من أغراض المجمع دراسة اللهجات العامية في مصر وسائر الأقطار العربية، ونحسب أنه من أنفع أغراض المجمع في خدمة اللغة الفصحى؛ لأننا نساير اللهجة العامية في تعبيراتنا بها وتصرفاتنا فيها، ونقيس عليها فنخلص من المشابهة حينًا والمخالفة حينًا آخر، إلى شيء من الأصول التي جرت عليها اللغة الفصحى فيما يقابل هذه التعبيرات أو هذه التصرُّفات.

ومن أمثلة ما يُستفاد على هذا النحو هذه الشواهد في مسألة الأضداد، ومسألة الأوزان وتحولها مع الزمن من صيغة إلى صيغة قبل أن تستقرَّ على صيغتها الأخيرة:

(١) الأضداد

كنت أتَّجِه إلى النيل يومًا ولا أعرف موعد فتح القناطر في تلك الجهة، فلقيت جماعة مقبلين من ناحية النهر، فسألتهم: هل الكوبري مفتوح؟ وأجابني اثنان منهم في وقت واحد؛ قال أحدهما: نعم مفتوح. وقال الآخر: لا، غير مفتوح.

فعجبت لأول وهلة من هذا التناقض بين شاهدي عيان في منظر حاضر قريب، حتى استوضحتهما؛ فعلمت أن أحدهما يعني فتح الكوبري للسير، والآخر يعني فتحه للملاحة؛ فالفتح عندهما بمعنى واحد، ولكن على اعتبارين مختلفين.

خطر لي بعد التأمل في التعبير بكلمة «فتح» على الضدين أن كثيرًا من الأضداد في اللغة يمكن أن يرجع إلى مثل هذا الاختلاف في الاعتبار أو وجهة النظر.

فيقال ناهل بمعنى ريان، وناهل بمعنى ظمآن. والأصل في ذلك أنهم يستطيعون أن يقولوا عن الذاهب إلى النيل إنه ناهل، وعن العائد من النيل إنه ناهل. فالنهل واحد، ولكن الذاهب ظمآن والعائد ريان، وهما من ثم ضدان.

ويقال طرب بمعنى فرح، وطرب بمعنى حزن. والأصل في الطرب الاهتزاز. والمرء يهتز للفرح كما يهتز للحزن، فهو طرب فرحان وهو طرب حزين.

ويقال الجون بمعنى الأبيض، والجون بمعنى الأسود. والأصل فيهما التجوين بمعنى الطلاء. جون بيت العروس بالبياض، وجون بيت الميت بالسواد. فالجون أبيض والجون أسود، وما هما بضدين في غير هذا الاعتبار.

ويقال جلل بمعنى عظيم، وجلل بمعنى صغير. ولعل الأصل فيهما أن الجليل بمعنى العظيم هو الذي يجللنا ويغطينا، وأن الجلل بمعنى الصغير هو الذي نجلله نحن ونغطيه.

ونستطرد من ثم إلى الأضداد التي تأتي من التفاؤل، وفي اللهجة العامية من هذا الباب يقال للمريض إنه «بعافية»، ويقال للإناء الفارغ إنه المليان. وهكذا يقال في اللغة الفصحى: «سليم» للَّديغ وسليم للصحيح، ويقال المفازة للبيداء المهلكة والمفازة التي يرجى منها الفوز والنجاة، وربما كان الأصل في «التفويز» بمعنى الهلكة تعبيرًا من هذا القبيل.

ونتوسَّع في الأضداد من باب إطلاق المعنى الواحد على اعتبارين، فنقيس عليها التفكُّه بمعنى التلذُّذ والتندُّم، ونقيس عليها التغشمر بمعنى ركوب الباطل وركوب الحق، ونقيس عليها المأتم بمعنى اجتماع النساء للفرح واجتماعهن للبكاء.

فبين التفكه على الاعتبارين جامعة التنقل والمراجعة والتذكر، وكلها مما يصحب أحاديث السمر وأحاديث الندم والحيرة.

وبين التغشمر على الاعتبارين أن يركب الإنسان رأسه في خطر أو لجاجة، فهو محق على اعتبار ومبطل على اعتبار.

وبين المأتم في الحزن أو الفرح اجتماع النسوة، ثم يفترق المعنيان فيغلب أحدهما على الآخر.

(٢) الإبدال

أما الإبدال فمراقبة اللهجات العامية فيه تنصف النحاة الأقدمين في العصر الحاضر؛ لأن أناسًا من الباحثين العصريين يحسبونهم قد لجئوا إلى التعلل بالإبدال على سبيل التخلص والهرب من الأسباب الصحيحة التي يجهلونها، فيستريحون منها بعلة الإبدال.

والواقع أن الإبدال يجري أمامنا في اللهجات العامية على مجراه الذي قال به النحاة الأقدمون.

ففي بعض لهجات الصعيد يأتي مصدر فَعَّل على وزن «فعيل» بكسر الفاء والعين وتضعيف العين، فيقولون: كَبَّر كِبِّيرًا، وزَعَّقَ زِعِّيقًا، ودَبَّح دِبِّيحًا، وكَسَّر كِسِّيرًا. وهو في أوزان اللغة الفصحى التكبير والتزعيق والتذبيح والتكسير.

وليست الصيغة مقصورة على تلك اللهجة الصعيدية؛ لأننا نسمعها على غير قياس في بعض كلمات الوجه البحري؛ فيقولون مثلًا: «يكلم»، ويقولون: «تدبر»، ويقولون: «يصرف ويجنب» … ويثبتون بذلك — كما تثبته اللهجات الصعيدية — أن إبدال التاء في أحد الحروف المضعفة معهود على اللسان.

ولا نعرض هنا للشواهد الفصيحة؛ لأننا نخص اللهجات العامية بالقياس في هذا الحديث، وإلا فالشواهد من القرآن الكريم تثبت لنا هذا الإبدال في كلمات متعددة، مثل: «يزكى، ويذكر، ويشقق». وكلها مما يسمع فيه الإبدال بالتاء؛ إذ يقال: يتزكى، ويتذكر، ويتشقق، وعلى القياس في «فعل يتفعل» كما هو معلوم.

(٣) أوزان المصادر

أما أوزان المصادر، فالعامة في إقليم أسوان يأتون بالمصدر عن فاعل على فاعال، فيقولون الحاراب والحاران والخاباط والجاكار. ونسمع في الوجه البحري «حازاراك فازاراك»، وهي قريبة من هذا الباب.

والذي لفت نظري من هذه الكلمات كلمة «الجاكار» بمعنى المماطلة في البيع وغيره؛ فإنها من كلمات الفصحى التي لا تسمع في عامية الأقاليم الأخرى، وموضع الالتفات في هذه الكلمة خاصة أن وزن «الفاعل» من المفاعلة قديم يرجع إلى الوقت الذي كانت فيه هذه الكلمة تجري على ألسنة الفصحاء وألسنة العامة.

فهل يسوغ لنا أن نقول إن وزن «فاعال» من فاعل خطوة سبقت وزن فعال الذي انتهينا إليه؟ إن فاعال أقرب إلى فاعل، ويجوز لهذا أن تكون قد سبقت الفعَّال، ثم طواها الإهمال في غير تلك اللهجة العامية، ويرجِّح لنا تشابه العامية والفصحى في هذا الوزن مادة «جكر» بمعناها الفصيح.

***

هذه شواهد ما يستفاد من تتبُّع اللهجات العامية في خدمة الفصحى واستطلاع بعض أسرارها وأصولها، ونرجو أن نُتبِعَها بشواهد أقرب من قبيلها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.