كتب الأستاذ إسماعيل مظهر في مجلة «المقتطف» فصلًا افتتاحيًّا ضمَّنه بعض «التأملات والنقود» حول موضوع كتابنا عن «الله»، ثم ألحقه بتذييلٍ عن المصطلحات والأسماء التي «لا يوافق عليها».

وفي هذا وذاك مجال للمناقشة والتعقيب من قبيل التصحيح أو التوضيح.

وهذا بعض ما رأينا أن نناقشه من تلك القيود والملاحظات.

***

انتقد الأستاذ مظهر ترجمة الأنيميزم animism بالاستحياء، وقال إن حقيقتها الفكرة الروحانية، واستشهد على ذلك بمعجم من المعجمات الإنجليزية.

ونقول إن هذه المصطلحات لا يُرجع فيها إلى المعجمات العامة، وإنما يُرجع فيها إلى معنى المذهب الذي تدلُّ عليه.

فكلمة «الأنيميزم» لها معانٍ كثيرة تختلف باختلاف العلوم التي تدخل فيها، وهي في علم وظائف الأعضاء غيرها فيما وراء الطبيعة، وغيرها في علم أصول الإنسان.

والمعنى المقصود هنا في مذهب تيلور أن الهمجي كان يُؤلِّه الأشياء والظواهر الطبيعية؛ لأنه كان كالطفل الذي يضرب الباب إذا اصطدم به؛ لأنه يحسبه في حكم الأحياء، ونحن لا نقول إن الطفل يضرب الباب لأنه يؤمن بالفكرة الروحية، وإنما نقول إنه يضربه لأنه يؤمن بالاستحياء، أو لأنه «يستحيي» الأشياء التي ليست لها حياة.

وانتقد الأستاذ مظهر ترجمتنا البوليتزم Polytheism بتعديد الآلهة، وقال: «هو الإشراك أو الشرك، وهو اصطلاح قديم جارٍ على الألسنة، وتضمَّنته المؤلفات العربية من أقدم عصور البحث الفلسفي فيها.»

نقول نعم … ولكنك لا تقول إن القبائل الهمجية كانت تؤمن بالشرك؛ لأن الإيمان بالشرك يقتضي الإيمان قبل ذلك بوحدانية الله، ولا معنى لأن تصف إنسانًا بأنه مشرك قبل أن يظهر على الكرة الأرضية دين يدعو إلى التوحيد، أو يدعو إلى الإله الواحد الذي يدعو إلى غيره أولئك «المشركون».

وفرق بين كلام الكاتب العربي عن المشركين بعد ظهور الإسلام وبين كلام المؤرخ الذي يرجع إلى أطوار العبادة من التعديد إلى الترجيح إلى التوحيد، فلو قال ذلك المؤرخ إن الهمج أشركوا قبل أن يؤرخ لنا ديانات التوحيد لكان كلامه هذا خطأً في التاريخ وخطأً في التعبير.

وانتقد الأستاذ مظهر بعض الحروف كقولنا الشيشيميون بدلًا من «الخيخيميون» كما يرى، أو كقولنا كرونوس بدلًا من أخرونوس … إلى أمثال هذه التصحيفات في رأي الأستاذ.

وجوابنا على ذلك أن كتَّاب العربية يكتبون «أرشميدس» كما يكتبون «أرخميدس» أو يكتبون أرشميد وأرخميد بغير سين.

وإنهم يكتبون كرستوف كولمبس كما يكتبون خرستوف كولمبس أو كولمب في الحالتين.

وأن العرب أخذوا من الفارسية «خسراو»، فجعلوها كسرى مع وجود الخاء في اللغة العربية.

وأن كرونوس بذاتها لا يصح أن تترجم أخرونوس في المقام الذي تُرجمت فيه؛ لأنها تتصل بمعنى الزمان، ونحن نقول اليوم «كرونومتر» ولا نقول «أخرونومتر» كما يريد الأستاذ.

ويعيب الأستاذ مظهر ترجمة الديالكتك Dialectic بالثنائية، ويفضل ترجمتها بالجدلية.

وهو في ذلك على خطأ عظيم من جهة اللفظ ومن جهة المعنى؛ لأننا رددنا ديا Dia إلى معناها الأصيل وهو التثنية، ومنها الآن كلمة Deux بالفرنسية وTwo بالإنجليزية.

ولأن مذهب كارل ماركس وهو «الديالكتك» يقوم على أن المادة ثنائية الخصائص تشتمل على الخاصة ونقيضها، ولا يقوم على أن المادة جدلية أو يجادل بعضها بعضًا في أطوارها المتتابعة.

وقال الأستاذ مظهر في مفتتح كلامه: «ما من شيء في دنيا الفكر ينبغي أن تُحدَّدَ معانيه تحديدًا دقيقًا إذا أردنا أن نأمن العثار ونطوي مراحل الجدل كتحديد المعنى الذي ندركه من كلمة الله والمعنى الذي ندركه من الألوهية أو الربوبية … ولكن ينبغي أن نتواضع على تفرقة بينهما في الاستعمال، وأودُّ لو أننا نُدرك إذا قلنا الله أنه موضوع مَردُّه إلى الدين، وأن ندرك من القول بالألوهية والربوبية أنه موضوع مَردُّه إلى الفلسفة والتأمل.»

وقد كان خليقًا بالأستاذ مظهر أن يرجع في هذا إلى غرضنا من الكتاب.

فنحن قد أردنا به أن نبين كيف وصل الإنسان إلى الإيمان بالله، ولم نُرِدْ به أن نبيِّن كيف وصل إلى مجرد الربوبية؛ لأنه قد وصل إلى الإيمان بالربوبية منذ آمن بالطواطم أو منذ آمن برب ما من الأرباب قبل عصور التاريخ.

وقال الأستاذ مظهر عن كلمة الوجود ينتقد قولنا «إننا نعطي الوجود ألزم لوازمه إذا قلنا إنه غير المعدوم.» فعقَّب على ذلك قائلًا: «ذلك قول غير مستقيم ذهنًا؛ لأن الوجود يقابله العدم ولا يقابله المعدوم.»

نقول نعم … ولكننا إذا قلنا الشبيبة قصدنا بذلك الشبان؛ وإذا قلنا العلم قصدنا بذلك المعلومات، وإذا قلنا: هذا الوجود، قصدنا بذلك هذه الموجودات.

ومن أعجب العجب قول الأستاذ مظهر إن الوجود يتوقف على إحساس من يحسونه. فهل معنى ذلك أن الشيء لا يكون موجودًا لذاته إلا إذا وجد من يحس أنه موجود!

وانتقد الأستاذ مظهر قولنا أنَّ الوعي الكوني هو علة البحث عن العقيدة، ثم استشهد بكلام «أوغست كونت» حيث يقول: «إن الاعتقاد في إرادات أو ذوات عاقلة لم يكن إلا تصورًا باطلًا نخفي وراءه جهلنا بالأسباب الطبيعية. أما الآن وكل المتعلِّمين من أبناء المدنية الحديثة يعتقدون بأن كل الحوادث العالمية والظاهرات الطبيعية لا بد من أن تعود إلى سبب طبيعي، وأنه من المستطاع تعليلها تعليلًا مبناه العلم الطبيعي، فلم يبقَ ثمت من فراغ يسده الاعتقاد بوجود الله، ولم يبقَ من سبب يسوقنا إلى الإيمان به.»

ونلاحظ أولًا أن الأستاذ مظهر يترجم auguste بأوغست، فلماذا ترجمها هكذا وليس في الفرنسية حرف الغين؟!

ثم نلاحظ أن الأستاذ قد أغفل الجانب المهم من الفلسفة الوضعية كلها، وهو أن كونت لا ينفي وجود ما وراء الطبيعة ولا ينفي ضرورة الاعتقاد، ولكنه يقول إن العقل قاصر عن معرفة غير المحدود، وأنه ينبغي من ثَمَّ أن يتخذ له عقيدة إنسانية تؤمن بالإنسان وتنوط الثواب الأعظم بإسداء الخير إلى بني الإنسان.

وقد وُجد بعد كونت فلاسفة يعلمون ما لم يكن يعلمه في زمانه، ولم يكفوا عن البحث وراء الطبيعة، ولم يذهبوا إلى ذلك السخف الذي ذهب إليه حين وقع في ذلك التناقض الذي لا تقبله العقول فضلًا عن وجدان الدين.

فأي تناقض أسخف من تناقض القائلين بأننا نترك الإيمان بغير المحدود؛ لأنه غير محدود.

أي كائن أحق بالإيمان به من الكائن المطلق الكمال؟ فلماذا يكون سبب الإيمان الوحيد هو السبب المبطل لكل إيمان؟

فإذا كانت المعرفة العلمية قاصرة عن الإحاطة بغير المحدَّد على زعمه، فيجب أن يكون هناك سبيل إلى الشعور به من غير المعرفة العلمية، وهو سبيل الإيمان.

والمسألة ليست من البساطة والسهولة بحيث يقول الأستاذ مظهر إن علم التطور «أثبت أن الإنسان نتيجة مترتبة على النواميس القديمة الأزلية، وأن حدوثه ليس أكثر من توليف جديد حدث في جواهر المادة».

فكيف أثبت علم التطور أن الإنسان توليفة جديدة فقط حدثت في عالم المادة؟

هل أثبت علم التطور حتى الآن علة الفرق بين أصغر الخلايا الحية وبين الذرة المادية؟

وإذا كان علم التطور لم يثبت ذلك، فكيف يُجزم بالرأي في حقيقة الإنسان كله وهو أعلى ما شهدناه من ظواهر الحياة؟

وإذا كان علم التطور قد أثبت ذلك، فلماذا لا يُخرج لنا خلية حية تنشطر وتلتئم وتتوزع وتتجمع وتدخل في الرحم بدلًا من خلية الإنسان أو خلية الحيوان، فينشأ منها مولود جديد على مثال أمه وأبيه؟

إن أجهل همجي لهو أصدق شعورًا بالعالم من الفيلسوف العصري الذي يحصر مسألة الحياة هذا الحصر المعيب؛ لأنه على الأقل يُدرك للكون عظمة ورهبة تَخفَيَان على الفيلسوف الذي يظن أن الآزال والآباد كانت في انتظاره حتى يظهر في سنة ١٨٠٠ أو ١٩٠٠ أو ٢٠٠٠، فيضع الكون كله في تلك العلبة الصغيرة، ويُغلِقه هناك بالمفتاح الأخير.

على أننا ندع الخوض في هذا الغمار؛ فقد عرفنا كيف كان وقوف الأستاذ مظهر على الشاطئ بين الماء والرمال، ونرجع إلى المصطلحات والنقود فلا نَزيد على ما تقدم إلا أن نرجو الأستاذ ومن ينقدون على غراره أن ينقدوا بعد أناة طويلة؛ فقد تبيَّن مما تقدم أننا لم يَفُتْنا شيء مما يقع في خواطرهم، ولكنهم هم قد يفوتهم شيء كثير مما توخَّيْنَا …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.