اتصلت به نحو ثلاث سنوات، وكان هو وكيلًا لحزب الاتحاد، أو رئيسه الفعلي، أما رئيسه الاسمي فكان المرحوم يحيى باشا إبراهيم، وكنت إذا استغربت أن يتولى رياسة الحزب ولا يكون له فيه عمل يُذكر أو اهتمام بأمره، يقول لي — عليه رحمه الله: «يا بني، أنا طول عمري رجل قاضٍ، والناس جميعًا أمام القاضي سواء، فلست أستطيع أن أفرق بين مصري ومصري أو أفاضل بينهم تبعًا لأحزابهم.»

على أني واثق أن علي ماهر قادر على أن يكون الرئيس الحقيقي لأية جماعة يدخل فيها كائنًا من كان الرئيس الرسمي؛ لأن له من قوة الشخصية واللوذعية، وسرعة الفطنة، وحضور الذهن، والإقدام، وحسن الإبانة ما ييسر له الاستعلاء وتبوُّءَ المكان الأول.

وكنت أنا يومئذٍ رئيس تحرير الجريدة التي تنطق بلسان الحزب — أو لا تنطق — فكان يندر أن نختلف في الرأي، ويكثر مع ذلك أن نختلف في كل شيء آخر حتى كادت تتلف أعصابي من كثرة الخلاف وتكرر المشادات، فآثرت اعتزال العمل، وعلمت بعد ذلك أنه كان يمهد لعزلي فأغناه الله عن هذا العناء باستقالتي، ولم أره بعد ذلك إلا مرة أو مرتين في عشرين عامًا!

ذكرت هذا ليطمئن القارئ حين يراني أنصفه ولا أبخسه حقه أو أغمط فضله، وحين أقول إني أنطوي له على تقدير دقيق لمزاياه وفضائله، وإن كنت لا أرتاح إليه من الوجهة الشخصية؛ فأنا معه على حالين: شعور شخصي أورثتنيه معاشرته، وهذا لا أقيم له وزنًا لأن أمره انتهى حين انبتت صلة العمل، وتقدير عقلي لمزاياه، وهذا هو الذي أجعل بالي إليه حين أزِن عمله أو مساعيه أو مواقفه، وقد أنصفته من خصومه مرارًا على غير انتظار منه في الأغلب.

ويبدو لي مما تبينته من اتصالي به قديمًا ومن تَتَبُّعِي لسيرته العامة، أن فيه جرأة تبلغ أحيانًا مبلغ الاندفاع، ولكنه يجفل إذا واجه ما لا يأنس من نفسه قدرة عليه، وربما كانت سرعة التراجُع في بعض الحالات عن إيثار للصبر وانتظار فرصة أوفق.

وهو لفرط اعتزازه بنفسه ومواهبه العديدة كثيرًا ما يمضي لرأيه بغير مشاورة، ومن مزاياه أنه إذا اتجهت له خُطَّةٌ أو عنَّ له رأي، أحسن النضال عنه ووقف دونه مدافعًا ببيان قوي ولسان عالٍ ذرب.

وهو عملي وسريع البت، وليس أبغض إليه من البلادة والتلكُّؤ وطول الإجراءات الحكومية، ولعله أول من تولى منصبًا وزاريًّا، وأبى أن يكون «باشكاتبًا»، وهو وزير يقرأ كل ورقة ويراجع كل ملف ويقضي برأيه في كل تافهة من توافِهِ العمل؛ ولهذا كان رأيه أن يوزع الاختصاص على معاونيه، لمنحهم ثقته على أن يظلوا أهلًا لها وجديرين بها، مكتفيًا بالإشراف والتوجيه ورسم الخطوط الرئيسية وتقرير المبادئ العامة، وهذه هي مهمة الوزير الصحيحة.

ووسيلته أن يعد عدته ويهيئ مشروعاته، حتى إذا ولي الحكم وضعها موضع التنفيذ ومضى في إخراجها بسرعة البرق فيدهش ويروع.

ومن مزاياه أنه لا يَكُفُّ عن الاطلاع والدرس؛ فذكاؤه يعاونه علمه، وعقله يتلقى مددًا لا ينقطع من العقول التي يتصفحها في آثارها، وهو من فقهاء القانون، ولكنه لا يجتزئ به أو يقتصر عليه، بل لا يزال يزود عقله بغيره من المواد؛ ولهذا يعد من أصحاب الجوانب المتعددة.

وحيلته واسعة، وسرعة خاطره في حل المعضلات من أوجز طريق وأيسره مشهورة، فهو لا يكاد يعبأ بشيء، ولكل مشكل عنده تدبير.

ومع علمه بالقانون وتضلعه فيه لا يأنف أن يستشير أهله، وينزل على رأيهم إذا رآه أولى بالاتباع ولا أعرفه ينكر الحق أو يكتم الشهادة به أو يأبى الإقرار بالفضل لذويه، ولكنه يحب ويكره، ويستخف ويستثقل، ويستريح أو يطمئن إلى هذا وينفر من ذاك، فتخرجه العاطفة إلى الهوى أحيانًا، وأكثر ما يكون هذا إذا كثرت المخالفة له في نهج أو رأي؛ لأن في طباعه — كما أسلفت — اعتزازًا بنفسه ونزوعًا إلى السيطرة والانفراد بالرأي والعمل جهرة أو بلباقة وحسن تدبير.

وتاريخه الوطني حافل، وصفحاته غاصَّة منذ قامت الحركة الوطنية إلى اليوم، يعرفها الذين عاصروها من بدايتها، وممَّا ينبغي أن يذكر له أنه من أكثر رجال مصر آثارًا فيما تولى من وزارات، وقد كِدْتُ أقول أكثرهم على الإطلاق لولا خوفي أن أظلم سواه، والمرء عرضة للنسيان. ولو كانت ظروفه حين تولى الحكم غير ما نعرف، لكان حقيقًا أن يسدي إلى بلاده خيرًا كثيرًا، على أنه ضرب مثلًا في المرتين اللتين تولى فيهما الحكم سيظل مذكورًا.

ومما ينبغي أن يذكر له أيضًا أنه لم يكن قَطُّ رجلًا حزبيًّا بالمعنى الصحيح؛ لأنه له من مرونة عقله وحسن فهمه لواجبه الوطني ما يمنعه أن يكون جامدًا متحجرًا، وعندي — وأحسب أن عند القراء — الشواهد على ذلك ولكن المقام لا يتسع لها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.