لأمرٍ ما كانت القرارات التي أصدرتها هيئة الأمم المتحدة في نوفمبر الماضي مخيفة مزعجة تُذعِن لها الدول الكبرى والدول الصغرى جميعًا.

ولأمرٍ ما أصبحت القرارات التي تصدرها هيئة الأمم المتحدة في هذا الشهر الأول من العام الجديد هيئة لا تخيف صغيرًا ولا كبيرًا، ولا يذعن لها قوي ولا ضعيف؛ ففي شهر نوفمبر الماضي أصدرت هيئة الأمم المتحدة أمرًا إلى المعتدين على مصر — كبارهم وصغارهم — بالجلاء عن أرضها.

فلم يكد هؤلاء المعتدون يترددون حتى أقدموا، ولم يكادوا يتلكَّئون حتى أذعنوا صاغرين، فأعلنوا السمع والطاعة وأزمعوا الجلاء، وفي نفوسهم ما فيها من الغيظ والضيق، وفي قلوبهم ما فيها من الحقد والحنق، ولكنهم أذعنوا وأنفذوا الأمر في غير مراجعة ولا جدال.

فأما في هذا الشهر من العام الجديد، فقد أصدرت هيئة الأمم المتحدة نفسها أمرًا آخر إلى دويلة ضئيلة ليست بذات خطر إذا ذكرت الدول والدويلات.

أصدرت إليها أمرًا بالجلاء عن الأماكن التي لم تَجْلُ عنها بعدُ، ولكن هذه الدويلة الضئيلة غير ذات الخطر لم تسمَع ولم تُطِعْ ولم تُسرِعْ إلى الإذعان أو إظهار الإذعان، وإنما أبت وأصرَّت على الإباء، وكابرت وألحَّت في المكابرة، وجعلت تشترط للجلاء شروطًا وتضع له قيودًا، بل جعلت تتحدى وتُمعِن في التحدي حتى اضْطُرَّ سكرتير هيئة الأمم المتحدة أن يُعِدَّ تقريرًا جديدًا يصف فيه هذا العناد، واضْطُرَّتْ هيئة الأمم المتحدة نفسها إلى أن تجتمع مرة أخرى غدًا أو بعد غدٍ أو بعد أيام لا أدري؛ لتنظر في هذا العناد الغريب، وتلتمس الوسيلة إلى حَمْلِ إسرائيل على أن تسمع وتطيع وتنفذ ما صدر إليها من أمر في غير تلكؤ ولا إبطاء.

والله يعلم أَتَبْلُغُ الهيئة من هذه الدويلة الضئيلة ما تريد أم تُذعِن هي لأمر إسرائيل.

مهما يكُن من شيء فإن تحولًا خطيرًا قد كان وشيئًا جديدًا قد حدث، وهو أن كلمة الأمم المتحدة أصبحت غير مسموعة لمجرد إصدارها، بل لا بد أن تُعاد مرة أخرى أو مرتين أو مرات على شيء من الشك في عاقبة الإعادة والتكرار.

أمر جديد قد حدث اقتضى أن تعصي إسرائيل بعد أن أطاعت، وترفض بعد أن قبِلت، وتُكابر بعد أن أذعنت بريطانيا كلها وفرنسا كلها وجلت كلتاهما عن بورسعيد.

فما عسى أن يكون هذا الأمر الجديد؟

وما عسى أن تكون هذه القوة الخارقة الطارئة التي أتاحت لإسرائيل أن تقف من الأمم المتحدة هذا الموقف الجديد الغريب، وطوَّع لوزير الخارجية الفرنسية أن يقول إن جلاء إسرائيل عن غزة وعن خليج العقبة مستحيل، يمكن أن يكون هذا الأمر الجديد هو اقتراح الرئيس الأمريكي الذي يُدرَس الآن في برلمان الولايات المتحدة.

فهذا الاقتراح يشجع الاعتداء إذا قامت به دولة غير شيوعية على بلد من بلاد الشرق الأدنى أو الأوسط، أو هو على الأقل لا يكفُّه ولا يقاومه ولا يعرض له من قريب أو من بعيد.

ذلك أن الرئيس الأمريكي يريد أن يعين بلاد الشرقين الأدنى والأوسط ويحميها من العدوان الذي تقوم به دولة شيوعية.

فأما العدوان الذي تقوم به دولة غربية أو دولة ربيبة للدول الغربية، فهو لا يخيف الرئيس الأمريكي، ولا يثيره، ولا يقتضي منه حماية أو عونًا. ألا يمكن أن يكون هذا الاقتراح الغريب قد أمَّن إسرائيل وشجَّعها على المكابرة والعصيان، وأمَّن شركاءها في العدوان، وأتاح لهم أن يشجعوا إسرائيل، وأن يُقَوُّوهَا ويؤيدوها ويُغرُوها بهذا الموقف الغريب الذي تَقِفُهُ الآن. بل نستطيع أن نمضي إلى أبعد من هذا فنسأل أنفسنا ونسأل أصدقاءنا الأمريكيين: ما عسى أن يصبح رئيسهم إذا أرادت روسيا السوفيتية — وهي الدولة الشيوعية الكبرى — أن تنذر إسرائيل وتحذرها عواقب هذا العناد؟ أيظل الرئيس الأمريكي هادئًا مطمئنًّا مخليًا بين روسيا السوفيتية وبين ما يمكن أن تُقْدِمَ عليه من النذير والتحذير؟ أم يرى الرئيس الأمريكي أن إسرائيل قد أصبحت بإرادة الغرب الأمريكي الأوروبي دولة من دول الشرق الأدنى، وأصبح من حقه ومن الحق عليه بمقتضى اقتراحه هذا أن يحميها إن عرضت لها هذه الدولة الشيوعية الكبرى بما تكره من النذير أو التحذير، فضلًا عن أن تعين على إجلائها عمَّا تحتله من أرض مصر؟

وكذلك تقيم إسرائيل للبرلمان الأمريكي نفسه أثناء درسه لهذا الاقتراح الدليل القاطع على أن هذا الاقتراح مصدر شر لا خير، ومصدر حرب لا سلم، ومصدر تشجيع على العدوان لا كف عنه ولا تخويف من عواقبه. بل تُقيمُ الدليل القاطع على أن هذا الاقتراح مصدر إهدار لقوة الأمم المتحدة، وإلغاء لهيبتها، وتمكين لكل دولة غير شيوعية من أن تخالف ميثاقها وتسخر من قراراتها وتعصي أمرها، وهي آمنة مطمئنة لا يستطيع أحد مهما يكن أن يردها بالرفق أو بالعنف عمَّا تُقدِم عليه من العدوان. ولكن السؤال الذي يعرضه الآن وينتظر جوابًا هو: هل يقدر البرلمان الأمريكي هذا الدليل أم هل يعرض عنه إعراضًا؟ ويقر الاقتراح ويمكن لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية أن يغرس في الشرق الأدنى والأوسط هذه الشجرة الأثيمة شجرة العدوان التي تتيح للغرب وحلفاء الغرب أن يفعلوا الأفاعيل ويصبحوا قادرين على أن يعتدوا متى شاءوا على من شاءوا، معتمدين على أن أحدًا لن يستطيع أن يعرض لهم بسوء؛ لأن الرئيس الأمريكي من ورائهم يعينهم بالمال ويحميهم بالقوة والبأس والقنابل الذرية ويقوم دونهم حائلًا بين روسيا السوفيتية وبين التدخل في عدوانهم؟

ولكن ما عسى أن تكون العواقب إذا أبت روسيا السوفيتية أن تذعن لقوة الرئيس وبأسه وأسلحته الذرية؛ لأنها تملك من هذا كله مثل ما يملك، ولأنها تأبى أن يصبح الشرق الأدنى والأوسط خالصًا للغرب يتحكم فيه كيف يشاء ويصنع بأهله ما يشاء؟ يومئذٍ تكون الكارثة العالمية الكبرى ليس في ذلك شك. وأغرب من هذا كله أن تغيب عواقب هذا الاقتراح على الرئيس الأمريكي، وعلى البرلمان الأمريكي الذي يدرس اقتراحه الآن، وعلى الشعب الأمريكي وفيه كثير من القادرين على أن يفقهوا هذه الأشياء ويقدروا نتائجها ويبصروا مواطنيهم بعواقبها.

والشيء المحقق هو أن هناك كيدًا قد كِيدَ وأمرًا قد دُبِّرَ بليل، فلم يجلُ البريطانيون والفرنسيون عن بورسعيد إلا وهم مؤمنون بأنهم قد فتحوا باب العدوان، وأنهم لن يغلقوه حتى يُتِمُّوا انتقامهم من مصر؛ لأنها أمَّمت القناة، ولا عليهم أن يعدلوا عن العدوان الصريح.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.