رحم الله البرقوقي! قضى نحبه في جيل أكبر الظن أنه لا يعرفه معرفته، وكان في زمانه من أعيان البيان وأقطابه وأعلامه، بل كان يمثل عهدًا من عهود الأدب، ولكن التيار نحَّاه عن مجراه، فقعد على الشط ينظر ويتأمل ويعجب ويدهش، ويهز رأسه — يمنة ويسرة على عادته — هزة من يفهم ويعذر — لأنه مدرك — ولا يستنكر ويتسخط، وفي يده قلمه، وأمامه محبرته، وفي حجره صحيفته، فما هراق الزمنُ من مداده، ولا كسر قلمه ولا بعثر أو أطار كراريسه حين دفعه إلى الشط، أو حين وني هو وكَلَّ عن مسايرته فمال عن طريقه، وآثر أن يلقي العصى ويقعد مطمئنًّا.

وكان زميلنا السباعي رحمه الله يمزح فيسميه «الشيخ شرف» ولكنه مزح مبطن بجد، وكان الشيخ البرقوقي يومئذٍ قد أعد العُدَّة لإصدار مجلته المشهورة «البيان»، واتخذ من السباعي عونًا له وقال له في جملة ما قال: «أوصيك بالحرص على شرف الديباجة.» فضحك السباعي ضحكته القوية ذات الترجيع وقال: «أهلًا بالشيخ شرف.» وصار بعد ذلك يُعَرِّفُنَا به بهذا الاسم، والبرقوقي لا يغضب ولا يزيد على الابتسام وهَزِّ الرأس، فقد كانت فيه فطنة إلى الفكاهة، وحسن فهم لما يحول دون الغضب أو الاستياء.

و«شرف الديباجة» هو ما كان المرحوم البرقوقي يتوخاه فيما يكتب، وقد أنشأ مجلة البيان لخدمة الأدب كما يفهمه هو، ولعله كان يطمع أن يحل بها محل المرحوم الشيخ إبراهيم اليازجي، فقد كانت له مجلة بهذا الاسم، وكان البرقوقي واسع الاطلاع على الأدب العربي، حسن الفهم له، وقد درسه علي الشيخ المرصفي في الأزهر، واستفاد من دروس الشيخ محمد عبده وعنايته بدلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة للجرجاني، وتوسع هو بعد ذلك في التحصيل والدرس، ولكن الأدب الغربي كان يخايله، فيَوَدُّ لو تَيَسَّرَ له أن يطلع عليه، ولا يجد إلا ما نقل منه إلى اللغة العربية، وما أقل ذلك! وكان يعرف للمذهب الجديد في الأدب العربي بمصر حَقَّهُ وفضله، ويُكبره ولا يغمطه، وكان رجلًا أوتي حسن الفهم وصحة الإدراك، وسعة الصدر التي تدفع إلى سرعة الإقرار لكل ذي فضل بفضله، في غير تردُّد أو تحفُّظ، ولهذا برئ من المكابرة والتعصب.

وكانت بينه وبين المرحوم مصطفى صادق الرافعي صلة نسب أو قرابة — لا أدري — وكان يعده أكتب الكتاب وأفصح الفصحاء وأبلغ البلغاء، وأخرج الرافعي كتابه «حديث القمر» فرأيت فيه غموضًا كثيرًا في مواضيع عدة، فقلت للبرقوقي يومًا: «هذا صاحبك ماذا تفهم من كتابه؟» فنقل هذا إلى الرافعي، فرأيت أن أكتب إلى الرافعي في ذلك اتقاءً للغلط في النقل أو المبالغة فيما قلت فيه، واتفق أن قدم الرافعي، فاجتمعنا به عند البرقوقي — الأستاذ العقاد، والمرحوم السباعي، وأنا — وكان الرافعي حريصًا على نفي الغموض، وكنا نحن حريصين على إنصافه، فتناول نسخة من كتابه «حديث القمر» وانطلق يقرأ ويفسر، على غير جدوى في الأكثر، وماذا يمكن أن يفهم إنسان من مثل قوله: «التراب الأبدي الذي يتساقط به الليل؟» وطالت الجلسة، وكاد ينتصف الليل، وأذكر أني قلت للبرقوقي قبل أن يَنْفَضَّ ذاك السامر: «ما رأيك؟» فهز رأسه وقال: «واللهِ غامض!» ِوأذكر أن بعضنا — لا أدري أينا — سأله: «وهل يكون الغموض بيانًا وفصاحة؟» فهز رأسه ثانية وقال بلا تلعثم: «أبدًا.» وما سقت هذا الحديث لأغض من قدر الرافعي فإني أعلَى به عينًا من أن يخطر لي ذلك، وإنما سُقته لأقول إن البرقوقي كان رحيب النفس لا يتعصب ولا يكابر ولا يأبى الاقتناع.

ومن تلهُّفه على الاطلاع على أدب الغرب وكَّل إلى السباعي ترجمة ما يختار من آياته لمجلة البيان، فنقل إلى العربية كثيرًا من هذه البراعات، وكان وهو يكتب: «حضارة الإسلام في الأندلس» يسألني أحيانًا عمَّا قرأت في نشوء الحضارات باللغة الإنجليزية، فأفضي إليه بخلاصة ما اتفق لي قراءته فيحسن الإصغاء ويدون ما يراه جديرًا بالتدوين ويحاول أن ينتفع بذلك فيما يكتب عن حضارة الإسلام.

كان يرجو أن يكون «بيانه» خلفًا لبيان اليازجي، ولكنه أراد شيئًا وأراد اللهُ خلافه، فصارت مجلة البيان صحيفة لأهل المذهب الجديد في الأدب — العقاد، وشكري، والسباعي، وهيكل، وكاتب هذه السطور وغيرهم — ولم يكن ذلك التحول برغمه، أو على غير هواه، ولا كان بادي الزهادة فيه أو قليل الرضى عنه، فما كان له هو مذهب خاص في الأدب يدعو إليه، ولا كان له هَمٌّ إلا جودة العبارة وجزالة الأسلوب، ومن حسن الاتفاق أن دعاة المذهب الجديد يُعْنَوْنَ بإحكام الأداء ودقته ووفائه كعنايتهم بالإخلاص وصدق السريرة وصحة النظر واستقامة الفكر والتنزُّه عن التقليد والمحاكاة.

وهكذا صار للبرقوقي فضل يُذكر فيشكر على الأدب العصري والمذهب الجديد الذي جاء به دعاته، وقد ضيع الرجل ماله في هذه السبيل حتى كاد ينزف، وكان غير حكيم في أمر المال، وكان يضع كتبه الخاصة في مكتبة «البيان» وينسى فيبيع من كتبه، وبينها طائفة نادرة، ثم يفطن إلى ما كان منه فيضرب كفًّا بكف ويتحسر، وكان استرد بعض ما باع من هذه، ولكن بأضعاف ما قبض من ثمنها.

وكان ذا مرح ولهو، ولمجلسه إيناس ولحديثه إمتاع، كان إلى هذا ذا جلد عظيم، مصدره صحة إدراكه لقيمه ما يعرض للإنسان من خير وشر، فكان إذا أصاب خيرًا لا يخرج عن طوره، ولا ترى أثر ذلك إلا في لمعة العين وإشراق الوجه وافترار الثغر، وإذا نزل به مكروه لم يزِد على هَزِّ الرأس، وتلك كانت عادة له.

وليست مجلة البيان كل ما له من آثار؛ فقد شرح ديوان المتنبي، وديوان حسان، وأخرج مجلدًا ضخمًا سماه «الذخائر والعبقريات» وهو مختارات مما استجاد من أدب العرب، وهو جزء أول كانت نيته أن يُتبعه أجزاء أخرى، ولكن أجله جاء فجأة على ما يقال، فقد كان قوي البدن صحيحه، ولكن المنايا لا تحتاج إلى استئذان أو تمهيد أو تسويغ لموافاتها. وما أحسبه عبأ بذلك شيئًا، فإن عهدي به أنه كان يتلقى كل شيء بالتسليم، ويؤثر ذلك على عناء المجاهدة والمقاومة؛ لأنه كان بطبعه مسالمًا غير محارب، ومن أجل ذلك كان طويل الصبر.

ومن العسير أن تعين للبرقوقي مكانًا بين رجال الأدب، وتقول هنا محله دون غيره بلا مراء، فقد كان بفضل تربيته وتحصيله من أهل الرجعة إلى القديم، وكان بأسلوبه متكلفًا، ولكن ذلك غلب عليه حتى صار طباعًا فيه، غير أنه كان يحب الجديد ويُكبره ويحاول أن يقيس عليه ولا يقعده عن ذلك إلا أن الأداة لا تؤاتيه أو تسعفه، وكان نصيرًا للأدب الحديث، وإن كانت مناصرته له تجري مع ما فطر عليه من إيثار المسالمة والدعة والراحة وإدراكه أن الدنيا يطيب فيها الجديد كما يطيب القديم المألوف، وتتسع لهما معًا ولا تضيق بهما، ولعله لو كان درس لغة أوربية لاختلف مذهبه، ولكنه لم يفعل فبقي على النهج الذي شَبَّ عليه، فظلت له قدرة على معالجة القديم دون أن يستفيد قدرة على خلق جديد. وقد كنا نذكره قبل وفاته بأيام، فقال الأستاذ سلامة موسى: إن مجلة البيان كان ينبغي أن تبقى؛ فإنها تمثل أسلوبًا خاصًّا. وهذا صحيح إذا اعتبرنا أن صاحبها كان له أسلوبه الذي يتفرد به ولا يقلد فيه كاتبًا قديمًا بعينه، وإنما يدخل في باب التقليد لأنه يجري فيه على النهج القديم في الاستعارة والمجاز وقوالب التعبير الموروثة على العموم من العصر الذي صار فيه تأليف الكلام صناعة، ولكنه ليس بصحيح إذا اعتبرنا أن البيان كان مسرحًا للأقلام، ولم يكن كبيان اليازجي لا يكاد غيره يخط فيه حرفًا إلا في الندرة القليلة.

وقد أسفت لأن نعيه لم يبلغني إلا في المساء، فلم يَتَسَنَّ لي أن أقضي حقه عليَّ، وأشترك في تشييعه، وإن كان من رأيي أن الاحتفال بالتشييع عبث وباطل، وأنه ينبغي أن نكون أفهم للموت من أن نتكلف هذا المحال، وأصح إدراكًا لمعناه من أن نقيم الدنيا ونقعدها حين يدرك بعضنا قبلنا.

ونحن نسميه الموت، ولكني لا أظن «الحياة» تعرفه بهذا الاسم، وهل هو في حقيقته أكثر من تحول تقتضيه سنتها وآيتها من مادة في صورة ما إلى مادة أو مواد في صور أخرى، وتبقى بذلك، وبعد ذلك الحياة مستمرة فيما يتيسر لها من صور وفق قانونها الأبدي؟ ولكنا أوتينا الشعور بالذات وآلة الفكر، فصارت مصيبة الفرد كبيرة، وإن جنت جملة الإنسانية من هذه المصيبة خيرًا جزيلًا، ولو حرمنا الشعور بالذات دون العقل أو العقل دون الشعور بالذات لكان الخطب أهون، والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.