هناك أخطاء شائعة في جميع المجالات. وهي أخطاء يقع فيها العامة والخاصة. والاقتصاد ليس استثناء على ذلك. فكثيرًا ما يتحدث الناس عن مفاهيم اقتصادية باعتبارها حقائق، وهي ليست كذلك، وعندما يشيع استخدام هذه المفاهيم الخاطئة وخاصة من أبناء المهنة وأحيانًا من المسئولين، فإن الأمر يحتاج إلى توضيح حتى لا تستقر هذه المفاهيم الخاطئة، والتي يمكن أن تؤدي إلى سياسات خاطئة أيضًا.

ومن أمثلة هذه الأخطاء الشائعة في مجال الاقتصاد ما يذكر كثيرًا من أن ودائع الأفراد لدى البنوك تمثِّل ادخار الاقتصاد، وأنها بالتالي موارد عاطلة كان يمكن — إذا وظفت في استخدامات منتجة — أن تساعد على تحسين الأوضاع الاقتصادية. فما إن تنشر ميزانيات البنوك ويظهر فيها بند الودائع ويتزايد عامًا بعد عام، حتى تكثر التصريحات بأن الودائع لدى البنوك تعكس زيادة المدخرات في الاقتصاد القومي، وأنها تمثِّل — بالتالي — فرصة لإمكان زيادة الاستثمارات القومية. ولا يقتصر الأمر على الكتاب والصحفيين، بل إنه كثيرًا ما يتردد مثل هذا الحديث في تصريحات بعض المسئولين، بل وفي بعض النشرات الاقتصادية المتخصصة. وهو أمر غير دقيق، ويخلط بين المفهوم العامي والمفهوم العلمي للادخار. ولذلك فقد يكون من المفيد توضيح هذا الأمر للقارئ العادي. حقًّا، إن المقالات الصحفية ليست مجالات لدروس الاقتصاد أو غيره، فهذا مجاله قاعات الدرس في المعاهد والجامعات. ومع ذلك، فقد أصبح الاقتصاد ومصطلحاته من أهم مفردات النقاش العام والجدل السياسي. ولذلك، فإن الخلط في هذه الأمور يؤدي إلى استخلاص نتائج غير صحيحة وأحيانًا ضارة.

عندما يتحدث فرد عن مدخراته فإنه يشير — في الغالب — إلى ما تجمع لديه من تراكم لأموال خلال السنوات الماضية وحتى اللحظة الحالية، وسواء كانت هذه الأموال أصولًا عينية أو مالية من نقود أو أوراق مالية. هذا المفهوم الدارج للادخار هو مفهوم غير دقيق، ولا يعبر عما يقصده الاقتصاديون عندما يتحدثون عن الادخار. هذا المفهوم الدارج هو أقرب ما يكون إلى ما يطلق عليه الاقتصاديون تعبير «الثروة»، فالثروة تمثِّل ما يملكه فرد — أو المجتمع — في فترة معينة. ولاحظ الفرق بين المفاهيم الاقتصادية التي تعرف في فترة معينة مثل الإنتاج أو الاستهلاك أو الاستثمار أو الادخار، فهذه المفاهيم الأخيرة لها بعد زمني. فلا يمكن الحديث عن الإنتاج أو الدخل أو الادخار مثلًا إلا في خلال فترة — عادة سنة — وهكذا نجد أنفسنا أمام نوعين من الكميات الاقتصادية، أحدها بلا بعد زمني، ويطلق عليها الأرصدة STOCRS، والثاني له بعد زمني ويطلق عليه التيارات والتدفقاتFLOWS.

وأول ما نلاحظه على الخلط بين الودائع — النقود بصفة عامة — وبين الادخار، أن كلًّا منها يعبر عن نوع مختلف من الكميات الاقتصادية التي لا يجوز الخلط بينها. فالودائع في البنوك — وكذا النقود بصفة عامة — هي من قبيل «الأرصدة» التي تقاس في لحظة معينة. فنقول إن حجم الودائع لدى البنوك في يوم ٣١ ديسمبر هو كذا. أما الادخار فهو من قبيل «التيارات» والتي لا يمكن تعريفها إلا خلال فترة معينة — عادة سنة. فنقول إن الادخار القومي بلغ كذا مليار جنيه خلال سنة ٢٠٠٣ مثلًا، والخلط بين الأمرين هو خلط بين كميتين من نوعين مختلفين تمامًا، كما هو الحال مثلًا عندما نخلط بين «المسافة» و«السرعة». فالمسافة هي مقياس للمكان بين نقطتين، وليس لهذا القياس أي بعد زمني. فالمسافة بين القاهرة والإسكندرية هي ٢٠٠ كيلومتر. ولكن عندما نتحدث عن سرعة سيارة تسير في هذا الطريق فنقول إنها تسير بسرعة ١٠٠ كيلو/ساعة، أي إننا لا نستطيع أن نعرف السرعة دون أن تحدد الفترة الزمنية، فهي ١٠٠ كيلو في الساعة أو ٥٠ كيلو في نصف ساعة وهكذا. ولا يمكن الخلط بين الأمرين. وكذا الحال بين الودائع في البنوك التي ليس لها أي بعد زمني وبين الادخار الذي لا يمكن تعريفه إلا خلال فترة زمنية. هذا من حيث طبيعة كل الودائع أو الادخار. ولكن الأمر لا يقتصر على ذلك، فالاقتصاد جزء من الاقتصاد العيني في الإنتاج واستخداماته، في حين أن الودائع جزء من الاقتصاد النقدي وحجم الإصدار النقدي وعادات الأفراد في التعامل بها، وهي أمور مختلفة تمامًا.

فإذا نظرنا إلى علاقات الإنتاج في الاقتصاد العيني، نجد أن الناتج القومي هو مجموع ما تمَّ إنتاجه في اقتصاد معين خلال فترة معينة. وهذا الناتج يستخدم بعضه لأغراض الاستهلاك المباشر، ويسمى الاستهلاك، والباقي يمثل الادخار. فالادخار هو ظاهرة مرتبطة بالإنتاج، وهو يمثِّل الجزء من هذا الناتج والذي لم يستخدم في الاستهلاك. وعلى ذلك فإن حجم الادخار يتوقف على حجم الناتج القومي من ناحية، والاستهلاكِ القومي من ناحية أخرى، وهي أمور تعرف خلال فترة معينة — سنة عادة.

أما ودائع الأفراد في البنوك — أو ما يحتفظ به الأفراد عادة من نقود — فإنه يتوقف على عوامل نقدية مثل حجم الإصدار النقدي وسياسة البنوك في الإقراض والائتمان وعدد العوامل الهيكلية مثل مواعيد دفع الأجور والمستحقات. فإذا كان الفرد يحصل على دخله مرة في السنة مثلًا — كما هو الحال بالنسبة لملاك الأراضي الزراعية — فمن الطبيعي أن نتوقع أن مثل هذا الفرد يمكن أن يحوز في وقت معين مبلغًا أكبر من النقود بالمقارنة مع فرد آخر — موظف مثلًا — يقبض راتبه مرة كل شهر. من الواضح أن الموظف لا يمكن أن يحوز — في لحظة معينة — مبلغًا نقديًّا مثل زميله المالك الذي يقبض دخله مرة في السنة. فهنا نجد أننا بصدد شخصين يتمتعان بنفس الدخل السنوي، ولكن أحدهما لا يحتفظ في أي وقت بمبلغ مماثل لما يمكن أن يحتفظ به شخص آخر في نفس الظروف، باستثناء أنه يقبض دخله مرة كل سنة. وهكذا نجد أن الأسلوب الغالب على أداء المدفوعات يمكن أن يؤثر في حجم النقود. وبالتالي الودائع التي يمكن أن يحتفظ بها الأفراد. كذلك فإذا كان هناك تضخم في الأسعار، فإنه من الطبيعي أن يزداد حجم النقود المتداولة، وبالتالي ما يحتفظ به الأفراد من نقود في شكل سائل أو في شكل ودائع في البنوك.

وهكذا يتأثر حجم النقود المتداولة بما يحدث في الاقتصاد النقدي بصرف النظر عما يحدث في الاقتصاد العيني للإنتاج والادخار. بل إن هناك حالات تجد فيها أن نقص الادخار القومي يؤدي إلى زيادة الإصدار النقدي وبالتالي الودائع في البنوك. فالغالب أن يحدث التضخم نتيجة لعجز ميزانية الحكومة، أي عندما تعجز إيرادات الحكومة عن تغطية مصروفاتها، أو بعبارة أخرى، عندما تعاني الحكومة من ادخار سلبي بزيادة مصروفاتها على إيراداتها. فهنا تلجأ الحكومة — عادة — إلى البنك المركزي الذي يزيد من الإصدار النقدي وزيادة التضخم. وهذه الزيادة في الإصدار النقدي لا تلبث أن تظهر في شكل زيادة في ودائع الأفراد لدى البنوك. وفي هذه الحالة، لا تكون زيادة الودائع في البنوك نتيجة لزيادة المدخرات كما تذهب المقولة الشائعة، وإنما هي — في الحقيقة — نتيجة للادخار السلبي لميزانية الحكومة، وبالتالي نقص المدخرات.

وبذلك لا نجد أي ترابط بين زيادة الودائع وزيادة المدخرات، حيث أدى نقص المدخرات في هذه الحالة إلى زيادة الودائع في البنوك.

وقد عرفت مصر شيئًا من ذلك خلال الثمانينات، عندما كان عجز القطاع العام وزيادة مديونياته لدى البنوك — والحال كذلك — ليست مظهرًا لزيادة الادخار القومي، بل قد تكون نتيجة لنقص هذا الادخار وعجز الوحدات الإنتاجية.

ولعله من المفيد هنا أن نشير إلى أحد أهم خصائص النقود والتي تميزها عن السلع العينية. فالأصل في السلع والتي تنتج من «الاقتصاد العيني» أنها تدخل السوق لكي تخرج منه ولا تعود من جديد إلى السوق. فالسوق هي مرحلة وسيطة للسلع بين المنتج والمستفيد النهائي، سواء أكان هذا المستفيد هو المستهلك أو المستورد أو المستثمر. السلع تنتج من أجل المستفيد النهائي. أما النقود فإنها تدخل السوق ولا تخرج منه، فهي تنتقل من يد إلى يد، وهي دائمًا موجودة في السوق ولا تخرج منه، إلا في الحالات الاستثنائية التي تعود فيها إلى البنك المركزي نفسه الذي أصدرها. وهكذا نجد أن النقود متى دخلت السوق، فإنها تستمر فيه، وتنتقل بين العملاء، وعادة تنتقل من وديعة باسم مودع إلى وديعة أخرى باسم مودع آخر. وعادة لا تخرج النقود من السوق إلا إذا أخذ القطاع المصرفي بسياسة انكماشية تؤدي إلى نقص حجم الكتلة النقدية المتداولة. وفي هذه الحالة وحدها يمكن أن تنخفض حجم ودائع الأفراد لدى البنوك. ولكن هذه السياسة الانكماشية قد تؤدي أيضًا إلى انكماش في النشاط الاقتصادي.

وأخيرًا، فإن المقارنة بين حجم ودائع الأفراد وحجم الادخار لا يتجاهل فقط اختلاف طبيعة الكميتين من حيث طبيعة كل منهما وعلاقته بكل من الاقتصاد العيني أو النقدي، ولكنه غالبًا ما يغفل أمرًا مهمًّا لا تكتمل الصورة إلا به. فاقتصار النظر على شق ودائع الأفراد لدى البنوك إنما يهدر الجانب الآخر المقابل لهذه الودائع لدى البنوك. الودائع لدى البنوك تمثِّل جانب المدين لدى البنوك، ولكن الصورة الكلية تقتضي أن ننظر إلى الجانب المقابل، جانب الدائن في ميزانية البنوك. فالبنوك لا تحتفظ بالودائع سائلة في خزائنها، وإنما توظفها في قروض للمشروعات والأفراد. وهكذا، فإن زيادة حجم الودائع لدى البنوك لا تعني أن هناك موارد معطلة وقابلة للاستخدام، فالغالب أن الغالبية العظمى من أموال الودائع هي أموال موظفة بالفعل في قروض وأصول متعددة. وإذا كانت البنوك تتمتع ببعض الأصول السائلة فذلك يكون عادة لضمان الوفاء بطلبات السحب اليومي، أو لتغطية بعض الأصول المشكوك فيها. وكل هذا ضروري لاستقرار النظام المصرفي والثقة.

وفي خلال العشرين أو الثلاثين عامًا الأخيرة كان متوسط الاستهلاك القومي في مصر من الناتج القومي يتراوح حول ٨٥٪، بمعنى أن متوسط الادخار القومي كان يدور حول ١٥٪، في حين أن الاستثمار كان يدور حول ١٨-١٩٪؛ أي إن مصر تعاني من عجز في مدخراتها المحلية في حدود ٣–٥٪ من الناتج القومي، الأمر الذي أدى إلى قيام المديونية الخارجية.

إن عجز المدخرات المحلية في مصر هو أحد أضعف نقاط القوة في الاقتصاد المصري، وهو أمر يحتاج إلى علاج. وهذا لن يتحقق إلا بزيادة إمكانات الإنتاج. أما الودائع لدى البنوك فهي ظاهرة نقدية لا صلة لها بالادخار، على الأقل ليست هناك أية صلة مباشرة كما تذهب المقولات الشائعة، والخاطئة. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.