الشكوى لا توجد بلا سبب، فوراءها عادة علة في الجسم أو العقل أو الروح، أو في علاقة الإنسان بالآخرين، أو بالمجتمع ككل، أو حتى بالكون نفسه، فأسباب الشكوى لا حصر لها، وهيهات أن يبرأ منها فرد أو جماعة أو وطن، وإن اختلفت وتنوعت تبعًا للظروف والأحوال من التفاوت في القيم والحضارة والعلم، وهي ليست سجية سيئة، خاصة إذا اتسمت بالموضوعية وحسن التقدير، بل لعلها أول محرك للإنسان يدفعه للبحث عن حياة أفضل، سواء على المستوى الفردي أو الاجتماعي أو الإنساني، وإِنَّ ما نتصوره أحيانًا من خلو فترة من العمر من الشكوى وهم، كما أن ما نتصوره من وجود عوالم راقية خالية منها وهم أيضًا، لا توجد فترة خالية منها، حتى الطفولة السعيدة، نحن نهرب إلى طفولتنا من واقع غليظ قاسٍ، ناسين ما عانيناه في الطفولة من آلام ومخاوف ومتاعب، كذلك نظن أحيانًا أن هذه الأمة المتقدمة أو تلك قد بلغت الكمال وخلت من أي سبب للشكوى، ولكن لماذا يتمرد شبابها؟ ولماذا تكثر نسبة الانتحار؟ ولماذا توجد الانفعالات العنيفة، بل والثورات أيضًا؟

ونستطيع أن نجد تفسيرًا لذلك في حقيقة أبدية، هي أن الإنسان لا يكف عن الخيال والحلم … إنه يعيش واقعًا ويتعامل فيه مع خيره وشره، ويحلم بما هو أفضل ويتطلع إليه، وفيما بين الواقع والحلم تتفجر الشكوى وأسباب التمرد والثورة، ويحقق الإنسان تقدمًا جديدًا في طريق لا نهاية لها.

فحياة الإنسان جدلٌ متواصل بين الرضا والسخط، وهو جدل ينتهي عادة بالتقدم، ولكن التقدم ليس ثمرة حتمية إن لم يؤيد بالإرادة الحرة والكفاح الصلب؛ لذلك عرف التاريخ البقاء كما عرف الفناء ولِكُلٍّ نصيبٌ على قدْر هِمَّتِه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.