شاء زميلنا الأستاذ «صالح جودت» أن يعتبر نفسه مسئولًا عن جماعة «أبولو» ظاهرها وخافيها؛ لأنه كان يكتب في إحدى مجلتَيْها، فيجب علينا إذن أن نصدِّق كل ما قالته تلك الجماعة، وأن ندعو الناس إلى تصديقه وحسبانه من «تاريخ الأدب» الذي يقرؤه الناس كأنه حركة فكرية أو حركة تاريخية، وألا يعرفوا عنه حقيقة غير تلك الدعاوى التي يعلنها أصحابها ويتقبَّلها الناس من بعدهم، فلا يرتابون في صدقها ولا في اتهامنا نحن بما ادعته علينا باسم النقد والأدب، وكله لجاجة لا شأن لها بالنقد والأدب، إذا اطَّلَع الناس على دخائلها الخفية.

وللأستاذ صالح جودت أن يعلن أنه كان على علم بأعمال الجماعة الظاهرة، ولم يكن على علم بنيَّاتها أو نيَّات القائمين على إدارتها، وقد يحدث هذا في أمر كُتَّاب الصحف جميعًا، فلا يلزم من كتابتهم فيها أنهم مُطَّلِعون على أسرارها وأسرار تأسيسها وتوجيهها، فليس كلُّ مَن كتب في «المقطم» — مثلًا — مسئولًا عن نشأة المقطم لترويج سياسة الاحتلال، وليس كلُّ مَن كتب في صحيفة «الاتحاد» مسئولًا عن علاقة الصحيفة بسياسة الخاصة الملكية في عهد أحمد فؤاد.

إن الأستاذ صالح جودت يستطيع أن يعلن ما يشاء من هذا القبيل، ولكنه لا يستطيع أن ينقض الوقائع الثابتة بمجرد النفي والإنكار، ولا يستطيع أن يفرض علينا السكوتَ في أَمْرِ سُمْعَتِنَا وأمر التاريخ الأدبي إكرامًا لمقالات كان يشترك في كتابتها لهذه الصحيفة أو تلك يومًا من الأيام.

ومن تلك الوقائع التي لا شك فيها أن القائمين على جماعة «أبولو» أعلنوا أنهم يحاربون أدب الشيوخ باسم أدب الشباب، وكنَّا يومئذٍ في نحو الأربعين، ولكن المجلَّتَيْن التابعتين للجماعة لم تحمِلَا على أحد غيرنا ممَّنْ هم أندادنا سنًّا وأدبًا، أو من الذين سبقونا بالزمن والكتابة.

ومن الوقائع المحققة أن المطبعة التي كانت تصدر منشورات الجماعة أُغلِقت بعد خروج زكي الإبراشي من ديوان الخاصة الملكية، وأن رئيس الجماعة — الذي بالَغَ لنا الأستاذ صالح جودت في وصف فقره — قد أنفق على إعداد تلك المطبعة وَنَشْرِ مطبوعاتها التي كانت تكلِّفه مئات الجنيهات، وليس لها عوض ظاهر يقوم بأعباء تلك التكاليف.

ومن الوقائع الثابتة أننا لم نكتب حرفًا عن أحد من المنتسبين إلى تلك الجماعة، إلا ما جاء بعد إنشائها عرضًا واتفاقًا في سياق الرد عليها وعلى غيرها.

هذه الوقائع الثابتة ليست مما يُنقض بكلمةٍ تُقَال.

ولهذا اكتفينا بها ولم نتعرَّض لما يجوز الخلاف عليه من تعيينات بعض المُعَيَّنِين في ديوان الأوقاف على عهد السيطرة الفؤادية عليه، ولم نتعرَّض لما يجوز الخلاف عليه من إنفاق الخاصة الملكية على تعليم أبناء بعض الشعراء، ومن إغراء أولئك الشعراء بلقب الشاعر المتوج، أو شاعر الملك، أو ما شابَهَ ذلك من الألقاب.

فنحن لا نتعرَّض لأمثال هذه الأخبار المحققة لجواز الخلاف عليها، ولا نتعرَّض كذلك للمناورات الصبيانية التي يعمد إليها بعضهم كلما أدركته حفيظة من أعمال كاتِب هذه السطور، ومنها ما هو قريب العهد لم يتجاوَزِ الشهورَ.

ولكننا إذا اكتفينا بالوقائع ولم نتعرَّض لما بين سطورها، فنحن في حدود الحق البَيِّن — حقنا وحق التاريخ — كلما قلنا عن إشاعة تمسنا إنها تقصدنا لغرض معلوم، وإننا نجاريها في خدمة ذلك الغرض إذا سكتنا عليه وتركناه يعاد ويتكرَّر ويُروى فيما يسمونه بكتب الأدب وكتب التاريخ الأدبي، ونحن صامتون نؤكِّد التسليم والتصديق بالسكوت والتأمين.

وَحَسبُنا كرمًا أننا نسكت إلى اليوم عن بعض تلك الصبيانيات التي ينساق إليها مَن هم أهل لها، فلا نكشف النقاب عن بواطنها، وهي على مدى الإشارة بالخنصر فضلًا عن سائر أصابع اليدين.

حسبنا هذا من الكرم لأننا بحمد الله لا نطمع فيما هو أكرم منه، ولا نتطلع إلى منازل الأولياء، ودَعْ عنك منازل الأنبياء:

وبعيد بلوغ هاتيك جدًّا

تلك عليا مراتب الأنبياء

***

تناقشنا في أصل كلمة «القرش»، فقال بعضهم: إنها من مادة قرش، وهي جمع الشيء من هنا وهناك بعضه إلى بعض، أو من التقريش والقرش وهي السعي لطلب الرزق والكسب العيال كما جاء في المعجمات.

فإذا صحَّ هذا، فلماذا انفردت هذه العملة بهذه التسمية من اللغة العربية؟ وما هو معنى قطع العملة الأخرى بهذه اللغة أو باللغات التي استعيرت منها؟

أحمد زايد عبد الله، إسكندرية

كلمة قرش لم تُعرَف بمعنى هذه العملة المتداولة قبل أيام الدولة العثمانية، وقبل الاتصال بين البلاد العربية وغيرها من الأقطار التي كانت تعامِلها في شئون التجارة الهندية الشرقية، سواء على شواطئ البحر المتوسط أو على شواطئ القارة الأوروبية الغربية.

وقد عرفنا في بلادنا إلى زمن قريب أصنافًا من العملة كانت مقبولة في بلاد الدولة العثمانية بين القارات الثلاث، ومنها البندقي والمجر والبنتو والريال القشلة (من الكاسل أو القلعة) والريال الشينكو (في عدد خمسة)، والميدي في اللغة التونسية بمعنى النصف، أي نصف القطعة الفضية الصغيرة.

أما باقي قطع النقود التي لا يزال أكثرها باقيًا بأسمائه — وإن تغيَّرَتْ قيمته مع تغيُّر المعاملات الدولية والوطنية — فأسماؤها كلها أجنبية معروفة بمعانيها في لغاتها إلى اليوم.

فالجُنَيْه — مثلًا — مأخوذ من اسم بلاد غينيا؛ لأنه صُنِع لأول مرة في القرن السابع عشر من ذهب كان يُستَخرَجُ من مناجم تلك البلاد، وكانت قيمته عشرين شلنًا، ثم زيدت هذه القيمة إلى واحد وعشرين شلنًا على ما يظهر لمضاهاة القطعة الذهبية في أسواق غير أسواق الجزر البريطانية.

والريال مأخوذ من اللغة الإسبانية نقلًا عن اللاتينية، ومعناه بتلك اللغة الملكي أو السلطاني Regal ثم تحوَّلت الجيم إلى ياء كما تتحوَّل في أكثر الكلمات الإسبانية المنقولة عن اللغة اللاتينية.

والقرش مأخوذ من كلمة جرمانية بمعنى الكبير، ويطلقونها أحيانًا على «الدستة» لاشتماله على اثنتي عشرة قطعة صغيرة، وأصله بتلك اللغة «جروشن» Groschen نُقِلت إلى البولونية فنطقوها جروشي، وتسرَّبَتْ بهذا اللفظ إلى ألسنة الترك وعملاء البندقية وجنوة وغيرها من أقاليم إيطاليا التي كانت تتجر مع النمسا وألمانيا ومعنا منذ القرن السابع عشر، ومن لفظ جروش تحوَّلَ إلى جرش، ثم تحوَّل في الكتابة إلى قرش كما تُكتَب الآن، فلا علاقة له بمادة القرش والتقريش في معجماتنا، ولم يُعرَف من قبلُ بمعنى العملة مستعارًا من هذه المادة على لسان أمة عربية.

والملِّيم كلمة فرنسية بمعنى جزء من ألف Millieme أُطلِقت على العملة المعروفة بعد أن قُدِّرَ الجنيه بمائة قرش، وقُدِّرَ القرش بعشرة مليمات، وكان هذا المليم يساوي أربع «بارات»، وهي جمع بارة التركية بمعنى نقد أو فلوس، ولعلها من Pris الفرنسية، وهي مادة تُشتَق منها كلمات القيمة والثَّمن والمكافأة والقبض والتناول وغيرها مما يترادف مع معاني النقود، وترجع إليها كلمة البريزة العربية، وهي في الوجه البحري تساوِي عشرة قروش، وفي الصعيد تساوي نصف مليم وتقارِب كلمة «بارا» التركية باللفظ والمقدار.

وبعض العملة عندنا يُنسَب إلى المعدن الذي يُصكُّ منه، كالنيكلة والبرنزة والفضة، وكانت تساوي ربع مليم!

وقد أشار السيد زايد في خطابه — بعد الأسطر التي نقلناها — إلى مسألة فقر اللغة وغِنَاها في اختيار أسماء العملة التي تتداولها، فنقول للسيد: إن اللغة العربية لم تكن لتعجز في القديم والحديث عن تدبير كلمات بمعنى الكلمات الأجنبية، سواء بالنسبة أو الوصف أو الاستعارة لإطلاقها على النقود، وكان المتكلمون باللغة العربية يستطيعون أن يسموا الجنيه باسم «الغاني»، والريال باسم السلطاني أو الأميري، والقرش باسم الكبير، والمليم باسم الألفي كما فعل المتكلمون باللغات الأجنبية، بل كان في استطاعتهم أن يتوسَّعوا في معاني الفلوس والمثاقيل والسكة والوزنة لتقسيم القطع وحسبان عددها في كل عملة مصطلح على قيمتها.

فليست المسألة الآن ولا من قبلُ مسألةَ فقرٍ أو غنى في ألفاظ اللغة ومعانيها، ولكنها مسألة السبق إلى سكِّ العملة وتداوُلها بين الأسواق العالمية، وقديمًا كانت الأمم تتعامل بالدينار والدرهم، وَأَوَّلُهما لاتيني من كلمة عشرة، وثانيهما يوناني من كلمة درخم بمعنى قبض أو تناول، ولم يكن الاصطلاح على كلمة تنسب إلى العشرة بالأمر العسير على لغة الضاد، ولا كانت مادة القبض والتناول مغلقة على العربي المستعير منها كما استعار منها اليوناني، وَجَارَاه الروماني والفارسي والجرماني وغيرهم من أبناء القرون الخالية، ولو أخذنا بالمقاصة بيننا وبين أبناء اللغات العالمية لاسترددنا من معجماتهم أضعاف ما يستردونه من معجماتنا في باب المعاملات وحدها، فلا يحق لهم أن يدينونا بالجنيهات والريالات إلا إذا دِنَّاهم بالبنك والحوالة والرزق، بل بأرقام العدد نفسها وبالصفر في حساب ما بعد العشرات والمئات، وسينتهي الأمر بيننا وبينهم إلى حساب «امسح ونمسح» بغير حاجة إلى السؤال والمطال، وليس بالغارم مَن يدين كما يدان في هذا المجال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.