يقتتل في العالم اليوم مبدآن: الديمقراطية والديكتاتورية، ولكل من المبدأين أنصار يؤيدونه اليوم، وكانوا يؤيدونه من قبل أن تقوم هذه الحرب، فكان أنصار الديمقراطية — ولا يزالون — يقولون: إنها وحدها الكفيلة للكرامة الإنسانية، وللحرية الإنسانية؛ لأنها تقوم على أساس من المساواة بين الأفراد في حرية الرأي مساواة عامة، لا تمييز فيها بين واحد وآخر بسبب مكانته أو منصبه أو جاهه. بينما تقوم الدكتاتورية على أساس من التضحية برأي الفرد باسم الجماعة، وهذه التضحية تنتهي حتمًا إلى تغلب شخص واحد هو زعيم مَن يُملِّكونه القوة المادية في البلاد والقضاء على كل رأي سواه، فإذا صح أن كان هذا الرأي صالحًا زمنًا فأدى إلى سرعة ارتقاء الجماعة، فإنه إن فسد يومًا قضى على الجماعة فأرداها في حمأة التأخر والانحطاط. ويستشهد أصحاب هذا الرأي على رجحان رأيهم بما حدث في التاريخ؛ إذ يبسط الحكام بأمرهم رأيهم ونفوذهم وسلطان بلادهم على أمم كثيرة في أزمان شتى، ثم يكفي بعد ذلك أن يقوم في مكان السلطان شخص غير موفَّق الرأي ليقضي على ذلك كله، وليضيع جهود الأمة ويردَّها إلى الوراء عشرات السنين.

أما الديمقراطية فإنها بتقديسها حرية الرأي والمساواة فيه بين أفراد الأمة جميعًا، تخلق التوازن الذي يحفظ على الأمة سلطانها، ويجعلها إن لم تسرع إلى التقدم بالخطى الجبارة التي تسرع بها الأمم الخاضعة لسلطان فرد موفَّق، فإنها تبقى مع ذلك محتفظة بكل خطوة تخطوها إلى الأمام، قديرة على أن تحتفظ بمناعتها وبقوة هذه المناعة رغم الخطوب، وهي لذلك إذا ردت إلى الوراء وقتًا استطاعت بقوة توازنها وبحرص المجموع على حرية كل فرد من أفراده أن تسترد ما فقدت، وأن تعود سيرتها الأولى في التقدم إلى الكمال.

أما أنصار الدكتاتورية فيقولون: إن ألفاظ الحرية والمساواة ليست إلا خداعًا لا مدلول في الواقع له، وإن الديمقراطية لا تكفل ما تزعم أنها تكفله منهما، وكل ما تريده من ورائهما أن تخلق البيئة للمنافسة بين أفراد ممتازين على غيرهم، متكافئين في قوتهم، كلٌّ يريد أن يتولى حكم أمته لحساب نفسه، لا حرصًا منه على حرية أفرادها، بل خداعًا باسم هذه الحرية.

وهم يستشهدون في تأييد رأيهم بما قاله كثيرون من أنصار الديمقراطية ونظامها النيابي أو البرلماني، وبما رددوه حين ذكروا ما في طبيعة هذا النظام من تعطيل الأعمال العامة، ومن الوقوف في سبيل التقدم السريع، ومن إضاعة الارتباط في النظم الفابية للدولة، وهذه النظم هي التي تكفل في عصرنا الحاضر رخاء الأمم وتقدمها، على شريطة أن تسير في طريق لا تكتنفه العقبات، ولا تعوق المناقشات البرلمانية اطراد السير فيه.

وصحيح أن كثيرين من كبار الساسة والمفكرين في الأمم الديمقراطية قد أدلوا بهذه الحجج، وقد اقترحوا الوسائل للتغلب على هذه الصعاب، لكن حجج أنصار الديمقراطية في تفنيد النظام الديكتاتوري تُثبِت أنه لا يمكن أن يكون نظامًا ثابتًا أو مستقرًّا في أية أمة من الأمم، بل هو بمثابة انتقال ثوري في حالة غير عادية، يراد به ملافاة أمراض اجتماعية وظاهرات للضعف في الأمم التي تفشت فيها أسباب الضعف والمرض، فإذا اطمأنتْ هذه الأمم إلى بُرئها من الحال التي أصابتها وعادت إلى حياتها الطبيعية، كانت الدكتاتورية المقيدة للحرية، بل القاتلة لحرية الرأي والمساواة في إبدائه والدفاع عنه سببَ ضعف لا سبب قوة، وسبب تأخر لا سبب تقدم، فإذا جلس مجلس الدكتاتور شخصٌ من طراز عادي، هَوَتِ الأمة وأسرعت إلى التدهور والانحلال.

إذا صح أن كان لما يبديه كلٌّ من الفريقين وزنه وقيمته، أفيستطاع التغلب على أسباب الفساد والضعف في النظام الذي تقوم الجمعية الإنسانية على أساسه، وهل يمكن أن يقوم نظام لا تشوبه شوائب هذا الفساد وهذا الضعف؟! الأمر ليس من اليسر بالقدر الذي يتصوره بعضهم، فالأمم تختلف أمزجتها كما تختلف أمزجة الأفراد، وكما أن من الناس العصبي المزاج والساكن الطبع، وكما تختلف درجات الهدوء والعصبية في الأفراد، كذلك تختلف الأمم، فمنها ما يميل إلى ناحية الديمقراطية بطبيعة مزاجه، ومنها ما يميل إلى ناحية السلطان المطلَق بطبيعة مزاجه كذلك؛ فاقتراح نظام موحد يجري الحكم على موجبه في الأمم جميعًا ليس من اليسر بما قد يظنه البعض.

لكنَّا مع ذلك نؤمن بأن للحياة سننًا ومبادئ أساسية لا تختلف، وأن الملاءمة بين مزاج الأمم وبين هذه السنن والمبادئ أمر مستطاع، بل إنَّا نؤمن بأن هذه الملاءمة هي الأساس الجوهري لاستقرار شئون العالم أطول زمن ممكن، ونقول أطول زمن ممكن بعد الذي ثبت من أن الاستقرار التام والسلام الدائم لم يتحقَّقَا يومًا من الأيام في العالم.

لقيت الحاج عبد الله فلبي «سير سانت جون فلبي» بمكة في شتاء سنة ١٩٣٨، وتحدثت وإياه في أمور شتى عن الإسلام وآرائه في المبادئ التي يقوم عليها. وفلبي إنجليزي عريق في الإنكليزية، وهو لذلك ديمقراطي عريق في ديمقراطيته، مع ذلك كان مما ذكره لي أنه مقتنع تمام الاقتناع بأن الديمقراطية الإسلامية خير أنواع الديمقراطيات، وأن الحكومة الإسلامية خير أنواع الحكومات.

وتحدثت بعد ذلك بسنتين أو نحوهما إلى رجل من كبار الإيطاليين بالقاهرة، وتناول حديثنا الفاشية، نظام الحكم الحاضر في إيطاليا، فقال محدثي: إن الفاشية تقوم على الأساس الذي يقوم عليه النظام الإسلامي والحكومة الإسلامية.

ولقد أثار هذان الحديثان تفكيري: الديمقراطية الإسلامية خير أنواع الديمقراطية، والنظام الإسلامي يتفق مع الأساس الذي تقوم عليه الفاشية. كيف يتفق هذا وذاك؟ كيف يكون النبي الإسلامي ديمقراطيًّا وفاشستيًّا، أيْ خصمًا للديمقراطية في الوقت عينه، وأشهد أنني ما أزال في حيرة لم أهتدِ إلى التوفيق بين هذين الرأيين المتناقضين في نظري، وإنني ما أزال أبحث هنا وهناك في التاريخ الإسلامي عَلِّي أهتدي إلى ما يزيل حيرتي، ولعلي إذا اهتديت إليه أستطيع أن أجد ما في حياة الجماعات من سنن ومبادئ أساسية على النحو الذي صوره الإسلام، وإني لأرجو أن أوفَّق لذلك، فسيكون التوفيق له من جانبي أو من جانب غيري من الباحثين ذخرًا للإنسانية في هذا المفترق الدقيق في طرق حياتها ونُظُم حكمها — هذا المفترق الذي تضطرم حوله اليوم نيران لم يعرف العالم لها في كلِّ ما مضى من عهودٍ مثيلًا.

وكم أودُّ لو استطاع رجالنا المشتغلون بالدراسات الإسلامية والمنقطعون لها أن يدلوا إلى قراء هذه الجريدة بمعلوماتهم في هذا الأمر، وأن يذكروا للناس رأيهم في هذا النظام الذي تلتقي عنده الديمقراطية والفاشستية، والذي يحقق للأمم أصلح أنواع الحكم، ملائمًا في ذلك بين سنن الاجتماع ومبادئه الأساسية، وبين الأمزجة المختلفة لكل شعب من الشعوب وأمة من الأمم.

على أنني أسارع إلى القول بأن الحاج عبد الله فلبي لم يخف عليَّ حين سألته عن مقصوده بالديمقراطية الإسلامية أنه يراها الديمقراطية التي تجعل الرأي لأهل الرأي لا لكل فرد من أفراد الأمة، ولست أستطيع أن أقطع بصحة مذهبه في ذلك والقرآن يقول: ()، وطائفة من المسلمين تذهب في تأويل هذه الآية إلى مدى بعيد، بل إن بعض الكتَّاب المعاصرين لَيذهبون إلى أن الحكومة البرلمانية هي الحكومة الإسلامية التي أشار القرآن إليها في الآية السابقة، وأن الانتخاب العام هو أساس الشورى.

أسارع كذلك إلى القول بأن هذا الإيطالي الذي أشرت إلى حديثي معه قد ذكر تأييدًا لرأيه ما حدث في بيعة الخلفاء الراشدين حين اختارهم الناس أمراء للمسلمين طيلة حياتهم، وحين جُعِل لهم الأمر كل الأمر، يشير أولو الرأي عليهم، ثم لا تقيِّدهم مشورةٌ أيًّا كان مصدرها.

وأنا من جانبي لا أتردد في القول بأن الإسلام يعرف المبادئ التي دعت الديمقراطية إليها، مبادئ الحرية والإخاء والمساواة، وأن ما عُرِف من تاريخ المسلمين في عهدهم الأول لا يَدَعُ مجالًا للشك في أن حرية الرأي كانت مقدَّسة عندهم في حدود ما أمر الله به وما نهى عنه، ولكل مسلم فيما وراء البيِّن من هذه الحدود أن يجتهد للكشف عن الحقيقة، لا يُضاره في ذلك أحد، ولا يقف في سبيله إلا حاكم ظالم.

ولقد انقلب الحكم في الدول الإسلامية مطلقًا في بعض الأزمان، فكان من الأدلة الساطعة على أن هذا الحكم المطلَق قد يدفع الأمة إلى الأمام دفعًا قويًّا، بل عنيفًا، في زمن يكون فيه الحاكم المطلَق صالحًا مصلحًا، فإذا تغيَّر الحال وقام حاكم لم يوفَّق إلى طريق السداد، كان النكبة المنكرة والكارثة التي تردُّ الأمة عشرات السنين إلى الوراء، ولهذا دلالته القوية على أن الدكتاتورية لا تصلح نظامًا ثابتًا لحكم الأمم.

قد لا يتيسر في ظروف العالم الحاضر وفيما يخضع له تفكيرنا بحكم الحوادث، أن نجد السبيل إلى التوفيق بين سنن الاجتماع وأمزجة الأمم لنقترح الأسس المشتركة لنظام الحكم في البلاد المختلفة، فنحن نشعر بالعجز عن تصور حالة السلم التي ستعقب هذه الحرب الطاحنة. لكن على المفكرين والعلماء مع ذلك واجب أن يفكروا في الأمر طويلًا، فإذا جاء الوقت لإبراز ثمرات هذا التفكير، كان لهذه الثمرات أثرها الصالح في حياة العالم، وكان للناس أن يطمئنوا من ورائها إلى استقرار السلام فيه أطول زمن ممكن.

هذه دعوة لا أقصرها على رجال مصر والشرق، بل ألقيها ليتناولها الناس في الأمم المحاربة وفي الأمم المحايدة، فقد مرَّ العالم في هذا القرن العشرين بأحداث تدل على حاجته إلى حياة جديدة مطمئنة.

ومن استطاع أن يصور له أساس هذه الحياة الجديدة فقد أسدى إليه أعظم الخير، وقد مهد للإنسانية سبيل الطمأنينة، هذه الطمأنينة التي فقدناها منذ ربع قرن، وما نزال حتى اليوم نلتمس الوسيلة إليها دون جدوى.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.