إذا أخطأت الوزارة فبيَّن المعارضون خطأها، وطلبوا إليها أن تصلحه، وإذا قصرت الوزارة فأظهر المعارضون تقصيرها، وطلبوا إليها أن تنصرف عنه، وإذا شطت الوزارة فبيَّن المعارضون شططها، وطلبوا إليها أن ترتد إلى شيء من القصد والاعتدال، غضبت الوزارة واشتد غضبها، وشكت الوزارة واشتدت شكاتها، وفكرت الوزارة في البأس والبطش، وهمت بهما، واندفعت فيهما ما وجدت إليهما سبيلًا، وقال أنصار الوزارة وأعوانها في هؤلاء المعارضين: إنهم يتجنون ويتكلفون اللوم، ويأبون إلا النقد، لا يريدون به خيرًا، ولا يبتغون به منفعة، وإنما يذهبون به إلى إحراج الوزارة، وأخذ الطرق عليها، واضطرارها إلى أن تدفع عن نفسها بالشدة، فتغلو في الدفاع.

وإذا عمد رئيس الوزراء إلى دستور كان قائمًا يؤمن له الناس ويحبونه، ويرون الطاعة له فرضًا؛ لأنهم عاهدوا الله على ذلك، وأقسموا عليه بمحرجات الأيمان، إذا عمد رئيس الوزراء إلى هذا الدستور فأقام مكانه دستورًا آخر، ولم يسلك إلى ذلك الطريق الدستورية المنصوص عليها فيه، والتي كانت مشروعة مفروضة، فأنكر الناس ما فعل رئيس الوزراء، ورغب الناس في أن يعود إليهم هذا الدستور، ولم يسلكوا إلى ذلك إلا الطريق المشروعة المباحة التي لا إثم فيها ولا تثريب، قال رئيس الوزراء: إنهم ثائرون، وقال أعوانه وأنصاره معه: نعم، إنهم ثائرون.

وإذا أباح الدستور القائم للناس أن يقولوا ما وسعهم القانون، وأن ينتقلوا ما وسعهم القانون، وأن يستمتعوا بحريتهم كما يستمتع بها رئيس الوزراء وأصحابه، قال رئيس الوزراء: إنهم ثائرون، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين القول، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين الانتقال، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين الاجتماع، وصدهم رئيس الوزراء عن أسفارهم وعن أنديتهم بأيدي الشرطة وعصيها وسياطها، وأبى رئيس الوزراء عليهم أن يلقى بعضهم بعضًا، أو يزور بعضهم بعضًا، أو يتحدث بعضهم إلى بعض، وأرصد رئيس الوزراء لهم الشرطة تطيف ببيوتهم وأنديتهم، وتقوم على أبوابهم، وتتبعهم إذا بكروا، وتتعقبهم إذا راحوا، وتقتحم عليهم مساجد الله إذا أدوا فيها الصلاة، وسكت الأجانب على هذا كله، واطمأن الأجانب إلى هذا كله، ورضي الإنجليز عن هذا كله وقالوا: مصر بلد مستقل، فلا ينبغي أن ندخل بين حكومته وأهله، وأثنوا على رئيس الوزراء وعلى أعوانه وأنصاره؛ لأنهم يثبتون النظام بهذه السيرة، ويقرون الأمن بهذه الخطة.

وإذا طغى الأجانب على المصريين فتحكموا في منافعهم ومرافقهم، وازدروا حريتهم وكرامتهم، وعرضوا فريقًا منهم للجوع والحرمان، وأظهر المصريون شيئًا من استنكار ذلك أو السخط عليه، غضب الأجانب وأسرفوا في الغضب، وشكا الأجانب وألحوا في الشكوى، وقال الأجانب: إن في مصر بغضًا لهم، وائتمارًا بهم، وتحريضًا عليهم، واستعان الأجانب على المصريين بالإنجليز، وشكا الأجانب من المصريين إلى الوزارة المصرية، وإذا اعتدى المبشرون من الأجانب على صبيان المصريين من أبنائهم وبناتهم، ففتنوهم في دينهم لا يفرقون في ذلك بين المسلم والمسيحي واليهودي، وسلكوا إلى ذلك طرق الإكراه والتعذيب حينًا، وطرق الإغواء والإغراء حينًا آخر، وطرق العبث والخداع وإفساد الإرادة بالتنويم المغناطيسي مرة ثالثة.

إذا فعل المبشرون هذا كله، وقامت عليه الحجة الواضحة، ونطقت به الحقائق الواقعة، واعترف به المبشرون أنفسهم، واعترفت به الوزارة نفسها، واعترف به البرلمان نفسه، ثم أنكره المصريون واحتجوا عليه، وطلبوا أن يُصرَف عنهم هذا الشر، ويرفع عنهم هذا الضر، غضب الأجانب وسخط الإنجليز، وقالت التيمس: إن المعارضين يتخذون قصة التبشير وسيلة إلى إحراج الحكومة والكيد لها، ولم يتحرج أنصار الوزارة نفسها من أن يقولوا كما تقول التيمس، ويتهموا المعارضين بمثل ما تتهمهم به التيمس، ويزعموا أن المعارضين لا يقولون ولا يعملون إلا ليحرجوا الوزارة، ويكيدوا لها، ويسلطوا عليها أنواع الإحراج والتعجيز.

ومعنى هذا كله أن المصريين يجب أن ينكروا أنفسهم، وينزلوا عن حقهم في الحياة الحرة، ويرضوا بما قسم الله لهم من الذلة والخضوع، لا ينبغي لهم أن يلوموا الوزارة إن أخطأت أو قصرت أو شطت؛ لأن ذلك إحراج للوزارة وتجنٍّ عليها، ولا ينبغي لهم أن يشكوا أو يتبرموا إن طغى الأجانب على مرافقهم، واستأثروا من دونهم بالخير في بلادهم؛ لأن ذلك بغضٌ للأجانب وكيد لهم، ولا ينبغي أن يسخطوا، ولا أن يسْتعدوا الوزارة على المبشرين إذا اعتدى هؤلاء المبشرون على الأطفال في الدين والأخلاق والأعراض؛ لأن ذلك إغراء بالفتنة، وتحريض عليها، ولأن ذلك إحراجٌ للوزارة، وخروجٌ على النظام.

يجب إذن ألا يكون المصريون ناسًا من الناس؛ فلا يحسوا شيئًا، ولا ينكروا شيئًا، ولا يشكوا من شيء؛ لأنهم إن أحسوا شكوا وأنكروا، وهم إن شكوا أو أنكروا ثائرون أو كائدون أو محبون للفتنة وراغبون فيها. ولا تقل: إن هذه الحال التي تريد الوزارة وأنصارها، والتي يريد الأجانب والإنجليز أن يردوا إليها المصريين غير ملائمة لطبيعة الأشياء، ولا ملائمة للحق والعدل والإنصاف، ولا ملائمة للكرامة الإنسانية اليسيرة؛ فإن الأمر في هذه الأيام ليس إلى طبيعة الأشياء، ولا إلى الحق والعدل والإنصاف، ولا إلى الكرامة الإنسانية، وإنما هو إلى المنافع، وإلى منافع الأقوياء خاصة.

فيجب أن تجري سفينة الوزارة على بحر هادئ مطمئن مستقر لا تعصف به الريح، ولا يضطرب فيه الموج، وإنما يداعب صفحته النسيم، ويجب أن تضطرد أمور الأجانب على خير ما يحبون، لا يجدون من المصريين مقاومة ولا شيئًا يشبه المقاومة، ويجب أن تجري أمور المبشرين على أحسن ما تجري عليه في أي بلد من بلاد الأرض، فلا يغضب الآباء والأمهات إذا خضع أبناؤهم وبناتهم لأنواع العدوان.

يجب أن يكون المصريون كقطعة العجين يشكلها الأقوياء كما يحبون، فلا يجدون منها مقاومة ولا امتناعًا، وإنما يجدون منها مرونة وطاعة ولينًا. ولا تقل: إن الأجانب أنفسهم في بلادهم يعارضون الوزارات، وينصبون لها الحرب، ولا تقل: إن الأجانب في بلادهم يأبون على الغرباء أن يستأثروا بالخير من دونهم، ولا تقل: إن الأجانب في بلادهم لا يرضون بحال من الأحوال أن يُعتدَى على الدين والأخلاق والأعراض، وأن يكون المعتدون من الغرباء. لا تقل شيئًا من هذا؛ فهذا كله حق لا شك فيه، ولكنه حق في أوروبا وأمريكا، فلا ينبغي أن يكون حقًّا في مصر؛ لأن في أرض مصر وسمائها، وفي هواء مصر ومائها عناصر خاصة، لا تكاد تتسلط على الحق حتى تحوله باطلًا، ولا على العدل حتى ترده جورًا، ولا على الإنصاف حتى تجعله إجحافًا، في إقليم مصر عناصر خاصة تفرض على المصريين أن يحتملوا ما لا يحتمل أحد غيرهم، وأن يتعرضوا لما لا يتعرض له أحد غيرهم، وأن يؤخذوا بما لا يؤخذ به الناس.

هؤلاء الأجانب من المبشرين وغير المبشرين يخشون الفتنة، ويشفقون منها، ولكنهم يثيرونها، ويُلحُّون في إثارتها، فمن المحقق أن المصريين لم يدعوهم إلى مصر، وإنما هم الذين جاءوا مصر طائعين، ومن المحقق أن المصريين لم يطلبوا إليهم التبشير في مصر، وإنما هم الذين بشَّروا في مصر طائعين، ومن المحقق أن المصريين لم يأمروهم بأن يسلكوا إلى التبشير طرق الإثم والعدوان، وإنما هم الذين سلكوا هذه الطرق طائعين، ومن المحقق أن المصريين قد شكوا إلى حكومتهم واستعانوا بهذه الحكومة، وما زالوا يشكون إليها ويستعينون بها على اتقاء الفتنة قبل وقوعها، والاحتياط للشر قبل أن يصيب الآثم والبريء، ومن المحقق أن المصريين على كثرة ما يجدون من الشر، ويحتملون من الضر، يتواصون بالصبر، ويتواصون باللين، ويتواصون بالمحافظة على الأمن والنظام، ولكن هؤلاء المبشرين لا يقفون عند شيء من ذلك، ولا يحفلون بشيء من ذلك، وإنما يريدون أن يباح لهم كل شيء، ويؤذن لهم في كل شيء، وألا يقاوموا في شيء، فإن رضي المصريون بهذا فذاك، وإلا فهم أصحاب الفتنة والدعاة إليها، وهم أعداء الأمن والخارجون على النظام.

هذا كثير، وأكثر منه أن تقبله الوزارة وتصبر عليه؛ فالوزارة مصرية على كل حال، ومهما يكن مذهبها في الحكم، ومهما يكن رأيها في سياسة الشعب؛ فإن من الحق عليها لنفسها أن لا ترضى أن يقال عن المصريين: إنهم أصحاب فتنة مع أنهم أبعد الناس عن الفتنة، وأحرص الناس على ألا تكون. ليس من الحق — والوزارة نفسها تعلم أن ليس من الحق — أن المعارضين يتخذون قصة المبشرين وسيلة إلى إحراجها، وإنما الحق الذي لا شك فيه أن المعارضين قد أرادوا — وما زالوا يريدون، وسيريدون دائمًا — أن تنهض الحكومة بما خلقت له، وهي إنما خلقت قبل كل شيء لحماية المواطنين من العدوان الخارجي، ومن فساد النظام واضطراب الأمن في داخل البلاد. وليس حمايةً للمواطنين من العدوان الخارجي أن يُترك المبشرون يفدون عليهم من كل مكان، فيعبثون بصبيانهم، ويسيئون إليهم في الدين والكرامة والأخلاق، وليس من إقرار الأمن وتثبيت النظام أن يُخلَّى بين هؤلاء المبشرين وبين القُصَّر والضعفاء يعبثون بهم كما فعلوا إلى الآن.

فالمصريون لا يثورون بأحد، ولا يريدون شرًّا لأحد، ولا يضمرون مكرًا بأحد، ولكنهم يريدون أن يعيشوا في بلادهم آمنين مطمئنين على ما يحب الناس أن يأمنوا عليه من الدين والكرامة والأخلاق والمنافع، وهم يطلبون إلى وزارتهم أن تنهض بهذا الواجب على وجهه أو تستقيل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.