ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل!

كذلك قال الطغرائي منذ قرون طوال، وكان موفَّقًا كل التوفيق إلى الحق والصواب فيما قال، وما أظن أن أحدًا من الذين يعيشون في هذه الأيام يستطيع أن ينازع في هذه الحكمة القديمة الجديدة سواء أكان من الذين يَصْلَوْن نار الحرب من قريب، أم من الذين يَصْلَونها من بعيد.

فليس من شك في أن الحياة التي تحياها الإنسانية الآن ضيقة الآفاق، ضئيلة الخطر، قليلة العناء. لولا أن في كل نفس إنسانية حية سراجًا قويًّا يشق آفاقها المظلمة، وينفذ بالنفس الإنسانية إلى عالم آخر. وراء هذه الآفاق تستطيع الآمال أن تنطلق فيه حرة خفيفة سريعة قادرة على أن ترتفع حتى تبلغ ما شاءت في جو السماء، وقادرة على أن تمضي أمامها إلى غير أمد.

وماذا تنتظر من هذه الحياة التي نحياها الآن، وقد أخذها الشر من جميع أنحائها، فلا يكاد الإنسان يفكر في أمسه إلا امتلأت نفسه حسرات على أنه قد مضى بكثير من الطيبات كنَّا نستقلها ونزدريها، فأصبحنا نستكثرها ونودُّ لو أُتيح لنا بعضها؟! ولا يكاد الإنسان يحاول التفكير في غده حتى يتساءل: أمدرك هو هذا الغد، أم مقصر هو عن إدراكه؟

والغريب أن طبيعة الحياة الإنسانية لم تتغير؛ فهي في كل وقت كما هي الآن، معرضة للخطر الذي يأتيها من حيث ينتظر الناس ومن حيث لا ينتظرون، ولكن هذه الحوادث الهائلة والكوارث المنكرة التي تتكشف عنها الحرب في كل لحظة قد جلت طبيعة هذه الحياة للناس، وأشعرتهم بغرورهم وخداعهم لأنفسهم، فواجهوا الحقائق كما هي، وعرفوا أن مثل الحياة الدنيا كمثل هذا الهشيم الذي تذروه الرياح، والذي ضربه الله لهم في القرآن الكريم، فهم يؤمنون به إذا تلوا الآية أو سمعوا الوعاظ، ولكنهم لا يلبثون أن ينسوا ما تلوا، وأن يعرضوا عمَّا سمعوا، وأن يقبلوا على لذاتهم وأهوائهم كدأبهم قبل أن يتلوا الآية، وقبل أن يسمعوا الوعاظ.

فأما الآن فكل لحظة من لحظات حياتهم تتلو عليهم هذه الآية، وكل نبأ يصبحهم به النهار، أو يمسيهم به الليل يتحدث إليهم الوعاظ، ويذكرهم بأن الحياة الدنيا هشيم تذروه الرياح، وهم من أجل ذلك خليقون أن يدركهم اليأس، وكثير منهم يدركه اليأس فيفنى في التشاؤم المهلك، أو يندفع إلى التفاؤل المهلك، ولكن نفس الإنسان أقوى من اليأس، وأقوى من أحداث الزمان؛ فهي تستطيع دائمًا أن تأمل، وهي تستطيع دائمًا أن تذكر أمس، وأن تفكر في غد، وأن تستمتع بذكريات الماضي، وأن تحلم بطيبات المستقبل.

والشر المطلق لا وجود له، كما أن الخير المطلق لا وجود له، أو قُلْ إذا شئت إن الإنسان العادي لا يستطيع أن يتصور الشر المطلق كما أنه لا يستطيع أن يتصور الخير المطلق وهو يسعد بمقدار، ولا أن يفسد الغرور عليه أمره وهو يشقى بمقدار إلا أن يفسد اليأس عليه أمره.

وهو من أجل ذلك ينتفع بالكوارث؛ لأنها ترده وتصرفه عن غيِّه، وتشعره بأن الحياة لا ينبغي أن تُؤخَذ على أنها هزل خالص، ولا على أنها جد خالص، وإنما هي مزاج من هذا وذاك فيها الرضا والسخط، وفيها الفرح والحزن، وفيها الابتسام والعبوس.

ولست أدري ما الذي يدفعني إلى هذا التفكير القاتم، بل لست أدري ما الذي يدفعني إلى التعبير عن هذا التفكير القاتم الذي صحبته أو صحبني منذ تتابعت أهوال الحرب، ولكني احتفظت به لنفسي، وضننت به على غيري، أو ضننت بغيري عليه.

لست أدري ما الذي يدفعني إلى هذا الحديث القاتم، ولم يطلب إليَّ أن أعظ الناس، ولا أن أبصرهم بجد الحياة وهزلها، وإنما طلب إليَّ أن أتحدث عمَّا أنتظره للديمقراطية بعد هذه الحرب.

وليتني أدري أيمكن أن تأتلف هذه الكلمات بعد هذه الحرب، فقد طالت هذه الحرب، وثقلت، وتتابعت أهوالها، وتوالت كوارثها، وتعمقت آثارها حياة الناس الذين يشعرون، ويفكرون، ويحسون التضامن الاجتماعي.

طالت هذه الحرب وثقلت، حتى أنستنا الماضي، وصرفتنا عن المستقبل، وشغلتنا باللحظات التي نحياها، أو التي يُتاح لنا أن نحياها، وحتى لو أرسلنا أنفسنا على سجيتها؛ لخُيِّل إلينا أن ليس لهذه الحرب قبل ولا بعد، ولكنا مع ذلك نذكر أن قد كان لهذه الحرب قبل، وأننا قد أنفقنا أعوامًا وأعوامًا كانت تمر فيها بنا الأيام والليالي والأسابيع والشهور، ونحن فارغون لحياتنا الخاصة مقبلون على ما ينفعنا وينفع الناس، لا يصرفنا عن ذلك شيء من هذه الكوارث التي لا يكاد العقل يتصورها، والتي تأخذ الحضارة من كل وجه، وتسعى إليها من كل صوب.

نعم؛ لا نزال نذكر أن قد كان لهذه الحرب قبل، نَعِمَ الناس فيه بلذات السلم واستمتعوا فيه بالعافية، ولا يزال تذكرنا لهذا الدهر القريب البعيد يُحبِّب إلينا العودة إليه، أو إلى شيء يشبهه، ويثير في نفوسنا الأمل في أن يكون لهذه الحرب بعد ينعم الناس فيه بالسلم، ويستمتعون فيه بالعافية.

وما يخطر لي أن أتصور هذا الدهر الذي ستنجلي عنه الحرب، ولا أن أشيد فيه القصور الإسبانية، وإنما أنا أرى هذه الحرب كما كان شعراؤنا القدماء يرون الليل إذا شكوا طوله، فظنوا أن نجومه قد شُدَّتْ بالحبال إلى الجبال؛ فهي لا تكاد تنتقل، والناس مع ذلك يذكرون فينعمون بالذكرى، والناس مع ذلك يحلمون فيستمتعون بالأحلام.

فلنتحدَّثْ إلى أبنائنا وشبابنا عن تلك الأيام التي لم تكن فيها حرب وإنما كانت كلها سلمًا وأمنًا ولذة ونعيمًا، ولنتحدَّثْ إلى أبنائنا وشبابنا عن أيام مقبلة لا حرب فيها ولا ضرب، ولا قتال فيها ولا نزال، وإنما فيها السلم، والأمن، واللذة، والنعيم، وفيها الآمال العراض، والأماني الباسمة، والمطامع البعيدة، والطموح الذي لا حد له، والسعي في آثار المثل العليا، والظفر بكثير مما تطمع فيه النفوس، وتطمح إليه القلوب، والثقة بأن ما يعسر على بعض الأجيال قد يسر لعضنا الآخر، وبأن الأبناء قد يبلغون ما قصر عنه الآباء، وبأن الغد قد يحقق ما عجز عن تحقيقه الأمس.

وإذا تحدثت إلى نفسي عن مستقبل الديمقراطية بعد أن تنتهي هذه الحرب فإن لي في هذا الحديث لغتين: إحداهما لغة التشاؤم والشك؛ لأننا شهدنا حربًا مضت، ورأينا بعدها سلمًا شملت الناس، وكنَّا نضيق بتلك الحرب الماضية كما نشقى بهذه الحرب الحاضرة، وكنَّا نعقد بتلك السلم التي انقضت آمالًا واسعة، وننوط بها أماني لا تنقضي، فلما أقبلت السلم لم تحقق من آمالنا الواسعة إلا قليلًا، ولم تُتِحْ لنا من أمانينا البعيدة إلا أهونها شأنًا وأقلها خطرًا.

وكنَّا نظن أن الحرب الماضية قد قتلت نفسها، وأن السلم قد عفت على آثارنا، وأن أمور الناس ستصير إلى عافية دائمًا، وأن مشكلاتهم ستُحَلُّ بينهم بالرضا والثقة المتبادلة.

وكنَّا نظن أشياء كثيرة، وكنَّا نأمل أكثر مما كنَّا نظن. فلم تكد تتقدَّم الأيام بتلك السلم؛ حتى تبين أن ظنوننا إنما كانت لغوًا، وأن آمالنا قد ذهبت هباء، وأن الحرب لم تقتل نفسها، وأن السلم لم يُعَفِّ آثار الحرب، فلا غرابة إذا فكرنا في غد مع كثير من التحفظ والاحتياط والإشفاق أن تكون عاقبة هذه الحرب كعاقبة الحرب الماضية، وأن تكون السلم المنتظرة عقيمًا مجدبة كالسلم التي انقضت في سبتمبر سنة ١٩٣٩؛ فهذه إحدى اللغتين اللتين أتحدث بهما إلى نفسي إذا فكرت في مستقبل الديمقراطية.

فأما اللغة الثانية فلغة أمل ورجاء وثقة؛ ذلك أن الإنسان لم يُعَلَّم إلا ليعلم كما قال الشاعر القديم، وإن من طبيعته الانتفاع بالحوادث، والاستفادة من التجارب، وقد أسرف في الأمل على نفسه أثناء الحرب الماضية، فأسرف عليه اليأس بعد انقضاء تلك الحرب؛ فالخير إذن أن يقتصد في الأمل، وأن يكون رجاؤه معتدلًا، وأن تكون أمانيه معقولة تحد بطاقة الناس وقدرتهم على الإصلاح.

وقد ظن الأوربيون في أعقاب الحرب الماضية أنهم قهروا الطغيان إلى أمد بعيد جدًّا، وأنهم قد أقاموا على أنقاضه عالمًا قوامه العدل، والقسط، والإنصاف، ولكنهم حين ظنوا ذلك لم يخدعوا أنفسهم وإنما خدعوا كثرة الناس؛ ذلك أنهم لم يكونوا فيما بينهم وبين أنفسهم واثقين بأنهم قتلوا الطغيان حقًّا، والطغيان الألماني لا يُقتَل بهزيمة تلقاها ألمانيا خارج حدودها، وإنما يُقتَل في موطنه حين تُقتحَم الحدود الألمانية، وحين يزول السلطان الألماني، وحين تذوق ألمانيا في وقت طويل أو قصير مرارة الغزو التي أذاقتها للآخرين، ومرارة التسلط الأجنبي الذي بعد عهدها به.

هنالك يُنتظَر أن يثوب إلى الشعب الألماني شيء من رشد وحظ من قصد، وهنالك يُنتظَر أن يبرأ الشعب الألماني من بعض غروره، ويؤمن بأنه كغيره من الشعوب قد يُتاح له النصر وقد تقضي عليه الهزيمة، وهنالك يعتدل الشعب الألماني في أطماعه، ويكبح من جماحه، ويطمئن إلى أنه يستطيع أن يقنع بالمساواة بينه وبين غيره من الشعوب، ويومئذ يمكن أن يُقْبِل مخلصًا على التعاون مع غيره في إقامة النظام الجديد على أساس من العدل والقصد، وعلى رغبة في المساواة والإنصاف.

فأما أن ينهزم الشعب الألماني خارج حدوده كما انهزم في الحرب الماضية، فذلك شيء يريح الناس من الطغيان الألماني وقتًا ما، ولكن الشعب الألماني نفسه لا يلبث أن يتساءل عن هذه الهزيمة التي لم يرها رأي العين، ولم يَذُقْ آثارها في أرضه ثم لا يلبث أن ينكرها، ثم لا يلبث أن يرى نفسه مظلومًا، ثم لا يلبث أن يحاول إنصاف نفسه.

والمظلوم معرض متى استطاع إلى أن يصبح ظالمًا مسرفًا في الظلم؛ فحدود الإنصاف ليست واضحة، والفروق بين الإنصاف والانتقام ليست بيِّنة.

وكما أن الذين نظموا العالم بعد الحرب الماضية لم يكونوا واثقين بالانتصار، فهم كذلك لم يكونوا واثقين بأنفسهم، أو بعبارة أدق لم يكونوا مخلصين لأنفسهم في تلك الثقة التي كانوا يظهرونها، فلم تكن معاهدة الصلح تمضي حتى جحدتها الولايات المتحدة الأمريكية، ولم تكد عصبة الأمم تنشأ حتى جحدتها الولايات المتحدة الأمريكية، فتركت أوروبا لنفسها فلم تصنع شيئًا، وهي لم تصنع شيئًا؛ لأنها لم تخلص لنفسها، وإنما قام سوء الظن أساسًا لما كان بينها من الصلات؛ فألمانيا مغلوبة، فهي تسيء الظن بغالبيتها وهم يسيئون بها الظن، وإيطاليا ترى أنها قد ظفرت من الغنيمة بأقل مما كانت ترجو، وإنجلترا وفرنسا تتنافسان في سيادة البر والبحر. وقد انحازت روسيا إلى نفسها، وعكفت على ثورتها، وفرغت لبغض الغالب والمغلوب جميعًا؛ ولذلك مضت الحرب الكبرى دون أن يجني الناس منها إلا شرها، وأقبلت سَلْمٌ عرجاءُ لم ينتفع بها إلا المهرة الذين يحسنون الصيد في الماء العكر، ويحسنون ملأ حقائبهم وجيوبهم إذا أظلم الليل.

وكذلك فرغت أوروبا من حرب الشعوب، ولكنها لم تنتهِ إلى السلم، وإنما انتهت إلى الهدنة، وإلى هدنة غير خالصة، إلى هدنة في السياسة الخارجية، وإلى حرب بين الطبقات فسدت بها السياسة الداخلية للأمم فسادًا عظيمًا.

ولم تَمْضِ أعوام قليلة على السلم حتى استيقن أولو البصائر أن الحرب مقبلة لا محالة، وأن الشعوب عائدة إلى شر مما كانت فيه، وأن النظم السياسية والاجتماعية التي كانت تقوم عليها أمور أوروبا لم تكن صالحة للبقاء، وإنما كانت موقوتة تنتظر من يسبق إلى هدمها.

وقد سبق الثائرون في روسيا فهدموا من ناحيتهم وحاولوا البناء. ثم سبقت إيطاليا، ثم تبعتها ألمانيا، وانقسمت أوروبا إلى قسمين متباعدين أشد التباعد أحدهما يقوم على دكتاتورية مهلكة لحرية الفرد والجماعة وكرامة الإنسان، والآخر يقوم على ديمقراطية مزعزعة مسرفة في حرية الفرد.

والجماعة مقصرة مع ذلك في إنصاف الفرد من الجماعة، وفي إنصاف الضعفاء من الأقوياء، والفقراء من الأغنياء، والعاملين من الذين لا يعملون.

ولم يكن الإنسان محتاجًا إلى كثير من الذكاء ليفهم أن دوام تلك الحال قد كان من المحال، ولم تلبث الحوادث أن أثبتت أن الحياة الأوروبية لم تكن معقولة، ولا قادرة على البقاء.

كل هذا قد تعلَّمه الإنسان في هذا العصر الذي انقضى بين حربين، فواحدة من اثنتين: إما أن يكون الشاعر صادقًا حين قال:

وَمَا عُلِّمَ الْإِنْسَانُ إلا لِيَعْلَمَا

وإما أن يكون التاريخ صادقًا فيما أنبأنا به من أن الإنسان منتفع دائمًا بالحوادث، مستفيد دائمًا من التجارب، ماضٍ دائمًا إلى أمام.

وإذن؛ فمن حقنا أن نرجو وأن نأمل، وأن نثق بأن للديمقراطية بعد الحرب مستقبلًا رائعًا مزهرًا، وإما أن يكون ظننا بحكمة الحكماء، وفلسفة الفلاسفة، وعِبَر التاريخ، واستعداد الطبيعة الإنسانية للرقي، وقدرة العقل الإنساني على قهر المصاعب، والخروج من الخطوب منتصرًا عليها كاذبًا. وإذن؛ فهو اليأس لا من الديمقراطية وحدها، ولكن من الحضارة الإنسانية كلها.

والحمد لله على أني لست من اليائسين، وعلى أني لا أفهم لليأس معنى مع الحياة، كما كان يقول مصطفى كامل رحمه الله، فهذه الكارثة الهائلة التي تخضع لها الإنسانية الآن ليست الكارثة الأولى، ولن تكون الكارثة الأخيرة مع الأسف، وقد تعرضت الحضارة الإنسانية لكوارث أخرى ساحقة ماحقة، فظهرت عليها وانتفعت بها، وخرجت منها أشد تألقًا وأكثر إشراقًا مما كانت قبل أن تلم بها الكارثات.

ولست أدري لِمَ لا تخرج الحضارة ظافرة من هذه الكارثة، كما خرجت من الكوارث الماضية، وهي الآن أشد أيدًا، وأصلب عودًا، وأمضى حدًّا، وأقدر على المقاومة، وأقدر على النفوذ أيضًا؟!

أنا إذن واثق بأن ليس على الحضارة الإنسانية خطر حقيقي من هذه الحرب مهما يعظم هولها، وأنا إذن واثق بأن الديمقراطية هي خير ما عرف الناس من نظم الحكم من الناحيتين السياسية والاجتماعية، وأنا من أجل هذا كله مطمئن إلى أن الحضارة إن خرجت ظافرة من هذه الحرب، فستخرج الديمقراطية معها ظافرة؛ لأن الحضارة الصحيحة في هذا العصر لا تستطيع أن تقوم إلا على الحرية … الحرية التي تسع الأفراد والجماعات والشعوب، الحرية التي تمنع الأفراد من أن يظلم بعضهم بعضًا، وتمنع الشعوب من أن يظلم بعضها بعضًا.

وأكاد أعتقد أن هذه الحروب التي خضعت لها الإنسانية، والتي عرَّضت الحضارة لشر عظيم، إنما هي لون من ألوان الجهاد الذي تبذله الإنسانية لتظفر بهذه الحرية، والذي تشقى به الإنسانية كثيرًا بين وقت ووقت لتنعم بما نتج لها من الحرية كثيرًا أيضًا.

والشيء الذي لا أستطيع أن أشك فيه هو أن العقل الإنساني قد وصل إلى حد من الرقي لا يستطيع معه أن يقبل الضيم، أو يصبر على الذل، أو يعيش إلا في ظل الكرامة.

وأنا أعلم أن نُظُم الطغيان قد قامت في أوروبا، وبأنها تكلف الناس من أمرهم شططًا في هذه الأيام, ولكني أعلم أيضًا أن هذه أزمات تتعرض لها الحياة الإنسانية بين وقت وآخر، وأن هذه الأزمات رهينة بالأشخاص الذين يثيرونها، أو بالظروف الطارئة التي تقتضيها. فمتى مضى هؤلاء الأشخاص ولا بد من أن يمضوا، ومتى تغيرت هذه الظروف ولا بد من أن تتغير لأن الحياة تغير مستمر؛ استأنف العقل الإنساني طريقه في سبيل الرقي.

وهذه الطريق جميلة رائعة، تقوم فيها من حين عقبات وصعاب، ولكنها تمضي دائمًا في ظلال من الحرية والكرامة والأمل والمثل العليا.

فإذا أردت أن تعرف رأيي في مستقبل الديمقراطية إذا انتهت هذه الحرب فلست أستطيع أن أعرض عليك رأيًا بعينه، ولا أن أرسم لك صورة بعينها، وإنما أستطيع أن أعرض عليك ثقة متينة وأملًا باسمًا.

فأما الثقة فبانتصار الحضارة والنور على الجاهلية والظلمة، وأما الأمل ففي أن يستفيد الناس من دروس الحرب الماضية والسلم الماضية أيضًا، وفي أن يذكروا أنهم قد أقاموا الصلح الماضي على سوء الظن، وعلى سوء النية، وعلى سوء التقدير، وعلى التنافس والتحاسد، وعلى الخديعة والمكر، فجنوا من هذا كله شرًّا عظيمًا. فهم الآن خليقون ألا يتورطوا فيما تورطوا فيه أمس، وأن يقيموا صلحهم المقبل على حسن تقدير الأمور، وعلى أخذها بالحزم والعزم، وعلى الثقة الصادقة، والتعاون القائم على الإخلاص.

ويُخيَّل إليَّ أن تجنب الأغلاط التي اقتُرِفَتْ في وضع معاهدة فرسايل وفي تنفيذها، كفيل بأن يضمن للناس ديمقراطية، لا أقول كاملة؛ فليس إلى الكمال من سبيل، ولكنها ديمقراطية قريبة من العدل، يستمتع فيها الفرد بحريته وكرامته، وينعم فيها بطيبات الحياة لا يظلمه القوي، ولا يستغله الغني، وتأخذ فيها الشعوب بحظوظها من الحياة الحرة. لا تستأثر فيها الشعوب القوية بالسيادة والغنى من دون الشعوب الصغيرة، وإنما تقوم حياة الأفراد والجماعات والأمم على شيء من الحب والرفق والعدل والإنصاف.

منى إن تكن حقًّا تكن أحسن المنى

وإلا فقد عشنا بها زمنًا رغدا

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.