لم يكن من جُناة تلك الحرب التي سيخذى لها جبين الإنسانية المتحضرة في يوم من الأيام القريبة، ولكنه اصطلى حَرَّها وبلى مُرَّها، كما بلته مئات كثيرة من ألوف الناس الذين لا ذنب لهم إلا أنهم عرب لم تُتَحْ لهم وسائل الذَّوْدِ عن حياضهم والاحتفاظ بحقهم في الحياة الكريمة التي تأذَّن اللَّه بأنه قد أسبغ نعمتها على الناس جميعًا، وقصَّر جيرانهم من العرب أو أخطأهم التوفيق حين خَفُّوا لنجدتهم فلم يبلغوا مما أرادوا شيئًا، ولم يحفظوا على إخوانهم المضيَّعين من حقهم في الحياة الكريمة قليلًا ولا كثيرًا.

لم يَجْنِ هذه الحرب، ولكنه ذاق آلامها مروِّعة، واحتمل أثقالها مُفْظِعَة، ثم خلا إلى نفسه بعد أن أُتيحت له العافية المُرة والسلامة التي لا يسعد بها أصحابها، فجعل يفكر فيما رأى ويتدبر ما أحس من لوعة، وما احتمل من شِقوة، وما بقي في نفسه وفي نفوس مئات الألوف الكثيرة من حسرات. جعل يفكر في هذا كله؛ لماذا كان؟! وكيف كان؟! وإلى أي عاقبة سينتهي به وبقومه وبالعرب أجمعين كل هذا الذي كان؟ وأطال التفكير في ذلك والتدبر له، وجعلت الليالي تمر والأيام تَكِرُّ والحسرات متصلة في نفسه وفي نفوس مئات الألوف الكثيرة من أبناء وطنه، تضنيها وتُعَنِّيها ولا يزيدها مر الليالي وكرُّ الأيام إلا لذعًا وإمضادًا، وهو وأمثاله من أبناء وطنه ثابتون لها صابرون عليها ولعلهم أن يستزيدوها لذعًا وإمضادًا؛ لأنهم حراص على أن يذكروا … على أن يذكروا كل شيء، وأن يذكروه دائمًا، وأن يُشْعِروه قلوبَ أبنائهم وبناتهم، وأن يملئوا به الأرض إن استطاعوا إلى أن يملئوها به سبيلًا، وأن يُبَلِّغُوه ضمائر الذين بقي لهم حظ من الشعور بالعدل والاستخذاء من الظلم الذي يقع في النهار المبصر على الأبرياء الذين لا ذنب لهم، إلا أنهم لا يملكون وسائل الدفاع عن أنفسهم. ثم لم يكتف بالتفكر والتدبر ولا بالتضور ألمًا لهذه الحسرات التي تقض مضجعه ومضاجع أمثاله من أبناء وطنه إذا أظلم الليل وتفرق نفسه ونفوس أمثاله إذا أضاء النهار.

لم يكتفِ بالتفكير والتدبر، ولكنه أراد — أو أُكرِه على أن يريد — الإعراب عن بعض ما يجب لعمل غيره من الذين يشاركونه في الإنسانية ويشاركونه في الشعور بحق الناس في العدل، وفي النفور من هذا الظلم الصارخ البشع الذي يُصَبُّ على الناس لغير ذنب إلا أنهم ضعفاء. لعل غيره من هؤلاء الناس يجدون بعض ما يجد ويَشْقَوْنَ ساعة من ليل أو ساعة من نهار بهذا الذي يشقى به ويشقى به أمثاله من أبناء وطنه ساعات الليل والنهار كلها.

أراد هذا كله فكتب، ولكنه لم يكتب شكاة إلى أحد ولا رجاة لأحد ولم يُصور قلمه هذه الزفرات التي تتأجج في قلبه وفي قلوب مئات الألوف الكثيرة من أمثاله، ولم يصور قلمه هذه الدموع الغزار التي تأبى العيون أن تفيض بها تجملًا وترفعًا، فتنصبُّ في القلوب كما يقول الشاعر العظيم جوته، ولكنها لا تنصبُّ في القلوب ماءً وإنما تنصب فيها نارًا، فتزيد ما يتأجج فيها من الزفرات قوة وإضرامًا.

لم يصور كتابه زفرات ولا دموعًا ولا حسرات أيضًا؛ لأنه لم يكتب بقلبه وحده ولا بضميره وحده، وإنما أشرك عقله فيما كتب وجعل لعقله السيطرة كاملة شاملة على قلبه وضميره، وآثر أن يتحدث إلى عقول الناس فأبلغَ وأدركَ أكثر مما أراد، تحدث إلى عقولهم فلم تُقَصِّر هذه العقول في أداء ما وعت إلى الضمائر والقلوب.

وإذا هو يُقنع العقول بأن الصلح مع الظالمين إجرام ما دام ظلمهم قائمًا، ويُشعر القلوب بأن من الخزي أن ترضى وقلوبٌ أخرى لإخوان لها تتحرَّق حزنًا وتتشقق لوعة وألمًا، وأقر في الضمائر أن الرضى بقصة فلسطين وظلم إسرائيل وأعوانها إنما هو مشاركة في الإثم ورضًى بما لا يرضى به إلا الذين برئوا من الإنسانية واستحقوا خزي الدنيا والآخرة جميعًا.

هذا هو الأثر أو بعض الأثر الذي تركتْه في نفسي قراءة كتاب الأستاذ عميد الإمام عن الصلح مع إسرائيل. قرأته مُستأْنِيًا، فكنت أشعر بالضيق أشد الضيق أثناء قراءته، وكنت أستحبُّ ما أجد من الضيق، وأطلب إلى صاحبي أن يزداد أناة في القراءة لأزداد استمتاعًا بهذا الضيق، إن صح أن الناس يستمتعون بما تجد نفوسهم وقلوبهم وضمائرهم من اللوعة والأسى. ثم فرغتُ من هذه القراءة، ولكني على اشتغالي بكتب أخرى كثيرة مختلفة، وعلى اشتغالي بما يضطرب فيه الناس من حياتهم وأمورها المعقدة، لم أَنْسَ هذا الكتاب ولم أُصرف عنه، وإنما ذكرته منذ قرأته وعدت إليه غير مرة أقرأ منه هذا الفصل أو ذاك، وربما عدت إليه فجعلت أقرأ فصوله كلها لأستحضر سائرها.

كنت أجد راحة مُمِضَّةً إلى هذا الكلام المُرِّ، وكنت وما زلت أتمنى أن يقرأه كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وأن يقرأه الشباب خاصة والشباب الذين لم تتقدم بهم السن بنوع أخص؛ لينشئوا مع هذه الفكرة، فكرة الشعور بمرار الظلم والغضب للمظلومين حتى يتم لهم الإنصاف كاملًا موفورًا.

لم يعلمني هذا الكتاب شيئًا جديدًا؛ فقد كنت أعرف من قصة فلسطين ما يعرفه أمثالي من الناس، وكنت أجد من الأسى لأهل فلسطين ما يجد أمثالي من الناس، ولكني على ذلك أقرأ هذا الكتاب وأقرأ وأقرأ فلا أملُّ مرارته وإنما أستحبها. وهذه مَزِيَّة الكتاب الذي يصور العقل والقلب والضمير؛ لأن صاحبه قد كان صادقًا منذ أخذ في كتابته إلى أن فرغ منها.

ولا أعرف شيئًا أبلغ تأثيرًا في النفوس وأنفذ إلى أعماق الضمائر من صدق اللَّهجة حين يُتاح صدق اللَّهجة لكاتب من الكتاب، وأشهد لقد أُتيح للأستاذ عميد الإمام أن يكون صادق اللَّهجة في كل ما قال.

وأبرع ما في هذا الكتاب أن صاحبه استطاع أن يقهر عواطفه وأن يروِّض آلامه المُمِضَّة وآماله الحزينة المضطربة، وأن يكون موضوعيًّا كما يُقال في كل كلمة خطها قلمه في هذا الكتاب؛ فهو لا يتزيَّد ولا يتكثَّر ولا يرسل لقلمه العنان، وإنما يضبطه أشد الضبط ويجريه في أعظم التحفظ والاحتياط، فيستقصي حين يجب الاستقصاء ويحصي حين يَحْسُن الإحصاء، ويحلل ويعلل كلما احتاج البحث إلى التحليل والتعليل، ويتتبع الأمور من مصادرها الأولى إلى مواردها الأخيرة، ويَردُّ أعمال اليهود — والصهيونيين منهم خاصة — وأقوالهم وخواطرهم وهواجسهم إلى أصولها من العهد القديم والعهد الجديد، ويصور براعتهم وسعة حيلتهم في السعي والدأب وفي الكيد والمكر، وفي شراء العقول والضمائر بالمال حين يحتاجون إلى شرائها بالمال، وفي استغلال سلطان المال على الحكومات إلى أقصى حد، وفي انتهاز الفرص والانتفاع بما يصيبهم من المظالم وما يُصَبُّ عليهم من الآلام، وفي الاستزادة من المظالم والآلام لاستثارة الشفقة والرحمة حينًا ولترويع الضمائر وتفزيعها حينًا آخر.

يصور هذا كله في دقة أي دقة، وفي هدوء أي هدوء، كأن الأمر لا يمسه ولا يمس قومه من قريب أو بعيد، وكأنه يكتب في موضوع لا يعنيه إلا أن يؤديه إليك أداء صادقًا، ليتيح لك أن تحكم عليه حكمًا صادقًا، ثم ترتب على حكمك ما ينبغي أن ترتب عليه من النتائج حين تعمل وحين تقول.

ولِمَ لا أعترف بالحق فأقول إني لم أكن أعرف صاحب هذا الكتاب، وكنت أظنه مواطنًا مصريًّا ولد ونشأ في مصر، وكنت أعجب بما أتيح له في هذا الكتاب من التوفيق بين البحث الدقيق الموضوعي والشعور الحاد العاطفي وما نشأ عن ذلك من صدق اللَّهجة وحسن المدخل إلى العقول والقلوب جميعًا.

فلما عرفت بِأَخَرَةٍ أن صاحب الكتاب فلسطيني شهد المأساة واصطلى نارها، ازداد إعجابي بهذا الذي عرف كيف يكتم ألمه ويكظم غيظه ويملك نفسه ويؤدي إلينا هذا الكتاب في هذه الأناة وفي هذا الهدوء وفي هذا الصدق العجيب.

ولست أدري أأهنئ الأستاذ عميد الإمام بهذا الكتاب الرائع البارع، أم أَسْتَأْنِي بالتهنئة لعل اللَّه يُتيح لنا يومًا من الأيام نهنئه ونهنئ إخوانه فيه بما هو أبلغ وأشد روعة من هذا الكتاب، بالنصر الذي يرد على الفلسطينيين حقهم ويرد على العرب كرامتهم ويعصم الإنسانية من هذا الخزي البغيض، ولكن على كل حال أهدي إليه أصدق الشكر وأجمله لأنه أتاح لي هذه المتعة المُرَّة بقراءة كتابه الممتع المر.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.