الوزارة آمنة على كل شيء، آمنة على الحياة الداخلية؛ لأن النظام مستقر، ولأن الناس يحبونها! ولأن خصومها قد خسروا كل شيء، وأخفقوا في كل شيء! ولكن نبأ كاذبًا يأتيها من المنوفية بأن قومًا يعملون في صنع القنابل فتنزعج حتى يذهب عنها الرشد، ويغيب عنها الصواب، وإذا شرطة الإقليم كلها، وضباط الإقليم جميعًا يجمعون ويحشدون ويرسلون إلى حيث زعم مُنْبِئ الوزارة أن القنابل تصنع، وإذا حصار مُنظَّم للمدينة، وتفتيش مُنظَّم لمنازلها، وتضييق شديد على أهلها، ومُضارَّة مُسرفة للخارجين منها والداخلين فيها، ثم ينجلي الأمر عن أن رجلًا أراد أن يعبث بالوزارة، فكذب عليها، وهزئ منها، واضطرها إلى أن تتكلف ما تكلفت من نفقات، وتُحدِث ما أحدثت من اضطراب، وتُخلي الإقليم من حُرَّاسه وحَفَظَة الأمن فيه، وتُعرض عشرات من الناس للخطر المُنكر في الأنفس والأموال، والوزارة آمنة على كل شيء؛ لأن خصومها قد خسروا كل شيء، وأخفقوا في كل شيء، ولأنها قد وثقت بحب الناس لها، وثقتهم بها، واطمئنانهم إليها!

ولكن نبأً كاذبًا يأتيها بأن رئيس الوفد سيصلي الجمعة في حي من أحياء القاهرة، فإذا شرطة تحشد، وجنود ترصد، واستعداد عسكري في هذا الحي، وتضييق على الذاهبين للصلاة، والمنصرفين إلى أعمالهم، وتأهب لمعركة حاسمة ككل هذه المعارك التي تتأهب لها الوزارة، ثم ينجلي الأمر فإذا هو خيال في خيال، وإذا الرئيس لم يزر هذا الحي، ولم يفكر في زيارته، وإنما أدى صلاته في حي آخر من أحياء المدينة!

ومع هذا كله، فالوزارة آمنة على كل شيء؛ لأن النظام مستقر، والأمن موفور. هذا رئيس الوزراء يستريح في مزارعه، وهذا وزير التقاليد يزور المنصورة، وهذا وزير الزراعة يغزو الصعيد، فلو لم يكن كل شيء هادئًا مطمئنًّا لما تفرق الوزراء على هذا النحو، وليس بأس بأن يتفرق الوزراء ما دام وزير الداخلية قابعًا في القاهرة يستطيع أن يجمع الشرطة ويفرقها، ويستطيع أن يقذف بوحدات الجند متى شاء في القرى والمدن والأحياء.

كل شيء هادئ، وإن كانت أكذوبة رجل مجهول تكفي لإزعاج الحكومة! وكل شيء مطمئن، وإن كان خيال مصطفى النحاس يكفي لإقلاق الدولة، وحشد الجند، وغزو الأحياء الآمنة الساكنة! وكذلك يريد الله أن تجتمع النقائض في هذا البلد، فيهدأ فيه كل شيء، ويطمئن فيه كل شيء، وتذعر الحكومة فيه لكل شيء، وتفزع الحكومة فيه حتى من الخيال! وتعلن الوزارة وصحفها أن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن! وتعتقد الوزارة أن الناس يصدقونها، ويؤمنون لها بالقوة والبأس، وبالاطمئنان والهدوء.

والوزارة آمنة على كل شيء في حياتها الخارجية، أمورها وأمور الدولة تجري كلها على ما تحب وتهوى؛ فقد أذعنت فرنسا وإيطاليا، وأقسمتا جَهد أيمانهما على أنهما ستقبلان أن يُؤدَّى إليهما الدين وَرِقًا لا ذهبًا، وآية ذلك أن الوزراء يتفرقون، وأن رئيسهم يقضي آخر الأسبوع في الريف، وإن كان كل شيء يدل على أن فرنسا متمسكة برأيها لم تعدل عنه قيد شعرة، ولم تغير منه حرفًا، وعلى أن إيطاليا لن تحدث في الأمر شيئًا، إلا أن تعدل فرنسا عن موقفها، وعطاءات جبل الأولياء قد تم درسها في وزارة الأشغال، ورأى وزير الأشغال فيها رأيه حرًّا مستقلًّا، وسيعرض هذا الرأي على مجلس الوزراء ليُقرَّه حرًّا مستقلًّا، وإن قالت الصحف: إن الأمر ليس كما يقال، وإن مصير هذه العطاءات سيقرر على غير ما تشتهي الوزارة، وإن الوزارة ستذعن لغير ما تحب؛ لأنها لا تريد أن تحدث أزمة بمخالفة الإنجليز، أو لأنها أعجز من أن تحدث أزمة بمخالفة الإنجليز.

وإذن ستمضي إرادة الإنجليز في هذه العطاءات رغم مجلس الوزراء، أو رغم ما يشتهي مجلس الوزراء! وسيذعن مجلس الوزراء لهذه الإرادة مسرعًا متعجلًا قبل أن يتم مجلس الشيوخ نظر ميزانية الأشغال، وإقرار ما فيها من اعتماد لجبل الأولياء! وسيتورط المجلسان جميعًا! ذاك يُنزل رأي الأجنبي، وهذا يَقبل الأمر الواقع! ولكن الوزارة آمنة على كل شيء في حياتها الداخلية والخارجية، لم تكن في يوم من الأيام أقوى منها الآن! ألم يتحدث رئيسها إلى زملائه في مجلسهم بأن صديقه المندوب السامي عائد إلى مصر من غير شك، ومقيم فيها من غير شك، وبأن اللجنة الإنجليزية المصرية قد فشلت كل الفشل، وأخفقت كل الإخفاق فيما حاولت من تغيير الموقف السياسي في مصر.

بلى، تحدث الرئيس إلى زملائه بهذا، وإن زعم أنه لم يتحدث؛ لأن الأهرام أكدت أخبارها، وتحدَّت رئيس الوزراء فلم يحرِ جوابًا ولم يصنع شيئًا! إذن فالمندوب السامي عائد إلى مصر من غير شك، ومقيم فيها من غير شك، وإن أعلن رسميًّا أن عودته تأخرت إلى أجل غير معروف، وأن عقيلته لاحقة به، واللجنة الإنجليزية المصرية قد أخفقت في سعيها لتغيير الموقف، وإن اتصلت أحاديث الناس في القاهرة وفي لندرة، بأن هذه اللجنة لم تتم سعيها بعد، وبأن استقالة الوزارة في أجل قريب جدًّا أمر لا منصرف عنه، وإن سئل وزير الخارجية عن أمور مصر في مجلس النواب الإنجليزي منذ أيام، فلم يقل شيئًا؛ لأن الوقت لم يَحِن بعدُ ليقول وزير الخارجية البريطانية ما ينبغي أن يقول.

كل شيء هادئ حول الوزارة في داخل مصر وخارجها، وكل شيء مطمئن، ولكنه هدوء موهوم، واطمئنان يتحدث به الخيال، فأما الحق الذي يدل عليه كل شيء، فهو أن أسباب بقاء الوزارة قد رقت حتى أصبح أيسر الأشياء خليقًا أن يقطعها، قوتها في داخل مصر وهمية، ولولا ذلك لما عبثت بها الأكاذيب، ولما لعب بها الخيال، وقوتها في خارج مصر وهمية، ولولا ذلك لما تحدتها الأهرام غير حافلة بقوتها، ولا ملتفتة إلى سطوتها، ولا خائفة منها بأسًا؛ لأن البأس الصحيح الذي يُخاف إنما هو الذي يَعتَمِد على الحق، والوزارة في موقفها لا تعتمد على الحق الواقع، وإنما تعتمد على الوهم، وتتعلق بأهداب الخيال.

ولسنا ندري ما يكون شأن الوزارة لو وصلت إليها البلاغات الكاذبة من أطراف مصر في كل يوم، أتعبئ الشرطة في الأقاليم جميعًا، وتطوف بالجيش في الأقاليم جميعًا، وتدور بالضباط والجنود في كل مكان، وتُخيِّل إلى الناس أن الأمن الموفور قد ذهب، وأن النظام المستقر قد اضطرب؟ ولسنا ندري ما يكون شأن الوزارة لو أن الأهرام صدمتها في كل يوم بالتحدي كما فعلت في الأيام الأخيرة الماضية، أتصدر البلاغات الرسمية؟ فإذا أصرت الأهرام على ما تقول هانت الوزارة على نفسها، واستكانت الوزارة للأهرام كما فعلت في الأسبوع الماضي، حتى يؤمن الناس — إن لم يكونوا قد آمنوا بالفعل — بأن بلاغات الحكومة تُحترَم، ولكن تصديقها شيء واحترامها شيء آخر!

وهذه الأهرام تتحدث اليوم بعد أن تحدثت أمس، وتلح اليوم بعد أن ألحت أمس، وتؤكد اليوم — بعد أن أكدت أمس — أن الوزارة تتعجل البتَّ في عطاءات جبل الأولياء، قبل أن يتم مجلس الشيوخ نظر ميزانية الأشغال، وهذه السياسة تقول اليوم: إن أمر هذه العطاءات سيتم على غير ما تريد الحكومة المصرية، والناس يتحدثون ويلحون في الحديث بأن مسألة الدين تزداد تعقيدًا من يوم إلى يوم، وأن الحرج يستحكم حول الوزارة من حين إلى حين وإن تفرَّق الوزراء في الأقاليم، واستراح رئيسهم في الريف، أفترى الوزارة مُصْدِرة بلاغات رسمية تُكذِّب بها الأهرام والسياسة؟ فما عسى أن تصنع إذا احترمت الأهرام والسياسة بلاغات الحكومة، وأصرَّتا بعد ذلك على ما تقولان؟

ليس الغريب أن تزعم الوزارة لنفسها القوة، وأن تؤمن الوزارة لنفسها بطول البقاء، فكل إنسان عرضة للأمل، وكل إنسان عرضة لأن يخدعه الخيال، وإنما الغريب أن تترك أمور بلد كمصر — على ما لها من خطر، وعلى أنها أمور شعب كامل — خاضعة لوزارة كل قوتها تعتمد على الوهم، وتستمد من الخيال!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.