلاقة بين الأمرين هي علاقة سببية، فالثمرة هي نتيجة للعمل والجهد وليست هدية من السماء.

وأما الحقيقة الثانية وهي مترتبة على الحقيقة الأولى، فهي أن ظهور ثمار العمل والجهد يتطلب — عادة — وقتًا للظهور، فقلَّ أن يحصل الفرد على ثمرة أعماله في نفس اللحظة التي يتحمل فيها عبء العمل والجهد من أجل هذه الثمرة؛ ولذلك، فإذا كان العمل والجهد هما أساس وجود المجتمعات وتقدُّمها، فلا بد أن نتذكر أن ظهور النتائج يحتاج — في العادة — إلى وقت، وأحيانًا وقت غير قصير. فأنت تتعلم لكي تكتسب مهنة الطب أو الهندسة أو غيرها، ولكنك لا تتعلم أسرار المهنة في يوم أو شهر، بل يتطلب الأمر سنوات وسنوات، يُبذَل فيها العمل أو الجهد، ولكن الثمرة المتحققة بعد ذلك تستحق هذا الانتظار وتعوضه وزيادة.

هاتان الحقيقتان هما جوهر الحياة الاقتصادية. فليس هناك هبات مجانية في الحياة، ولا بد من أداء الثمن أو التكلفة وانتظار بعض الوقت، فهناك — عادة — فاصل زمني بين بذل الجهد وتحمل التكلفة من ناحية، وبين الحصول على الثمرة أو المكافأة من ناحية أخرى؛ فلا بد من العمل والانتظار، ولا بد من الصبر مع الأمل. ليست هناك عصا سحرية.

ولكن لماذا هذا الحديث الآن؟ أليست هذه بديهيات أولية؟ نعم، هذه بديهيات يعرفها القاصي والداني، ولكن ما أكثر ما نتناسى البديهيات ونتجاهلها! ولذلك فمن المفيد — من آن لآخَر — أن نعيد التذكير بهذه البديهيات، وفي هذه المرحلة من تاريخ مصر، فإننا أحوج ما نكون — الآن — في حاجة إلى التذكير بهذه البديهيات الأولية.

لقد ظُلِمت مصر — تاريخيًّا — منذ منتصف القرن العشرين، وآن الأوان لكي تستعيد روح التقدم والتفاؤل بالمستقبل، ولكن ذلك لن يتحقق بمجرد الأماني أو بالشعارات، بل فقط بالعمل الجاد والصبر والتفاؤل بالمستقبل، وطالما وضعنا أقدامنا على الطريق السليم، الذي يبدأ بالعمل والجهد، فالبداية هي للعمل والجهد.

كانت مصر في نهاية الحرب العالمية الثانية في وضع اقتصادي — وربما سياسي — أفضل بكثير من أوضاع الهند والصين، كما كانت متقدمة على كوريا الجنوبية التي تتقارب منها في عدد السكان بعد تقسيمها إلى شمالية وجنوبية، أما بقية ما عُرِف بالنمور الآسيوية، فلم يكن لها وجود على الخريطة السياسية الدولية، فتايوان مجرد جزيرة — فرموزا — تائهة بين نظامين، أحدهما يُدعَى الصين الوطنية والآخَر الصين الشيوعية، في حين كانت هونج كونج مجرد مدينة — أقرب إلى كفر — خاضعة للتاج البريطاني، يلجأ إليها جموع الهاربين من النظام الشيوعي الجديد، وأما سنغافورا فهي مجرد ملحق جغرافي لما كان يُعرَف بجزر الملايو. وقد نجحت هذه الكيانات المستحدثة خلال النصف الثاني من القرن العشرين وخاصة الربع الأخير منه، في تحقيق تقدُّم اقتصادي هام سُمِّي أحيانًا «بالمعجزة الاقتصادية». فقد بدأت هذه النمور الآسيوية — كوريا وتايوان وهونج كونج وسنغافورا — نهضتها منذ السبعينيات، وظهرت بوادر النجاح بها بعد ذلك بعقدين، والتحق بها عدد من الدول المجاورة في تايلاند وإندونيسيا. أما الصين والتي تحولت إلى النظام الشيوعي بعد ثورة شعبية جامحة لكي تدخل مع ماوتسي تونج في سلسلة من الثورات المستمرة، في «رحلة الألف ميل»، ثم «الثورة الثقافية»، وذلك قبل أن تستقر، خاصةً مع تولي دنج زياوبنج السلطة في نهاية السبعينيات، وتبدأ طريقًا جديدًا للإصلاح الاقتصادي، وبعد عقدين أصبحت الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وإذا كانت الهند — ورغم نجاحها في الاحتفاظ بنظام ديمقراطي — قد بدأت مشوارها للإصلاح الاقتصادي بعد الصين بحوالي عشر سنوات، فها هي تنضم هي الأخرى إلى نادي الدول الواعدة اقتصاديًّا.

وفي مقال حديث نشرته في جريدة «الشروق» بتاريخ ٥ فبراير ٢٠١٢ بعنوان «إنه الاقتصاد يا غبي!» تناولت أربعة تجارب لدول من العالم الثالث، والتي نجحت — بدرجة أو أخرى — باللحاق بالدول الصناعية الغربية، بدءًا بتجربة اليابان ومرورًا بالاتحاد السوفييتي، ثم النمور الآسيوية في جنوب شرق آسيا، وأخيرًا الصين. وقد حاولتُ — في ذلك المقال — استخلاص الدروس المستفادة من هذه التجارب، وقد اتضح من هذا الاستعراض أنه باستثناء الاتحاد السوفييتي الذي انفرد باستبعاد «اقتصاد السوق» والاعتماد على سياسة «الانغلاق الاقتصادي» بشكل كبير، فقد اشتركت النماذج الثلاثة الأخرى في عدد من المعالم الرئيسية بدرجات متفاوتة، وأهم هذه المعالم:

(أ) الانفتاح على العالم الخارجي: وذلك لسبب بسيط وواضح، وهو أنه لا تقدُّمَ اقتصاديًّا دون الاعتماد ثم المشاركة في التكنولوجيا العالمية المعاصرة، وقد أصبحت هذه التكنولوجيا المعاصرة — بطبيعتها — عالمية التوجه، فلا مجال للتقدم التكنولوجي في عزلة عن العالم.
(ب) دولة قوية: في جميع الأمثلة المتقدمة، كنا بصدد حكومات قوية وطنية، ودول صارمة تدرك مصالحها القومية وتدافع عنها، كما تدرك أهمية ما يدور في العالم وتشارك فيه بفاعلية وواقعية.
(جـ) اعتماد اقتصاد السوق: أخذت دول تلك النماذج بشكل من أشكال اقتصاد السوق، ولكنها السوق المنضبطة وغير المنفلتة، فهي أسواق تعمل في إطار دولة قوية تفرض عليها رقابتها وسلطتها، كما أنها أسواق تحكمها القوانين، وعادةً ما تتمتع بالنزاهة ودرجة كبيرة من الشفافية والمسائلة.

ولست هنا بصدد إعادة ترديد ما أوردته في مقالي السابق الإشارة إليه، بقدر ما أريد أن أربط بين مفهوم «الدولة القوية» بمفهوم «العمل اليوم والثمرة غدًا» عنوان هذا المقال. فالدولة القوية هي التي تدرك حقائق الاقتصاد وتتفاعل معها، وأولى هذه الحقائق هو ما أشرنا إليه في بداية هذا المقال بأن العمل يسبق الثمار ويمهِّد لها، فالعمل أولًا والثمار تأتي لاحقًا. أما دغدغة المشاعر واستمالة القلوب بالحديث عن توزيع المزايا والمكافآت قبل العمل والجهد، فإنه تغرير بالعقول وإفساد للسلوك. حقًّا، هناك ظلم موروث ينبغي أن يُرفَع، كما أن هناك — في كثير من الأحوال — غبنًا لا بد وأن يُزَال، ولكن الادعاء بأننا قادرون على الاستجابة لكل التطلعات وبما يجاوز الإمكانيات والموارد، فهذا خداع للنفس وللآخرين، بل هو أخطر؛ لأنه ينطوي على إفساد للحاضر والمستقبل. فالأب الذي يدلل أبناءه ولا يرشدهم إلى حقيقة الحياة وقيودها بأنها جهد وعمل، فإنه يفسد عليهم حاضرهم ولا يؤهلهم لمواجهة مستقبلهم. ومن هنا أهمية «الدولة القوية»، فهي دولة قادرة على أن تواجه الناس بالحقائق، بحيث تخاطب عقولهم ولا تتملق مشاعرهم.

ولكن كيف نجد هذه «الدولة القوية»؟

«الدولة القوية» هي التي تتمتع بثقة مواطنيها، وتستطيع — بناءً على ذلك — مواجهتهم بالحقائق — وبعضها مرٌّ — دون تجميل أو تزين، وبدون هذه الثقة، فإن الدولة ستكون ضعيفة قليلة الفاعلية مهما بلغت سطوتها أو جبروتها. الدولة القوية — المدعومة بثقة أبنائها — تتعامل مع الحقائق وليس الأوهام، وكما أن ثقة المواطنين أساسية، فلا يقل أهميةً ثقةُ الحكومة في نفسها، وبما يمكنها من مواجهة الجميع بالحقائق والتعامل معها بجدية. ولكن الثقة وحدها لا تكفي، ولا بد من «الجدارة» أيضًا، فالقوة المدعومة بالثقة شرط ضروري لكنه غير كافٍ، فلا بد من الحكمة والخبرة والمعرفة، فلا بد للدولة أن تكون على معرفة بمتطلبات أبنائها، وأن يصاحب ذلك معرفة كافية بالإمكانيات المتاحة والقدرات الكافية، ليس في الوطن وحده وإنما على اتساع العالم، فنحن لا نعيش في جزيرة منعزلة، وإنما في عالم يزداد تقاربًا وتشابكًا. وإذا توافرت «الثقة» و«الجدارة» للدولة، فإنها سوف تدرك، ومعها معظم المواطنين، بأن العمل اليوم ثم الثمرة غدًا هو السبيل، فالبداية هي العمل والجهد وليس توزيع المغانم والمكاسب، فهذه هي الحقيقة الأولى لأي تقدُّم. () صدق الله العظيم. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.