تاريخ الإحياء

يصعب على المؤرخ أن يعيِّن بالدقة تاريخ بداية عهد إحياء العلوم والمدنية بإيطاليا وتاريخ نهايته؛ لأن البداية وإن كانت في عُرف المؤرخين ترجع إلى القرن الرابع عشر للمسيح عليه السلام لظهور علائم الإحياء ونبوغ بعض رجاله في هذا القرن، إلا أن هذه العلائم يرجع أصل معظمها إلى ما قبل هذا القرن، فكأنها ثمار غرس القرون السابقة نضجت فيه، ولو أردنا الرجوع إلى تاريخ ذلك الغرس اضطرنا الاستقراء للعودة للقرون الأولى، واختلط تاريخ غرس بذور نهضة الإحياء بتاريخ الترقي الإنساني، وهذا لا بداية له.

أما فيما يتعلق بتحديد تاريخ نهاية عهد الإحياء، فليست الصعوبة بأقل مما ذكرنا عن تحديد تاريخ البداية؛ لأن نهضة الإحياء ابتدأت واستمرت ولا تزال إلى الآن سائرة في طريقها، وهي بطبيعتها مختلطة بتاريخ التقدم البشري، وهو لا آخر له ولا نهاية إلا بنهاية البشر.

معنى كلمة الإحياء

الإحياء يشمل بيان ما تم من التغيير والتقدم في فروع الحياة العقلية والاجتماعية والفنية في ثلاثة قرون بإيطاليا.

فقد حدث في الفنون الجميلة تغيير تام من حيث ظهور بعض الفنون التي لم تكن معروفة من قبل، ومن حيث إدخال طرق جديدة في بعض الفنون المعروفة، وظهور آثار جليلة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الفنون، ونبوغ رجال لا يزالون إلى الآن أقطاب دائرة تلك الفنون، وظهور مذاهب جديدة في النقش والنحت والعمارة انتشرت في أنحاء العالم المتمدين، وأصبح ما نراه في العالم الآن أثرًا من آثارها، وكذلك بدأ في عهد الإحياء عهد درس فنون الأدب وتبوبيها، وتخرَّج فطاحل في الشعر والنثر وضعوا كتبًا نَسج على منوالها الخلف، ولا تزال عمدة المتأدبين في هذا الزمان.

وامتاز عهد الإحياء باهتمام الأدباء والعلماء بدرس آثار السلف، فَعُنُوا بجمع كتب اليونان وتفهُّم الآداب اللاتينية، وهذا ما يسمى عندهم بحب القديم أو التراث «أموري دلنتيكيتا».

كذلك امتاز هذا العهد بتحرير الضمير الإنساني بما أظهره المصلحون المسيحيون أمثال مارتين لوثيروس وزنجويل وكالڤين وآراز موس من المبادئ الدينية الجديدة.

وامتاز هذا العهد أيضًا بظهور قوانين حديثة للعلوم واكتشاف قواعد ثابتة كان علماء الأرض في غفلة عنها مع شدة أهميتها بين علوم البشر، منها ما اكتشفه كوبرنيك في علم الهيئة، وما قال به جاليليو في دوران الأرض، وما أثبته فرساليو في علم التشريح، وهارڤي عن الدورة الدموية.

كذلك ظهرت تغييرات مهمة في الحياة السياسية؛ فاختفى نظام الالتزام (الإقطاع) الذي كان سائدًا في القرون المظلمة، وبدأت الأمم الأوروبية تحيا واحدة بعد أخرى وتطالب بالاعتراف بوجودها وبسلطتها.

كذلك امتاز عهد الإحياء بتحديد سلطة الكنيسة وإيقاف نفوذ البابا عند حدٍّ معلوم.

وظهرت مبادئ الحرية العامة وتمتعت بها سائر الطبقات الوسطى والنازلة، ولم تختص بها الطبقة العليا دون سواها.

ثم اكتُشف في هذا العهد العالم الجديد (أمريكا)، فقد فُتح بهذا الاكتشاف للإنسان ميدان واسع للرُّقي المادي والأدبي، وكان بداية ظهور مدنية جديدة لا تزال حتى الساعة في عنفوانها.

واكتُشفت الآلات الحديثة التي خدمت العلوم خدمة جليلة منها التلسكوب الذي يقرب البعيد من المناظر وغيره.

فتعريف الإحياء يُستنتج مما سبق؛ فالإحياء هو حركة طبيعية لا يمكن تفسيرها بمظهر من المظاهر البسيطة والدلالة عليها بتعريف سطحي، إنما هي قوة من قوى الإنسانية ظهرت آثارها في كل شيء ولا تزال حتى الآن تسير في تيارها.

في القرن الرابع عشر للميلاد اهتز العقل البشري في الأمم الغربية ونهض من سباته الطويل وعاد إلى النشاط والعمل. فالإحياء والإصلاح والتغييرات السياسية لم تكن أشياء يمكن فصلها عن بعضها البعض، إنما هي حلقات في سلسلة متصلة، إنما يمكن رد بعض مظاهر الإحياء إلى حوادث كبرى حدثت في القرون الخالية، فإن ظهور حب الأوطان وتعلُّق كل أمة بأرضها، ومحاولتها إثبات شخصيتها وسلطتها، كل أولئك يرجع إلى إغارة البربر من قبائل الشمال.

إيطاليا أول أمم الإحياء

وأول أمم الأرض التي ظهر فيها بشائر الإحياء وقام بأعبائه رجال من أبنائها هي الأمة الإيطالية، وكان لذلك أسباب مهمة؛ منها استعداد اللغة الإيطالية للآداب لكونها سليلة اللغة اللاتينية أولًا، ولكونها صقلت بأقلام فحول الشعراء والكتَّاب الذين افتتحوا عهد الإحياء الأدبي أمثال دانتي اليجري وبترارك وبوكاتشيو.

ومن تلك الأسباب أيضًا جمال جو إيطاليا وخصب أرضها وتوسطها بين أمم الغرب وكونها محط رحال العلماء، ولِما كان بينها وبين أمم المشرق من العلاقات التجارية.

ومن هذه الأسباب أيضًا ظهور الحرية السياسية في جمهوريات إيطاليا ومدنها المستقلة قبل ظهورها في غيرها من الممالك، ومنها إثراء إيطاليا من تجارتها مع الأمم الأخرى، ولأن إيطاليا كانت أُولى الأمم الخمس التي تكوَّنت في ذلك العهد، وهي: إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وإنكلترا وجرمانيا. ثم إن إيطاليا كانت أُولى الأمم التي ظهرت فيها مظاهر عهد الإحياء بقوة، وتلك المظاهر كانت في مجموعها ثلاثة، الأول حرية الأمم، والثاني الإصلاح الديني، والثالث التغيير السياسي.

بعض رجال الإحياء

قبل ظهور حركة الإحياء بما لها من القوة، ظهر رجال في بعض ممالك أوروبا غرسوا مبادئ وأفكارًا جديدة كانت من أهم المصادر لما تلاها، فمنهم أبلاردو الذي امتاز بأبحاثه المنطقية وهو إيطالي، وباكون الذي امتاز بأبحاثه الفلسفية والأناليثيقية (التحليلية) وهو إنكليزي، ومنهم دانتي الذي وصل إلى الجمع بين جلال السلف في الأفكار وبين النظم والنثر باللغة الإيطالية الحديثة، وقد وجدت إيطاليا في دانتي وبترارك وبوكاتشيو أبطال الحرية العقلية الذين فكوا قيود الفكر الإنساني.

سقوط إمبراطورية بيزنطة

ثم إن سقوط الدولة البيزنطية عام ١٤٥٣ كان دليلًا على انتهاء عهد المدنية القديمة واجتماع قوى تعمل لإحياء عالم جديد وخلق مدنية حديثة، ولم يكن من المستطاع ظهور تلك المدنية الحديثة إن لم تثق العبقرية الإنسانية بقوتها؛ لذا نرى في تاريخ الإحياء ظهور ثقة العبقريين والنابغين بأنفسهم وبمواهبهم.

اكتشافان

وقد كان من أسباب تلك الحركة الجديدة اكتشافان عظيمان: الأول اكتشاف الإنسان الإنسان، والثاني اكتشاف الإنسان العالم (الكون).

أما اكتشاف الكون فكان بظهور مبادئ كوبرنيك وجاليليو وباكتشاف أمريكا. واكتشاف الإنسان الإنسان فهو عبارة عن اهتمامه بحياته الدنيوية وعودته إلى عهد المدنية القديمة ثم اهتمامه بحياته الدينية ومحاولة الرجوع إلى مبادئ الكنيسة الأولى، ثم اهتمام الإنسان بالحياة العقلية وذلك ظهر بإكباب العلماء على درس آثار السلف، ثم اهتمام الإنسان ببدنه، فظهر المتفننون الذين اشتغلوا بنقش الصور وصنع التماثيل منقولة عن الأبدان العارية، وقد اقتضى هذا درس علم التشريح.

وقد نتجت عن الاهتمام بالجسم البشري نتيجتان: الأولى اشتغال المتفننين بتصوير تاريخ الدين المسيحي ومزج العقيدة النصرانية بالعواطف البشرية التي قاعدتها حب الجمال، والنتيجة الثانية تقدير الإنسان جسمه حق قدره واعترافه بأن للأبدان على أصحابها حقوقًا.

علوم الأقدمين

أما الإكباب على علوم الأقدمين — وهو ما يسمى بالإيطالية «إيرويزيوني» — فقد أظهر للعلماء ثروة عقول الأقدمين وجلال أفكارهم؛ ونتج عن ذلك تقدير الحياة الإنسانية قدرها منفصلة بذاتها بقطع النظر عن الحياة والتعاليم الدينية.

ثم إن إكباب علماء إيطاليا في ذلك العهد على علوم الأقدمين أخرج للعالم الحديث كنوز العلوم والآداب اليونانية واللاتينية.

وقد ميز المؤرخون في تاريخ تحصيل علوم الأقدمين ثلاث نقط مستقلة:

الأولى: نقطة الشوق والتعلق بعلوم الأقدمين، ورجال هذه النقطة بترارك وبوكاتشيو.الثانية: نقطة جمع الكتب وتأسيس المكاتب العامة التي أُسست فيها كمكتبة الفاتيكان، وغيرها أسسه كوزيمو دي مديتشي في فلورنسا، وتمتاز هذه النقطة بجنون الأدباء الإيطاليين بالبحث عن الكتب الثمينة وجمعها ونسخها.الثالثة: نقطة الفحص والتحقيق والنقد وحل قيود الفكر البشري، وقد ساعد انتشار العلوم وتبحر الناس فيها على تخليص العقيدة المسيحية مما دخل عليها من الشُّبَه، وعلى تحرير الناس من سلطة القسيسين المطلقة، والذين كانوا من مسببي الحرية الفكرية التي أدت إلى خروج الناس من تحت نفوذ الكنيسة أمثال ديكارت وباكون وسبينوزا ولوك من جهة، ولوثيروس من جهة أخرى؛ لذا كان من الخطأ القول بأن حركة الإصلاح الديني (بروتستانتيزم) كانت حركة قائمة بذاتها؛ لأن الإصلاح الذي هو انقلاب في الفكرة الدينية لم يكن من نوع ما تم في حياة الأمم من الوجهة السياسية، وفي العلوم والفنون من الوجهة العقلية، أو بعبارة أخرى: هذه كلها كانت مظاهر مختلفة لحركة واحدة.

وقد عم الإحياء سائر أمم أوروبا، ولكنه — كما ذكرت — ظهر لأول الأمر في إيطاليا، ثم سرى منها إلى ألمانيا ففرنسا فإنكلترا.

تاريخ فلورنسا

عهد الظالمين

يجدر بالقرنين الرابع عشر والخامس عشر أن يسمَّيا بعهد الظالمين في تاريخ إيطاليا؛ فقد كانت إيطاليا خلال هذين القرنين محرومة من حكومة مركزية، وكانت حريتها بالنسبة لنظام الالتزام حرية نسبية، ولم يكن بإيطاليا كذلك سوى حكومة واحدة تَعاقَب على رئاستها أفراد أسرة واحدة، وهذه هي حكومة صقلية، وكان بإيطاليا كذلك ثلاث جمهوريات كبرى، هي: جمهوريات البندقية وجنوا وفلورنسا، وكان الظالمون الذين اكتسبت الأيام نسبتها إليهم سائدين في المدن، وكانوا على أنواع شتى؛ فالنوع الأول كان من الظالمين الذين ورثوا السلطة خلفًا عن سلف عن بعض الأمراء الالتزاميين (الإقطاعيين)، والأمراء الذين بقوا من هذه البيوتات هم أمراء بيت مونفراتو ثم أمراء بيت سافويا. ومن الصعب تحديد الفرق بين أسرة وراثية مثل أسرة إستا وبين أسرة سوَّدتها رغبة الشعب.

والنوع الثاني من الظالمين يشمل الأشراف الذين أسسوا في ظلال سلطة الإمبراطور ممالك في لومبارديا غير قائمة على دعائم شرعية مثل أسرتَي سكاليجري وأسرة فيسكونتي.

والنوع الثالث هو جماعة أشراف المدن الحرة وكلت إليهم السلطة الحربية أو السلطة المدنية مثل القواد وأصحاب العهود، فسلبوا السلطة وتمكنوا بها من إذلال مدنهم التي وكلت إليهم حكوماتها، ومنهم كاراريسي ببدوا، وطورياني وفيسكونتي بميلانو.

والنوع الرابع مؤلَّف من القواد المأجورين الذين وكل إليهم قيادة جيوش المدينة في بعض المواقع، فتمكنوا بقوة الجيش من الاحتفاظ بسلطتهم وأسسوا على ذلك الأساس ملكًا، ومنهم أسرة سفورزا بميلان وحنا هوكوود بأجتو.

والنوع الخامس هو من أبناء البابوات أو أبناء إخوتهم وأخواتهم أمثال رياربو بفورلي وديلا دوڤري بأوربينو وبورجيا برومانيا.

والنوع السادس من المستبدين الإيطاليين — وهو أكثر الأنواع عدًّا وأهمها — فقد كان مكوَّنًا من بعض أعيان المدن أمثال أسرة مديتشي بفلورنسا وبنيڤولو ببولونيا وجمباكورتي بپيزا، وقد انتفعوا بنفوذهم في خلق سلطتهم ثم استبدوا بالأمر في مدنهم، وفي أغلب الأحيان كانت الثروة سبب بلوغ هؤلاء الأعيان شأو الأمراء (راجع ماكياڤيلي «كتاب المقالات» الجزء الأول ص١٧٠ نسخة إيطالية، وراجع في تاريخ الجمهوريات كتاب سيسموندي).

والغريب أن الاستبداد في إيطاليا كما كان في بلاد اليونان في العهد القديم استبدادًا ديمقراطيًّا يرضى به الشعب ويقبله، فقد كان هذا الاستبداد قائمًا على سلطة الشعب وبها، ومع هذا كان يسحق الشعب سحقًا ويذيقه صنوف الهوان وهو يستمد منه نفوذه!

أما حياة هؤلاء المستبدين أنفسهم فقد كانت مملوءة بأنواع الخوف والجزع مما يمكن أن يلحق بهم، وقد أصيب معظمهم بداء الوجل من الذات (مونومانيا)، فإن ألفونسو الثاني كان يرى أشباح فرائسه وأعدائه الذين فتك بهم، وقد قضى بعضهم مما كانوا يخافون أن يكون إذا فقدوا حظوة الشعب الذي رفعهم، كذلك مات جيرولومو رياريو بفورني عام ١٤٨٨، وهلك فرنسيسكو ڤيكو دي بزمتي بكنيسة القديس سيستو بفتربو عام ١٣٨٧.

ومما يُذكر أن هذه الأسر المستبدة كانت كلها تريد أن تَئُول إلى الفناء؛ وذلك لأسباب الفساد الناشئ عن طبائع الاستبداد (راجع مقالة ماكولي عن ماكياڤيلي).

قال چيوڤاني ڤيلاني المؤرخ الإيطالي (١٢٧٥–١٣٤٨) في الفصل الأول من الكتاب السابع من تاريخه الممتع: إن أعمالهم الدنية كانت ترمي دائمًا إلى محاربة الخير والفضيلة، وإنهم كانوا شغفين باستبدال العادات الحسنة بغيرها سيئة. وقال جوتشارديني في كتابه تاريخ إيطاليا (أربعة أجزاء): «إن ممالك المستبدين قائمة على دماء الشعب المتجمدة.» ونظَم الأريوسطو الشاعر الإيطالي الذي اشتُهر في القرن السادس عشر قصيدة (الأغنية الخامسة) مطلعها:

إذا حسنت أخلاق الملك، حسنت أخلاقه شعبه.

مؤرخو فلورنسا

اشتُهرت فلورنسا في العصور الحديثة بأنها مدينة الذكاء والعلم، وكان مركزها بالنسبة لبقية المدن والشعوب كمركز أثينا في العهد القديم، وقد اعترفت إيطاليا بأسرها بأسبقية أهل فلورنسا في فنون الأدب والفنون الجميلة وعلم القوانين والشرائع. ومن يشاهد هذه المدينة ويرَ آثارها وبدائعها، يثبت له لأول وهلة أنه لم يجتمع لأهل بلد من الذكاء وحب الفنون وثروة الفكر وكبر النفس وحب الحرية من عهد أهل أثينا إلى الآن بعضُ ما اجتمع لأهل فلورنسا وحدها.

ويرجع تاريخ نهضة فنون الأدب في فلورنسا إلى أواخر القرن الثالث عشر؛ إذ ظهر فيها كاتبان عظيمان، وهما دانتي اليجري وچيوڤاني ڤيلاني، وقد وضعا بما ألَّفاه من الرسائل ودوَّناه من الكتب والشعر أساس نهضة العلوم والآداب في إيطاليا، ولا تزال كتب ڤيلاني آثارًا خالدة، ومن يقرءها يرَ أدلة ساطعة على حبه للعلم وإكبابه على طلبه بدون انقطاع وصبره على شدائد الدرس وممارسة الاطلاع، كما أن كتبه تدل على ما كان لأهل إيطاليا في ذلك العهد من الفضل على سائر أهل أوروبا.

أما دانتي اليجرى فقد كان فيلسوفًا وأديبًا عم فكره سائر فروع المعلومات البشرية وامتاز شعره بالاقتدار على تقييد وتخليد العواطف سريعة الطيران وتدوين الإحساسات الوقتية، وفي هذه القدرة فضله وإن كان لا يضارع من سبقه من الشعراء الذين اشتُهر شعرهم بتحليل العواطف وبوضع الحكمة في قوالب الشعر.

ومن مؤلفاته الكثيرة كتابه في سياسة الملك واسمه «موناركيا» أي الملكية المطلقة، وهو أول ما دوَّنه أهل أوروبا المحدثون في سياسة الممالك، وأول كتاب أساسي في علم السياسة، والكتاب عبارة عن بحث مستفيض في فلسفة القوانين النظامية، ويدور محوره على ضرورة وجود حكومة عامة منظمة غايتها الوصول بالإنسانية إلى أسمى درجات الكمال والسعادة، وأن هذه الحكومة تسير بمقتضى قوانين الطبيعة.

ثم ألَّف دانتي أيضًا كتابًا اسمه «دي ڤولجاري إيلوكيو» بحث فيه عن قيمة اللغة المحكية بعد أن أتى على تاريخ اللغة الإيطالية وردها كفرع من الشجرة اللاتينية، وذكر أنواع لهجاتها وأثبت نفع انتشار اللغة الإيطالية الحديثة في سائر أنحاء إيطاليا، ثم دوَّن قصيدته المشهورة «ديڤيناكوميديا» وهي أشهر من نار على علم؛ فلا لزوم للكلام عليها في هذا المجال.

ومن كبار الكتاب والمؤرخين دينوكومباني الذي وضع تاريخًا يوميًّا (كرونيك) لفلورنسا ذكر فيه الوقائع والحوادث يومًا بيوم، كما فعل الجبرتي في تاريخ مصر. وقد اختلف الكتَّاب في صدق هذا الكتاب ومصادره، ولكن أجمعوا على علو كعب مؤلفه ورشاقة أسلوبه وحذقه في الرواية.

وامتاز أيضًا من المؤرخين في القرن الخامس عشر «ليوناردو بروني دارتزو» و«بوجيز بروتشيلوني»، وكان كلٌّ منهما وزيرًا للجمهورية، فعُنِيا بتدوين تاريخ أهل فلورنسا من بداية تأسيس المدينة إلى يومهما.

ولما حل عام ١٤٩٤ ظهرت روح الحرية القديمة أبلغ مظهر في خطب الخطيب المصلح المتنبئ چيورولومو ساڤونارولا الذي كان معاصرًا للورنزو الفخيم (مانيفكيو)، وكان عهد لورنزو هذا زاهيًا زاهرًا بالأدب والأدباء وأرباب الفنون البديعة والفلاسفة، حتى أنه شاد لهم بيتًا يأوون إليه ويواصلون دروسهم فيه على نفقة الأمير.

كان تاريخ فلورنسا حافلًا بالحوادث الكبرى، وأهم تلك الحوادث ما حصل بين ١٤٩٤ و١٥٣٧، فمنها تعذيب الأخ ساڤونارولا الذي قضى ضحية مبادئه بواسطة دسائس البابا إسكندر السادس وخيانة مجلس السنيوريا، ومنها طرد اثنين من أسرة مديتشي، وهما إيبوليتو وإسكندر، فقد دسَّ إسكندر السم لإيبوليتو وخلص منه، ولكن لم يطل عهده حتى قتله الإسكندر.

ومنها استيلاء فرع من أسرة مديتشي على السلطة في فلورنسا في شخص كوزيمو، وهو الأمير الذي أَرغمتْ دولة إسبانيا أهل فلورنسا على قبوله بالرغم عنهم، وغير ذلك من حوادث تاريخ فلورنسا كثير سيأتي شرح بعضه بالتفصيل في هذه المحاضرة، وبعضه يضيق عنه نطاق الكتب الصغرى ويُرجع فيه إلى أمهاتها.

والذي يلفت أنظار المطلع على تاريخ فلورنسا هو انطفاء شعلة الحرية في مدة قرنين من الزمان بحيث لم يبق منها إلا رغبة فيها، وكانت هذه الرغبة في أول الأمر ضعيفة ثم قويت، وكل ما كتبه المؤرخون عن تاريخ تلك المسألة يمتاز بصفتين: الأولى أنهم كانوا يكتبون نوعين من التاريخ؛ الأول لأنفسهم بصفة مذكرات لا يُقصد منها وقوف العامة على ما يدونونه، والنوع الثاني للجمهور. والصفة الثانية هي امتداد الزمن الذي دوَّنوا حوادثه.

ساڤونارولا

كانت نهضة إيطاليا في القرن الرابع عشر حافلة بالمتناقضات، وذلك شأن كل الحركات الكبيرة، وأكبر هذه المتناقضات ظهور رجلين في وقت واحد وفي وسط واحد وفي هيئة واحدة، وهما البابا إسكندر السادس وچيورولومو ساڤونارولا، فإن ساڤونارولا كان في طليعة نهضة الإصلاح الديني الذي أتمه بعد ذلك لوثيروس وغيره، وكان إسكندر السادس الذي وصل بالكنيسة إلى الهاوية، كان ساڤونارولا أول شعاع في فجر الإصلاح والتقدم والخلاص، وكان إسكندر السادس يمثل أفظع المظالم وشر أنواع الفساد، كان ساڤونارولا يرى بعين فكره حوادث المستقبل ويقيس المآل على الحال وينذر أهل إيطاليا بالويل والثبور وعظائم الأمور، وإسكندر السادس يعيش هادئًا ساكنًا مرحًا في بساتين الفاتيكان ممتعًا نفسه بالحور والفتيان، كان ساڤونارولا ينهى الناس عن المنكر ويحرم عليهم مظاهر الغرور ويقنع بشظف العيش، وكان إسكندر السادس يولم الولائم للمئات ويدس السم للكرادلة ليرث أموالهم!

ولد چيورولومو ساڤونارولا بمدينة فرارا عام ١٤٥٢، وكان أبوه طبيب البلاط الدوقي، وكان ينوي له أن يكون مثله طبيبًا وأن يعيش في خدمة الملك، ولكن الفتى كان منذ نعومة أظفاره يبغض عيش البذخ ويكره الأغنياء والسادة وينفر من حياة القصور؛ لأنه شعر بسليقته أنها حياة نفاق وخداع وختل ونميمة، وأن المنافع الذاتية سائدة على المصالح العامة. وكانت الأسرة المالكة في ذلك العهد بفرارا هي أسرة دسته D’Este التي اشتُهر أفرادها بالثروة والبطش والمنعة وعلو الجاه، فحصنوا مدينتهم وجعلوها مظهرًا لأنواع الثراء والسعادة، وكانت أفراحها لا تفرغ، وليالي صفائها لا فجر لها، وكانت حياة العصر كأنها حلم من الأحلام، إلا أن تلك المظاهر كانت تنفر ساڤونارولا، وكان كأنه يسمع صوتًا خفيًّا في نفسه يناديه بأن اذهب وسر في الأرض واضرب في مناكبها وخلِّ تلك الأبهة الفارغة لأصحابها، ومما زاد نفوره من قصر الملك أن الدوق كان يسجن أعداءه تحت القصر، فكان هو في طرب وفرح دائم، وخصومه — وقد يكونون أقرانه — يعانون أنواع الآلام ويتضورون جوعًا، ويعالِج بعضهم سكرات الموت ولا يفصله عنهم إلا سقف القصر! فكانت هذه المناظر البشعة مما زاد بغض ساڤونارولا لهذه الحياة الباطلة الكاذبة.

وكان ساڤونارولا محبًّا للعزلة والانفراد، يلتمس الوحدة ليخلو بذاته فيتأمل في الكون وعجائب الخلق ويقرأ الكتب المنزلة ويصوم أيامًا معدودة، وكان نومه قليلًا وبكاؤه كثيرًا وحزنه عميقًا.

وأخيرًا عزم يومًا على هجرة بلده إجابةً للصوت الخفيِّ الذي يناديه، وكان يتقن التوقيع على أداة من أدوات اليد، فأخذها في حضرة أمه وأخذ يوقع عليها أنغامًا محزنة، فبكت أمه وقالت له: إن نفسي تحدثني بأن يوم الفراق دنا، فأطرق وترك التوقيع. وفي غداة هذا اليوم اختفى وكتب إلى أبيه بعد ذلك يقول: إنه ترك الأهل والوطن في سبيل البحث عن الحقيقة، وإنه رأى مظالم الحياة فلم يَرُقْهُ إلا أن يعمل في طريق الإصلاح.

ثم عاش في بعض المدن متنقلًا بعد أن دخل في دائرة القسيسين الدومنيكان، وأخذ يخطب في الكنائس ولكن لم يعجَب به أحد لصباه وقلة تدربه، فكان يخلو بنفسه لممارسة الخطابة ولتنقية نفسه بالصوم والعبادة والتأمل. وبقي كذلك إلى أن دعاه لورنزو دي مديتشي إلى مدينة فلورنسا، فبدأ يخطب في كنيسة القديس مرقص وينذر الناس بالأهوال القادمة عليهم لما هم فيه من الانغماس في أنواع الشر والفساد، وكانت خطبه ذات أثر عظيم في الناس حتى إنهم كانوا إذا سمعوه أخذوا يجهشون بالبكاء وسالت عَبَراتهم كلما سالت الدرر من فيه، بل كان تخرج منه نار تحرق الكبرياء والغرور، فكان الرجال يرمون بنقودهم تحت أقدامه وكذلك النسوة والعذارى يخلعن حُليَّهن ويقصصن شعورهن إرضاءً للرب الذي كان ينطق هذا القسيس بلسانه.

وقد دهش الذين كانوا يسمعون خطبه عندما بدأت تتحقق المصائب والكوارث التي تنبأ بها؛ فقد مضى على خطبته الأولى التي ألقاها في كنيسة القديس مرقص ثلاث سنين عندما دخل كارل الثاني بلاد إيطاليا، كذلك كان قد مات لورنزو دي مديتشي، وقد شعر المشتغلون بشئون البلاد وكأن عهدًا جديدًا قد ابتدأ في تاريخ العالم، وكان إصلاح الكنيسة قد قرب عهده، فإن سيكستوس الرابع قد تُوُفِّيَ وخلفه أنوسنت الثامن، وخلف هذا إسكندر السادس، وباعتلاء هذا البابا على عرش الفاتيكان وصلت الكنيسة إلى قاع الهاوية.

وقد نظم ليوناردو داڤنشي المتفنن الشهير إحدى خطب ساڤونارولا في شكل أغنيةٍ هذا نصها نثرًا:

إذا سألتني عن نتيجة حروبنا

فأقول لك إنها النصر إن كان سؤالك عامًّا

وإن كنت تسألني عن نفسي

فإن عاقبتي الموت أو التمزيق إربًا

هذه هي عقيدتنا، هذه هي غايتنا، هذه هي مكافأتنا

ونحن لا نطلب أكثر من هذا

فإذا رأيتني ميتًا فلا تنزعج

فكل من تنبَّأ تعذب وذبح

ولأجل أن تعلو كلمتي، لا بد من إهراق دماء كثيرين!

والعيب الوحيد الذي ينسب إلى ساڤونارولا بصفة كونه وطنيًّا هو الاستمرار في خطأ الإيطاليين الأول في الاعتماد على الأجانب، فلو أنه علَّم الإيطاليين أن يعملوا لرقيهم وخلاص أنفسهم من الداخل بدلًا من أن يُعِدَّهم لقبول سيادة الأجنبي، لكان نصيبه من المجد والنجاح أضعاف ما هو عليه الآن.

ونحن نؤكد أن ساڤونارولا كان يعتقد في صدق تنبؤاته؛ فقد صرخ مرة في إحدى خطبه: «إن نارًا داخلية تحرق عظامي وتضطرني للكلام.»

وفي سنة ١٤٩٠ بدأت أعماله كرجل عام يقود، ذي قوة كبرى في إيطاليا.

فإن لورنزو دي مديتشي هو الذي دعاه في تلك السنة إلى فلورنسا، وكان هو أبلغ قسيس في إيطاليا. ففي شهر أغسطس سنة ١٤٩٠ ألقى خطبة شرح فيها بضع آيات من حلم القديس توما، فتأثر بها أهل فلورنسا تأثرًا كبيرًا؛ ولذا انتقل من كنيسة القديس مرقص إلى كنيسة الدومو التي هي أكبر كنائس فلورنسا.

ومن هذا التاريخ بدأت سيادته وسيطرته اللتان دامتا إلى موته. وقد بدأ كذلك لورنزو يخشى عاقبة نفوذ هذا القسيس الذي أخذ يتنبأ بقدوم فاتح أجنبي وبسقوط لورنزو الفاخر ذاته، وبالأخطار المحدقة بالبابا وبخراب مملكة نابولي، ولكن كان القضاء على ساڤونارولا كذلك من الصعوبة بمكان عظيم، فقد كان مديرًا حاذقًا، وقد أحسن إدارة أديرة الدومنيكان. وفي سنة ١٤٩١ انتُخب رئيسًا لدير القديس مرقص الذي كان لورنزو ينفق عليه لأن أباه هو مؤسسه، فلم يحفل القسيس بالتقرب إلى لورنزو ولم يزره مرة، فأراد لورنزو نفسه أن يتقرب من القسيس وكان يحضر خطبه مرارًا ويجود بالذهب الكثير على صندوق الإحسان في كنيسة القديس مرقص، ولكن ساڤونارولا لم يحفل به مطلقًا، وكان يعطي ذهبه لفقراء المدينة؛ فلم يطق لورنزو هذا الجفاء فحرَّك على ساڤونارولا قسيسًا اسمه ماريانودا جنازانو وكان عدو ساڤونارولا القديم، ولكن هذا القسيس لم يكن ليجاريَ ساڤونارولا الذي أصبح فحلًا من فحول البلاغة لا يُنال. ثم إن ساڤونارولا كان قد قوي وتشجع واعتقد أنه بمحاربة السلطة إنما يحارب في شخص لورنزو الظلم والفساد والجحود.

ولما حان حين لورنزو شعر بحاجته إلى الغفران وإلى التوبة، فبعث وراء ساڤونارولا يدعوه، فلما جاء وقف بجانب فراشه فاعترف لورنزو بذنوبه على يد ساڤونارولا، فقال له القسيس: إنه يُطلب منك ثلاثة أمور تنال بها الغفران: الأول أن تعتقد تمام الاعتقاد في رحمة الله التي تسع كل شيء، والثاني أن ترد ما أخذت بالحرام إلى أصحابه، والثالث أن تعيد الحرية إلى فلورنسا.

فقبل لورنزو الأمرين الأولين، ولكن لدى الطلب الثالث أدار وجهه نحو الحائط وصمت، فتركه ساڤونارولا بدون غفران فقضى.

وقد بحث المؤرخ فيلاري عن مكان هذه الرواية من الصحة، وبعد مناقشة طويلة وبعد أخذ ورد قال: إن هذه الرواية التي رواها برلاماكي وبيكو ورازي وغيرهم من المؤرخين صحيحة، ويظهر أن الطلب الثالث الذي طلبه ساڤونارولا من لورنزو هو الأمر الذي كان من ذلك الحين غاية يسعى هو لتحقيقها طول حياته؛ فصارت حياته من ذلك العهد حياة سياسي وخطيب ديني، وقد شعر أنه لا يوجد أمل في إنهاض إيطاليا إلا في الشعب؛ فأخذ يعمل طول حياته لنشر المبادئ الجمهورية والآراء الحرة، وقد ختم أعماله بأن ذهب فريسة لمبادئه، وأي مصلح لم يكن موجدًا ومعدمًا للملوك والنظامات الحكومية؟

وقد كلف لورنزو بطرس دي مديتشي الذي سلم حصن تسكانا للجيش الفرنسوي، فدخل كارل الثامن على رأس الجيش إلى فلورنسا، فدعا ساڤونارولا لقيادة الشعب.

وفي سنتَي ١٤٩٣-١٤٩٤ عندما كانت إيطاليا محاطة بأفظع الأخطار، لم يسكت صوت ساڤونارولا لحظة واحدة، وعندما طُردت أسرة مديتشي عام ١٤٩٥ وسار الجيش الفرنسوي في طريقه إلى نابولي طلب إلى ساڤونارولا أن ينظم الحكومة؛ فأمر الناس أن يتركوا نظام البرلمان القديم والباليا وألَّف مجلسًا كبيرًا يشبه مجلس حكومة البندقية، وفرض أن المسيح هو رأس حكومة المدينة، ثم بدأ بإصلاحات دينية واجتماعية؛ فنهى الناس عن الفخفخة والغرور، وأمرهم بالابتعاد عن المنكرات وألغى الربا، وكان كلما أمر بشيء أطاعته فلورنسا مختارة. وكان نظام الحكومة نظامًا بديعًا مقبولًا عادلًا حتى إن السياسيين المحنكين والمؤرخين الصادقين جويتشارديني وماكياڤيلي نصحا بعد ذلك بعدة سنين إلى المدينة للعودة لهذا النظام المُسمَّى بنظام كونسيليو جراندي، إلا أن ساڤونارولا قد بالغ في بعض الأمور؛ فقد ألَّف جيشًا من الأطفال لإتلاف ما يرونه أنه من مظاهر الفخفخة، ثم إنه جمع ما كان بالبلد من الآثار والتحف والكتب الخطية والصور البديعة وأمر بوضعها على شكل هرم سماه هرم الغرور ثم أمر بإحراقه! فذهبت أموال كثيرة قُدرت ثمنًا لهذه الأشياء، عدا عن ثمرات أفكار عدد عظيم من الشعراء والكتَّاب والمتفننين؛ وقد أنتج هذا التطرف في التقوى نتائج سيئة؛ لأن إيطاليا كانت في بداية نهضتها الأدبية والفنية، ومثل هذا العمل هاج سخط المتفننين وغيرهم ممن كانوا يقدرون الفنون البديعة قدرها، وكان لا بد بعدها من حدوث حركة رجعية.

وكانت أعمال ساڤونارولا لا تستلزم الدهش؛ لأنه صعد مرة واحدة من إدارة دير إلى تدبير شئون جمهورية كبرى، ولم يسلك في ترقِّيه سبيل الترقي الطبيعي، كذلك لم يكن عنده ما يكفي من الخبرة الحكومية التي تؤهل الرجل لإدارة شئون الأمم؛ لذلك تنبأ المفكرون بقرب انقضاء عهد سلطته، وكذلك بدأت الأحزاب تتألف وتجتمع، وبدأ الناس بإظهار عدم رضاهم عن أعمال ساڤونارولا، وكذلك ظهر السخط في رومة لِما كان يقاسيه البابا إسكندر السادس من مطاعن ساڤونارولا وذمه، فحاول في أول الأمر الحصول على سكوته بالحيلة واجتهد في دعوته إلى رومة فلم يقبل، فأمر البابا بإيقافه عن الخطابة فأطاع الأمر ثم خالفه واستمر في خطبه، فحاول إسكندر السادس أن يفسد الرجل الذي لم يستطع إرهابه، فقال ساڤونارولا: إنه يفضل تاج الشهداء الأحمر على قلنسوة الكرادلة، وقد بلغت بلاغته منتهاها وقوته أعظمها في عيد الصوم عام ١٤٩٦ عندما خطب شارحًا بعض آيات من النبي زكريا مع أن مركزه كان في غاية الضعف والخطر في فلورنسا وفي رومة معًا، وكان ذاكرًا معايب البابا ومن حوله من القسيسين في رومة، ويأتي على مثالب أسرة مديتشي وذنوب أهل فلورنسا أنفسهم، ولم يترك ظالمًا من الظالمين دون أن يعطيه نصيبه من الذم والطعن والتعيير؛ وبذا كثر أعداؤه حتى أصبحوا جيشًا عرمرمًا، ولم يكن في طاقة فرد أن يقف في وجه هذا الجيش، فأراد البابا أن ينتقم منه انتقامًا شديدًا فأصدر أمرًا بمقاطعة تجار مدينة فلورنسا، فصارت متاجرهم خارج القانون وأصبحت أموالهم مباحة يسلبها وينهبها من يشاء في الأسواق الأجنبية، ثم إن البابا منع البركة عن موتى المدينة، فلم يكن يمكن دفنهم حسبما تقتضيه رسوم الكنيسة، وكان قد تألف ضد ساڤونارولا عصابة من الصبيان الأشرار أطلقوا على أنفسهم اسم كومباجراي، كلهم مأجورون من أعدائه، فكانوا يسبونه ويشتمونه ويلحقون به سائر أنواع الأذى.

وفي عام ١٤٩٨ ضجر الشعب من معاداة البابا، فرأى مجلس السنيوري أن يوقفه عن الخطابة إرضاءً للبابا، فلما رأى ساڤونارولا أن هذا المنع صدر عن مجلس السنيوري الذي كان أعضاؤه من أخلص القوم له، شعر بأن الساعة الأخيرة قد دنت، ولم يكن هناك إلا خطوة واحدة إلى الأمام، وهي عقد مجلس عام للفصل بينه وبين البابا، فكتب إلى سائر ملوك أوروبا وإلى البابا نفسه وختم كتابه إليه بهذه العبارة «لم يبق لي أمل في قداستك؛ ولذا أرفع وجهي إلى الله أن يختار ضعاف هذه الأرض ليوقعوا بالأقوياء في الأجيال الفاسدة، وإن الله سيساعدني لأثبت للعالم كله قداسة العمل الذي أتألم لأجله، وسيوقع بالذين يعذبونني عذابًا عادلًا؛ لأنهم يمنعون الخير، أما أنا فلست بباحث عن مجد دنيوي، إنما أطلب الموت بشوق عظيم، ولعل قداستك لا تطيل الانتظار وتسرع إلى إصلاح نفسك وخلاصها.»

وهكذا أخذت الأحداث تسرع الخطا نحو النهاية المحتومة، وصمم ساڤونارولا على القيام بمجهود أخير لإنقاذ الموقف بالدعوة إلى عقد مؤتمر ديني عام يدافع فيه عن نفسه ويشرح جرائم البابا وآثامه، وأنه السبب الرئيسي لكل المفاسد التي أحاطت بالكنيسة في ذلك الوقت، وحاول الاتصال بملوك أوروبا وأمرائها ودعاهم إلى عقد هذا المؤتمر الديني العام على وجه السرعة، إلا أن بعض رسائله إليهم وقعت في يد البابا نفسه فأصبحت تحت يده الأدلة الثابتة على نيات ساڤونارولا الحقيقية؛ وضاع بذلك أمل ساڤونارولا المرتقب!

وتتابعت الأحداث بعد ذلك بسرعة وحاول خصوم ساڤونارولا التآمر عليه لمصلحتهم، فهاجمه رجال الفرنسيسكان في فلورنسا وطعنوا في نبوته واتهموه بأنه مثير للفتن، وطلب إليه الراهب فرانسيسكو دي بوليا الفرنسيسكاني إثبات صحة تعاليمه بالدخول معه في تجربة النار، إلا أن ساڤونارولا رفض ذلك التحدي في حين قبل الراهب دومنيكو — وهو من أنصاره — هذا التحدي إلا أن التجربة لم تتم، وفي اليوم التالي هاجم الشعب دير سان ماركو وأخذوا يقذفونه بالحجارة، وحاصروه وأشعلوا النار في أبوابه فأبدى رجال الدير شجاعة فائقة في الدفاع عن معقلهم، وسقط القتلى والجرحى من الجانبين، ولم يفلح ساڤونارولا بالرغم من محاولاته المتكررة في وقف القتال، وجاء أمر من السنيوريا بطلب حضور ساڤونارولا وبعض أنصاره إلى مقر الحكومة مع تأمينهم على حياتهم، فعزم على تسليم نفسه وقال لرهبانه: «إنني أترككم مع الأسى والألم لكي أسلم نفسي إلى أعدائي، ولا أعلم هل سيقتلونني إلا أني واثق أنهم إذا قتلوني فسأساعدكم في السماء بخير مما فعلت في الأرض!»

وغادر الدير هو والراهب دومنيكو فقابلهما الجمهور بالسباب والاعتداء، وبذل الجند مجهودًا شاقًّا في حمايتهما ليمنعوا وصول الجمهور إليهما؛ وهكذا سقط الرجل الذي كان له في فلورنسا سلطان أعلى من سلطان الملوك.

وبدأت المحاكمة باستجواب ساڤونارولا وتعذيبه بعد القبض عليه، كما حُوكم الراهبان دومنيكو وسلفسترو ماروفِّي أحد أنصاره، وصدر الحكم بإعدام الثلاثة واقتيدوا إلى ساحة الإعدام حيث تم تنفيذ الحكم فيهم مع إحراق جثثهم، وألقيت رفاتهم في مياه نهر الأرنو.

يجب أن لا نخلط بين عصر النهضة أو الإحياء في إيطاليا، وبين عصر ساڤونارولا عصر الثورة والانقلاب؛ فقد ذهب البعض إلى أن الرجل كان من رجال عصر النهضة الذين تنبَّئُوا بتقدم الحضارة وكشف عوالم جديدة كان من أهم مظاهرها ونتائجها انبثاق عصر الحضارة الحديثة في أوروبا، في حين ذهب آخرون إلى أنه كان عدوًّا لأكثر المبادئ التي تجسدت في عصر النهضة الأوروبية، كما كان عدوًّا للمذهب الإنساني الذي كان يدعو إلى تمجيد الإنسان والحياة الإنسانية بما فيها من علوم وفنون وآداب وطلب للقوة والسعادة الدنيوية، فقد حمل حملة شعواء على إحياء آداب اليونان والرومان وفلسفتهم وفنونهم، وعلى الاهتمام بالشعر والفن لما في ذلك من وثنية وصرف للناس عن عبادة الله إلى عبادة الجمال واحتقار الدنيا وسحق الجسد والإعراض عن كل القيم الدنيوية، وإعداد الروح في كل لحظة للحياة الآخرة.

ومع ذلك كله فقد كان لساڤونارولا تأثير كبير على بعض أساتذة الفن في عصره وبعد عصره أمثال ميشيل أنجلو وبوتشيللي وغيرهما، وقد تجلى أثره العميق في أعمالهم الفنية الخالدة.

إننا لا نكون مخطئين إذا قلنا إن ساڤونارولا كان رائدًا من رواد حركة الإصلاح الديني التي كانت جزءًا لا يتجزأ من عصر النهضة، وداعيًا إلى العودة إلى المسيحية في نقائها الأول أو إلى المدينة الفاضلة، حيث لا مَلك إلا الله ولا واسطة بين الله والإنسان، وهذه هي فكرة الإيمان التي أصبحت أساس المذهب البروتستانتي كما عبر عنها مارتن لوثر فيما بعد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.