عُنيتْ به جهاتٌ مُختلفة في مصر أمس واليوم، عُنيتْ به دار المندوب السامي، عُني به جيش الاحتلال، وعُنيت به الحكومة المصرية أيضًا، وعُنيتْ به الأُمة المصرية، ولكن عناية الأُمة من نوع خاص لا يُشْبِه تلك العنايات بوجه من الوجوه.

وليس من شَكٍّ في أَنَّ من حق دار المندوب السامي أن تُعنى بمقدم صاحبها فيخف رجالها لاستقباله، ويعنى كِبَارُها وصِغَارُها بالاحتفاء به في الثَّغْر الذي يَصِلُ إليه، وفي القاهرة التي يستقر فيها.

وليس من شَكٍّ أَيضًا في أنَّ مِنْ حَقِّ جيش الاحتلال أن يُعنى بممثل الإنجليز في مصر فيستقبله مُحتفيًا به، مُحيطًا له بما شاء من مظاهِر الفخامة والإكبار، ولكن ليس من شك أيضًا في أنَّ مِنْ حَقِّ المصريين أنْ ينظروا إلى ذلك مُتَأَلِّمين أشد الألم، مَحْزُونين أشد الحزن؛ لأنَّ ذلك يُؤذي عزتهم القومية، ويَجْرَحُ كرامتهم الوطنية، ويَضْطرهم إلى أنْ يَرَوا ما لا تراه الشعوب المُسْتَقلة في الأوطان المستقلة، ويضطرهم أيضًا إلى أن يفكروا محزونين في اليوم الذي يُقبل فيه ممثل الإنجليز إلى بلادهم، ويَرْحَل فيه ممثل الإنجليز عن بلادهم فلا تضطرب الأرض لإقباله وارتحاله، ولا يستقبله الجيشُ الأجنبي على أرض الوطن، ولا يودعه الجيش الأجنبي وهو يرحل عن أرض الوطن.

من حق المصريين أن يحزنوا لذلك ويبتئسوا به، فالسفراء يقبلون على البلاد المُستقلة ويرحلون عنها لا تستقبلهم الجيوش الأجنبية ولا تُوَدِّعهم؛ لأنَّ البلاد المُستقلة لا تستقر فيها الجيوش الأجنبية، ولا يَتَمايزُ فيها السُّفراء إلا بهذه الدرجات الطبيعية التي تتمايز بها الدول فيما بينها: هذه دولة كبيرة ضخمة فلها سفير، أو هذه دولة صغيرة مُتَواضعة فلها وزير، وهذا وذاك يذهبان ويجيئان لا تضطرب لهما الأرض، ولا تهتم لهما الحكومات إلا بهذا المقدار المألوف التي تفرضه المُجَامَلات الدولية.

والمُمَثِّلون للدول الأجنبية في مصر يُقبلون ويَرتحلون فلا تضطرب لهم أرض مصر، ولا تخرج لهم حكومة مصر عن أطوارها المألوفة. أما المندوب السامي فلا يكاد يعلن اليوم الذي سيبلغ فيه أرض مصر حتى تشتد العِنايةُ بهذا اليوم، وتتهيأ له جهاتٌ مختلفة بألوان من الحفاوة مختلفة لا يفكر فيها ولا يطمح إليها وزير فرنسا أو إيطاليا أو غيرهما من الدُّول العُظمى.

من حق المصريين أن يكتئبوا لذلك، ويبتئسوا به، وأنْ يُفَكِّروا في هذا اليوم الذي يصبح فيه مقدم الممثل الإنجليزي كمقدم غيره من المُمَثلين، فليس من الهين على النفوس إذا استشعرت العزة، وأحست الكَرَامة، وقدَّرت الاستقلال، وسمت إلى الحرية، أن ترى جيشًا أجنبيًّا مرابطًا في أرض الوطن يذهب فيها ويجيء، ويتخذ زينة العيد كلما أقبل عميد أو مضى عميد!

ولم تقف العناية بمقدم المندوب السامي عند دار المندوب السامي وجيش الاحتلال، فالحكومة المصرية لم تكن أقل منهما عناية بمقدم المندوب الجديد، كما لم تكن أقل منهما عناية بارتحال المندوب القديم: استقبال وتوديع في العاصمة، وفي الثغر، وعلى ظهر السفينة، وقُطُر خاصة تُهيَّأ، وموظف خاص من رجال الأمن يرافق المندوب السامي في الذهاب والمجيء، وتأهُّب خاص للشرطة هنا وهناك.

كل هذا يحدث كُلَّما ذهَب مندوب أو جاء مندوب، وكل هذا تقضي به التقاليد فيما يظهر أو فيما يُقال، تأتيه الدولة المستقِلَّة التي تُسَمَّى مصر، وتحرص عليه الدولة المُحتلة التي تُسمى إنجلترا، وينظر إليه الشعب المصري مَحْزُونًا كئيبًا كاسف البال، ويسأل هذا الشعب نفسه: ما بال الحكومة لا تُعنى هذه العناية أو بعض هذه العناية بغير المندوب السامي من الذين يذهبون ويجيئون بين الممثلين السياسيين؟ ويجيب الشعب نفسه، ويجيبه غيره أيضًا، بأنَّ المُمثلين السياسيين لا يعتمدون على جيش احتلالٍ، ولا يَعْتَزُّون بجيشِ احتلال، ولا يُسيطرون من الأمور المصرية على مثل ما يسيطر عليه المندوب السامي، فلا يُزيل هذا الجواب من نفسه الحُزن، ولا يَمْحُو هذا الجواب عن وجهه الكآبة، ولا يقع هذا الجواب من نفسه مَوقِعَ الرضا والاطمئنان. وقد زعموا له أنَّه مستقل، وقد زعموا أنه سيد في أرضه، وليس من الاستقلال، ولا من السيادة، ولا من اللائق بعزته وكرامته أن يرى هذه المظاهر من حين إلى حين كلما ذهب مندوب وجاء مندوب.

هذا الشعور الأليم الذي يملأُ نفس الشعب المصري عامَّة، ونفس المُثَقَّفين منه خاصة، كُلَّما رَأَى هذه المظاهر، هو الذي يجعل عناية الأمة المصرية بمقدم المندوب السامي عناية خاصة لا تُشبه عناية دار المندوب، ولا عناية جيش الاحتلال، ولا عناية بعض الحكومات؛ فالأُمة المصرية لا تستقبل مندوبًا ساميًا إلا تمنت صادقة من أعماق نفسها أن يكون هذا المندوب آخر المُمَثلين الإنجليز الذين يصلون إلى مصر على هذا النحو، وبهذا الاسم، وعلى هذه الصورة، وبين هذه المظاهر.

وهي تتمنى صادقة من أعماق نَفسها أَنْ يُوفَّق هذا المندوب إلى إصلاح ما بين مصر وبين إنجلترا من الأمر؛ بحَيثُ يَستطِيعُ أن يذهب ويجيء كما يذهب غيره ويجيء من الممثلين السياسيين لا يستقبله الجيشُ الأجنبي، ولا تخرج الحكومة الوطنية لاستقباله عن طورها المألوف. وهي تتمنى صادقة من أعماق نفسها أن يوفق الله مصر إلى أن تصلح ما بينها وبين الإنجليز من الأمر حتى لا تضطر مرة أخرى إلى أن ترى هذه المظاهر التي تكرهها، وتحتمل هذه الذلة التي تَضِيقُ بها، والتي لا تحتملها إلا لأن في الأرض أقوياء يَظْلِمُون الضُّعفاء؛ ولأنَّ كلمة العدل والحق لم تبسط بعد سلطانها كاملًا شاملًا بين الناس.

نعم لا تستقبل مصر مندوبًا ساميًا إنجليزيًّا مُنذ الثورة إلا تَمَنَّتْ أن يكون آخر المندوبين السامين، ولكن المندوب السامي يذهب والمندوب السامي يجيء ومصر تتمنى فلا تتحقق لها أُمنية، ومصر تأمل فلا يصدق لها أمل، لماذا؟ لأن الإنجليز فيما بينهم وبين أنفسهم لا يريدون أن يصلح ما بينهم وبين مصر من الأمر، لا يُريدون أن تتغير الحال القائمة بين مصر وبينهم مهما تكن سيئة يملؤها الشك، ويفعمها الريب! هم ينتفعون بهذه الحال السيئة، فيَكرَهون أنْ تنقطع منافعهم.

هم الأقوياء فلا يخافون سوء الحال، ولا يخافون الشك والريب؛ لأنهم قادرون دائمًا على أن يُكرِهوا مصر على ما يريدون، وهم قادرون على إكراه مصر؛ لأنَّ من المصريين قومًا لا يأبون أن يقع عليهم الإكراه، بل لا يأبون أن يُقدموا بالطاعة ما لا ينبغي أن يُقدَّم إلا بالإكراه.

فلو أَنَّ الإنجليز لم يظفروا بين المصريين بأولئك القانعين الذين يُغْنِيهم أنْ يَظْفَرُوا لأنفسهم بالجاه والسُّلطان، ولا يفكرون فيما وراء ذلك من عزة الشعب وحريته واستقلاله؛ لو أن الإنجليز لم يظفروا بأولئك القانعين وإنما صادفوا دائمًا قومًا أُبَاةً للضَّيم، حُمَاة للحق، حِرَاصًا على إرادة الشعب، يُؤثرون منافع الشعب على منافعهم العاجلة؛ لكان لهم معنا شأنٌ غير هذا الشأن، ولانقضت تلك الأيام التي تضطرب فيها الأرض للمندوب السامي حين يقبل أو حين يرتحل.

ولكن الإنجليز حراص على استذلال مصر، وبين المصريين قوم لا ينهضون أو لا يقدرون على دفع هذا الاستذلال، وكذلك يرى المصريون من حين إلى حين ما لا ينبغي أن يروا، ويحتمل المصريون في كل يوم ما لا ينبغي أن يحتملوا، لا لشيء إلا لأنَّ الإنجليز يَطْمَعون، وفريقٌ منَ المصريين يَقْنَعُون، ومن يَدْرِي؟ لَعَلَّ هذه المظاهر التي يضيق بها المصريون ويتمنون بأنْ تزول أنْ تفسد على بعض المندوبين السامين أمورهم، وأن تملأ قلوبهم طمعًا وجشعًا، وأن تُغَيِّر من نياتهم، وتحول من إرادتهم.

لعل بعضهم يُقْبِلُ على هذا البلد حَسَنَ النية، صادق الرَّأْي، مُستعِدًّا أحسن الاستعداد للنصح للمصريين وللإنجليز معًا؛ حتى إذا رأى هذه المظاهر الفخمة الضخمة التي لا تكون إلا في استقبال الملوك فترت همته، ولانت عزيمته، وأخذته العزة، وأغري بالاستزادة من هذا الجاه، حتى إذا لم يصادف من المصريين الذين يلقاهم ويعمل معهم إباءً ولا امتناعًا سأل نفسه: ولِمَ أكون مصريًّا أكثر من المصريين؟ ثم مضى على سيرة أسلافه، فحقق منافع الإنجليز، وأرجأ حقوق المصريين.

إنَّا لنَتمَنَّى مخلصين صادقين أن يكون المندوب السامي الجديد أكبر في نفسه ونفس أمته من هذا الغرور، ومن هذا الانخداع بالمظاهر الكاذبة التي لا تنفع الإنجليز، ولكنها تُؤذي المصريين. نعم، ونتمنى أن يكون أصدق نية، وأنفذ بصيرة، وأخلص ضميرًا من الذين سبقوه، وأن يكون أعظم منهم حظًّا من التوفيق إلى ما يصلح الأمر بين هذين البلدين، ويَمْحُو ما يقوم بينهما الآنَ من الريب والشكوك.

نعم، ونتمنى أن يوفق الله مصر إلى أن تلقى هذا المندوب السامي الجديد برجال من المصريين ينكرون أنفسهم، ويؤثرون أمتهم، يجحدون منافعهم الخاصة، ولا يعرفون إلا المنافع العامة، تكبر نفوسهم عن أن تقنع بأعراض الحياة، وتسمو أخلاقهم عن أنْ يَرْضَوا بالمُرتَّب والجاه، يصورون أمتهم حقًّا، وينطقون بلسانهم حقًّا، ويعملون بقوتها حقًّا.

أولئك إن لقوا المندوب السامي الجديد وعملوا معه خليقون أن يحققوا لمصر آمالها، وأن يجعلوه آخر الممثلين الذين يُقبلون فتضطرب لهم الأرض، ويستقبلهم الجيش الأجنبي، وتخرج لهم الحكومة عن طورها، ويستقبلهم الشعب المصري كله بالحزن العميق، والكآبة البالغة، وما وراء الحزن والكآبة مما لا تعتمد عليه الصلات الحسنة بين الشعوب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.