أعرف حادثتين متماثلتين مع اختلاف يسير، أكبر الظن أن لهما — على غرابتهما — نظائر غير قليلة. أولاهما كنت من شهود العيان فيها، والثانية وقفت عليها من شاب بعث إليَّ برسالة يشكو فيها ويطلب الرأي والنصيحة، وسأقص الحكايتين أولًا.

وخلاصة الحكاية الأولى أن شابًّا رشيدًا خطب فتاة من بنات معارفه الأقربين الذين لا يخفى عليهم حاله، ولا عليه حالهم، فرحبوا به وعقدوا له عليها، ولم يقبلوا مهرًا، واتفقوا معه — كما يحدث كثيرًا — أن يعد البيت ويؤثثه، وعليهم هم أن يتولوا جهاز عروسه، ففعل وفعلوا ولم يبقَ إلا أن تنتقل إلى بيته، وهو ملكه، فيدخل بها ويتم الزواج. ولكن القوم جعلوا يسوفون ويماطلون، وهو يتعجب، ويستعجلهم بلا جدوى، وذهب يزور عروسه ذات يوم ومعه بعض ما يُهدى في أمثال هذه المناسبات، فألفاها في حجرة الاستقبال مع شاب وسيم أنيق زعمت أمها أنه من ذوي قرابتها، فزاد عجبه فإنه يعرف أهلهم جميعًا، ولا يعرف أن هذا منهم، وتكرر هذا، وكان مرة في دار من دور السينما فرآها معه، على حين كانت أمها تأبى عليه أن يخرج بها إلى السينما أو غيرها وإن كان زوجها، فضاق صدره ومضى إلى الأم — فقد كانت هي صاحبة الأمر والشأن دون الأب — يسألها عن الخبر، فما راعه إلا قولها له: «هذا خطيبها!»

خطيبها الذي انتقته لها أمها، وإن كانت قد زوَّجَتها صاحبنا! وأغرب من هذا أن الأم صارحت الشاب الجديد بأن بنتها متزوجة، ووعدته بتطليقها، وقد قَبِلَ الشاب هذا وارتضاه، ووافق على أن يكون خطيب فتاة متزوجة، وأن يكون معها كأنها له دون زوجها.

ولم يسع صاحبنا المنكود الحظ — أو السعيد الحظ في الحقيقة — إلا أن يطلق فتاة ارتضت لنفسها أن يخطبها رجل غير زوجها.

والحكاية الثانية أن شابًّا خطبت له والدته فتاة من أسرة تقيم في بعض مدن الأقاليم، وتمت الخطبة والعقد أيضًا، وأدَّى الشاب المهر وراح ينتظر أن يفرغ القوم من الجهاز، وكان يبحث في خلال ذلك عن مسكن صالح فلا يهتدي، وله العذر، ويزور عروسه من حين إلى حين، وعرض عليهم أن يدخل بها عندهم ويقضي معها يومين كل أسبوع يعود بعدهما إلى عمله في القاهرة، حتى يوفقه الله إلى بيت لائق، فأَبَوْا وأَبَوْا أيضًا أن يحملها إلى البيت الذي هو فيه، واتهموه بالتقصير في البحث؛ جهلًا منهم بأزمة المساكن في مصر، ثم صاروا يحجُبُون عنه زوجته، ويمنعونه أن يراها أو تراه، ويبدون له التأفُّف والضجر والجفوة والنفور، وهو يتعجب ويجادلهم ويحاورهم ويداورهم ويجتهد في مرضاتهم عبثًا، ثم قالوا له في صراحة تامة إنهم يبغون تطليقها، وإنهم وُفِّقُوا إلى شاب آخر هو في رأيهم خير منه وأولى بها، ويأبى الشاب الطلاق لأنه أحب الفتاة وأحبته فيما يقول، ولأنه يرى في هذا ظلمًا له ولها، ولأن عمل أهلها أقل ما يوصف به أنه لا لائق ولا كريم، فماذا يصنع؟

هذه هي المسألة — كما يقول هملت — ولا أعرف أن عندي جوابًا لمسألته، والطباع تتفاوت، ولو كنت أنا مكان هذا الشاب وكنت أحب الفتاة وهي تحبني، لوضعت أهلها أمام الأمر الواقع الذي لا حيلة فيه لأحد؛ أعني أني كنت أحتال حتى أدخل بها، فيتغير الموقف كله. أو كنت — على الأقل جدًّا — أطلبها إلى محل الطاعة، أو كنت على كل حال أسعى جهدي لإحباط سعي أهلها، ما دمت واثقًا من حب الفتاة وإيثارها لي؛ فإن أهلها ظالمون فهم غير أهلٍ للحسنى، ولكن الطباع — كما قُلْتُ — تتفاوت، ومن الناس من يركب رأسه مثلي إذا استثاره ظلم، أو يضع رأسه على كفه، ويمضي مشاكسًا معاندًا غير عابئ بما كان أو يكون.

ولقد قامت في طريق زواجي عقبات، فقلت لامرأتي — ولم تكن يومئذٍ امرأتي: سآخذك برضاهم أو كرههم، وأخطفك إذا احتاج الأمر إلى الخطف، فوَطِّنِي نفسك على هذا ولا تكترثي لما يكون منهم. وقد كان، ولم أحتج إلى الخطف، ولكني أخذتها والسلام. ولكن الناس ليسوا جميعًا من هذا الضرب الثقيل المتعب، فلست أستطيع أن أشير بشيء قد لا يوافق طباع غيري.

وقد قصصت هاتين القصتين لأقول إن هذا عبث مستنكر، يقلب الزواج لعبًا وتجارة ويؤدي إلى فساد الأخلاق، والاستخفاف بالحياة الزوجية وبقيمة الأسرة، ولا يثمر في أي حال إلا شرًّا، وما ظنك بفتاة تغريها أمها بجهلها وحماقتها بأن تقبل أن تكون مخطوبة لرجل وهي زوجة رجل آخر؟ وماذا يكون رأى فتاة في الزواج وقيمته ومعناه إذا كان أهلها يُزَوِّجُونَهَا رجلًا، ثم يُؤْثِرُون غيره ويسعون لتطليقها، كأنَّ الأمر أمر سلعة تُشْتَرَى ثم تُرَدُّ ويُعتاض منها سواها؟ والبلاء أن هذا السلوك ليس بالنادر، وقانا الله السوء!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.