منذ بضع سنوات أخَذَ فريقٌ من العلماء روبوتًا باهظ الثمن وأوصلوه بعوامة تطفو قبالة ساحل هاواي وتركوه هناك. من الخارج، بدا كسلَّة قمامة مزخرفة، لكن من الداخل، ثمة الكثير من الأشياء تجري. فمع صعود الروبوت وهبوطه بفعل التيارات المائية كان يمتص القليل من المياه ويمرره عَبْر مُرشحٍ دائريٍّ صغيرٍ. كان الروبوت يضيف مادة حافظة إلى المرشح ثم يضعه جانبًا، ويستبدل به واحدًا جديدًا. كان يقوم بهذا الإجراء كل ساعتين.

صورة مجهرية للبكتيريا البحرية، ملونة من أجل التباين.
صورة مجهرية للبكتيريا البحرية، ملونة من أجل التباين.

عقب ثلاثة أيام عاد العلماء لتفقُّد الروبوت. وكانت هذه وسيلتهم للتعرُّف على ما يجري في المحيط.

إن المحيط الواسع ينبض بالحياة، وحتى عندما لا تستطيع رؤية الأسماك أو السرطانات أو الحيتان، فإن ثمة أعدادًا وفيرة من الميكروبات يتعذَّر علينا رؤيتها فرادى؛ لأنها بالغة الصغر، لكنَّها مجتمعةً تشكِّل ما يقرب من ٩٠ في المائة من الكائنات الحية كلها الموجودة في المحيط من حيث الوزن. أكثرها شيوعًا هو نوع من البكتيريا يُسمَّى «بروكلوروكوكس»، الذي لم يُكتشَف إلا منذ ثلاثة عقود فقط، لكنه يوجد بوفرة؛ لدرجة أن مليلترًا واحدًا من مياه البحر قد يحتوي على المئات بل الآلاف منها. وشأنها شأن النباتات، تمتص بكتيريا بروكلوروكوكس طاقةَ الشمس لصنع العناصر الغذائية، وتُخْرِج الأكسجين في غضون ذلك. لا بد أن الأكسجين في واحدة على الأقل من بين كل خمسة أنفاس تستنشقها مصدره بكتيريا بروكلوروكوكس. فهذه الميكروبات بمنزلة رئتي الكوكب.

استخدم فريق معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، تحت قيادة كلٍّ من إليزابيث أوتيسن وإد ديلونج، روبوتًا من أجل أخذ عينات من هذه الميكروبات على فترات منتظمة، واكتشفوا أن لها إيقاعًا يوميًّا في النشاط الجيني. فمع شروق الشمس وغروبها، ومع نشاط المد والجزر تُنشِّط هذه الميكروبات جيناتها وتوقفها في دورات ثابتة على مدار ٢٤ ساعة. إن بكتيريا بروكلوروكوكس على وجه الخصوص منتظمة للغاية، حتى إنك تستطيع ضبط ساعتك وفقًا لعمل جيناتها.

تعتمد هذه الميكروبات على الشمس (يُطلَق عليها كائنات ضوئية التغذية)؛ لذا من المتوقع كثيرًا أن يكون لها إيقاعٌ يوميٌّ ثابتٌ. تقول أوتيسن عن هذا: «إنها تستيقظ في الصباح من أجل إنجاز بعض عمليات التمثيل الضوئي، قبل أن تُوقِف نشاطها في المساء وتتحوَّل إلى جينات مرتبطة بالنمو.»

ما استدعى دهشة فريق الباحثين هو ملاحظتهم لإيقاعٍ مماثلٍ لدى بكتيريا بحرية أخرى تحتل رتبًا أعلى في السلسلة الغذائية. تحافظ هذه الكائنات «غير ذاتية التغذية» على نفسها من خلال التغذِّي على المواد العضوية أو البكتيريا ضوئية التغذية. إلا أن تلك الكائنات أيضًا لديها دورات يومية في الجينات التي تستقبل الطعام وتحلِّله وتصنع الحمض النووي وغيره.

يصل كل نوع من هذه الكائنات إلى ذروات نشاط خاصة به، لكن كثيرًا منها يؤدي دوراته في تزامن، والبعض منها ارتبط ارتباطًا وثيقًا بكل ما تقوم به بكتيريا بروكلوروكوكس، أيًّا كان ذلك. تقول أوتيسن: «إن الشبكات الغذائية تتواصل معًا وفقًا لساعات اليوم. وهذا أمر مذهل؛ فليس من المتوقع أن تتجاوب أعداد الأبقار مع ما يطرأ على العشب من تغيرات على مدار ساعات اليوم.»

انظر إلى هذه الميكروبات كأنها مدينة مكتظة بالناس، بها من يعمل في النهار ومن يعمل في الليل، طيور القبرة والبوم. يستيقظ كل واحد من هؤلاء ويذهب إلى عمله وينام في أوقات مختلفة على مدار اليوم، ومع هذا جميعهم مرتبطون بعضهم ببعض. يستيقظ بعض الناس قبل البعض الآخر حتى يستطيعوا قيادة القطارات التي تنقل العمال المتوجهين إلى عملهم. وبعض الناس يُعِدُّ الطعام في وقتٍ مبكرٍ من الصباح حتى يستطيع آخرون نَقْلَ هذا الطعام إلى المحالِّ بحيث يشتري الناس وجباتهم الغذائية. في حين يُقَدِّم البعض برامجهم الإذاعية في المساء حتى يجد آخرون ما يستمعون إليه أثناء عودتهم إلى منازلهم. تتقد المدينة بموجات من النشاط المنظم في جميع أرجائها، وكذا الحال في المحيطات.

لاحَظَ العلماء إشاراتٍ على وجود هذه الدورات في المختبر، لكن أوتيسن أرادت أن ترى كيفية حدوثها في المحيط فعليًّا. تقول: «من الأهمية بمكان أن نفهم سلوكيات هذه الكائنات في بيئتها الطبيعية وليس فقط في حدائق الحيوان.» لطالما اتسمت تلك المهمة بالصعوبة؛ فحتى إنْ توقَّفَتْ سفينة في بقعة معيَّنة، فإن الماء يتحرك حولها باستمرار؛ مما يجعل من الصعب دراسة بقعة معيَّنة من المحيط على مدار فترة من الوقت. إلا أن الروبوت الذي وضعه هذا الفريق يستطيع السير مع التيار وجمع عينات طوال اليوم.

اكتشف الفريق بعض الاختلافات بين البكتيريا الموجودة في بيئتها الطبيعية وتلك الموجودة في البيئات الاصطناعية. على سبيل المثال، في المختبر تعمل الغالبية العظمى من جينات بكتيريا بروكلوروكوكس وقت الفجر أو الغسق، أما في البيئة الطبيعية فثمة ذروة نشاط أخرى لها وقت الظهيرة. تقول سالي تشيزوم من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «تكشف الدراسةُ مدى فاعلية الأجهزة المتطورة لأخذ العينات في دراسة سمات المحيط التي كان يتعذَّر التوصل إليها مِنْ قَبْل. من المشجِّع رؤية أن الأنماط المشاهدة في هذه الدراسة تتطابق إلى حدٍّ بعيدٍ مع تلك الأنماط المشاهدة في المزارع البكتيرية المعملية.»

يقول إريك زينسر، الأستاذ بجامعة تينيسي بمدينة نوكسفيل: «ثمة توضيح تجدر الإشارة إليه؛ وهو أن قدرة البكتيريا غير ذاتية التغذية على الاستجابة — بطريقة مباشرة أو غير مباشرة — للدورة اليومية في الضوء، أكثر شيوعًا مما كنا نعتقد.» ويضيف قائلًا إن التحدي الآن يتمثل في معرفة كيف تنشأ هذه الدورات، وأهميتها للمحيطات.

أو أهميتها للعالم بالطبع. تحوِّل الكائناتُ ضوئيةُ التغذيةِ ثاني أكسيد الكربون إلى مواد عضوية، وتعكس الكائناتُ غير ذاتية التغذية هذه العملية بفعالية عندما تأكل وتتنفس. تقول أوتيسن: «إن التوازن بين العمليتين يحدِّد ما إذا كان المحيط يمثِّل مصدرًا لثاني أكسيد الكربون أم مصرفًا له.» وهذا الأمر ينطوي على تبعات هامة لا تتعلَّق بالمحيطات فحسب، بل بالكوكب بأكمله.

These Microbes Drive the Planet’s Breath and Ocean’s Pulse by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. July 9, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.