كان ذلك منذ خمسين سنة أو نحوها، وكنا في مستهل الإجازة الدراسية وقد ذهبت أقضيها بقريتنا في الريف، وكنت منقولًا إلى السنة النهائية من دراستي الثانوية بالمدرسة الخديوية؛ لذلك لم يأبَ عليَّ والدي — وقد قضيت قرابة أسبوعين معهم في القرية — أن أذهب إلى المنصورة عاصمة مديريتنا «الدقهلية» لأقضي أيامًا مع ابن عمي وهو لي نِعْمَ الصديق، وكان والده الشيخ محمود نجم الدين ابن عم والدي، فكان جدَّانا شقيقَين. وكان الشيخ محمود نقيبًا لأشراف الدقهلية، وكان رجلًا أديبًا فاضلًا، وكانت له مكتبة تحوي مئات المجلدات في اللغة والأدب والتاريخ، ولا تزال هذه المكتبة شاهدًا على واسع فضله؛ إذ تقوم باسمه بين مكتبة مجلس بلدي المنصورة.

وأقمت بمنزل عمي. وإني لأطالع في أحد كُتبه يومًا إذ رأيت مؤلِّف الكتاب يقول: إن من شاء أن يقف على أمهات الأدب العربي فعليه أن يطَّلع على ستة كتب، أذكر الآن منها: البيان والتبيين للجاحظ، ومجمع الأمثال للميداني، والكامل للمُبَرِّد … إلخ، قلت في نفسي: أتُراني أجد هذه الكتب كلها في المنصورة؟ وإن وجدتها فليس معي من النقود ما يكفي لدفع ثمنها، ماذا عساي أن أصنع للتغلب على هاتين العقبتين والحصول على بُغيتي؟

وسألت ابن عمي فأخبرني أن بالمنصورة بائع كتب يُدعَى الشيخ سعيد حلقة، وأنه يستطيع أن يستحضر لي من مصر ما لا يكون عنده، ولم ألبث حين سمعت هذا الكلام أن هرولت إلى الشيخ سعيد، فلما أحدث ابن عمي التعارف بيني وبينه رحَّب بي أيَّما ترحيب، واستمع إليَّ وأخبرني أنه يستطيع أن يجيئني بهذه الكتب وأن يسلمها لي بعد يومين، فإذا لم تعجبني لسبب من الأسباب أو لم يعجبني بعضها، فلست مضطرًّا لأخذ ما لا يعجبني.

اغتبطت بهذا الكلام أيَّما اغتباط، فإنه ينقذني من مشكلة النقود إذا لم أجد لها حلًّا خلال هذين اليومين، ولم يَدُرْ بخاطري أن أذكرها لعمي مخافة أن يسوء ذلك والدي، أو يسوءني إذا لم يفرِّج عمِّي همِّي، وإني لكذلك أفكر في الأمر ولا أهتدي له إلى حل إذ رأيت رجلًا من أعيان بلدنا يدخل بيت عمي، فهرولت إليه وفضضت له جلية أمري، وسألته إن كان يستطيع أن يقرضني المبلغ الذي ذكره لي الشيخ سعيد، فإذا وصل إلى القرية أخذه من والدي، وابتسم الرجل مغتبطًا وأخرج المبلغ من جيبه وأعطانيه.

وذهبت إلى الشيخ سعيد في الموعد الذي عيَّنه، فألفيت الكتب في انتظاري، فأخذتها ودفعت ثمنها، وأسرعت بها إلى بيت عمي وكأني حصلت على كنز لم يعثر عليه أحد غيري.

ولما عدت إلى القرية طلب والدي أن أُطلعه على هذه الكتب، فلما رآها اطمأن وقال: كذلك يجب أن تصرف النقود، وكانت هذه الكتب هي النواة الأولى لمكتبتي.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.