نعم … هو عهد جديد هذا الذي استفتحته مصر بقرار مجلس الثورة؛ عهد جديد ألغى الرقابة على الصحف، ومهَّد لقيام جمعية وطنية منتخبة تتولى اختصاص البرلمان إلى أن ينعقد البرلمان، وقرر إلغاء الأحكام العرفية قبل انتخابات الجمعية الوطنية، كما قرر إعادة النظر في كثير من الشئون التي تمت خلال التسعة عشر شهرًا الأخيرة، ثم قرر أن تنظر الجمعية الوطنية في القوانين التي صدرت خلال هذه الأشهر التسعة عشر؛ لتقر منها ما يتفق والمصلحة العامة، وتلغي ما لا يتفق وهذه المصلحة.

وقد كان البكباشي جمال عبد الناصر حصيفًا كل الحصافة حين أعلن أن من شاء من أعضاء مجلس الثورة أن يتابع حياته السياسية فقد وجب عليه أن يخلع زيه العسكري، وأن يترك الجيش حتى يعود الجيش إلى وظيفته الطبيعية فيترك شئون السياسة للمدنيين، وتقتصر مهمته على الدفاع عن البلاد وسلامتها.

هذه خطوة أولى نحو العود إلى الحياة الديمقراطية السليمة، وهي مع ذلك خطوة واسعة فسيحة المدى، وهي إن دلَّت على شيء فعلى تمسك هذا الشعب بمبادئ الحرية والديمقراطية، وعلى أنه لن يرضى عنهما بديلًا.

والشعب المصري مغتبط كله بهذه الخطوة لا ريب، لكن اغتباطه لن ينسيه ما مر به من تجارب في السنتين الأخيرتين، ولن ينسيه كذلك ما مر به من تجارب خلال الثلاثين سنة الماضية، فقد جاهدت مصر في سبيل حياتها الحرة الدستورية منذ ثمانين عامًا أو تزيد، وقد ظفرت بالحياة الديمقراطية البرلمانية في سنة ١٨٨٢، ثم عدت العوادي على هذه الحياة حتى رُدت إلينا في سنة ١٩٢٤، وكأنما أنسانا مر هذه العشرات من السنين ما قاسيناه خلالها، فوقعنا في سلسلة من الأغلاط انتهت بنا إلى ما حدث في ٢٣ يوليو ١٩٥٢، وقد حاولت ثورة الجيش أن تصلح من هذه الأغلاط ما استطاعت. وها نشهد فجرَ عهدٍ جديد يبشر بعود الحياة الحرة الديمقراطية على نحوٍ نرجو أن يجنبنا في المستقبل الوقوع في أغلاط كالتي وقعنا فيها في الماضي.

إن الأمم تمر في حياتها بتجارب كثيرة قبل أن تستقر فيها مبادئ الحرية وقواعدها، والخطأ يقع في أكثر الأمم رقيًّا وحضارة، والظن بأنا نستطيع أن نعيش ولا نخطئ وهمٌ باطل، ولكنا أكبر مسئولية وأعظم تبعة حين يقع الخطأ منا أحرارًا لا سلطان علينا إلا لعقلنا وبصيرتنا؛ فالحرية نور لألاء يكشف أمامنا السبيل، وينير طريقنا حتى لا نتعثر في تصرفاتنا، فإذا كان لنا من العذر حين لا نتمتع بحريتنا أنَّا نخطو في الظلام، فطبيعي أن نتعثر ونضطرب، فليس لنا مثل هذا العذر حين تضيء الحرية طريقنا لنختار أكثره أمنًا، وأكفله ببلوغ أغراضنا العليا.

وقد دلتنا تجارب الماضي على أن تضامننا واتحادنا عن صفاء نية، وإيمان صحيح بالتضامن والاتحاد هما اللذان يصلان بنا إلى غاية ما ننشد من أغراضنا، وأن الفرقة والانقسام كانتا وبالًا على هذه الأمة في كل أطوارها. ونحن جميعًا نعرف ذلك وننادي به، لكن كثيرًا ما تطغى علينا أنانيتنا، فإذا تصرفاتنا تنأى بنا عن الاتحاد وعن التضامن، وإن تحدثنا عنهما ورفعنا عقيرتنا بالإشادة بهما ذاكرين أنهما القوة لا قوة غيرها نستطيع بها أن نحقق لهذا الوطن الخير والرفعة.

فليفكر المسئولون منا في ذلك كله، وليصوروا مستقبل هذه الأمة متخذين الموعظة والعبرة من تجارب الماضي القريب والماضي البعيد، وليعلموا أننا في عالم تتنازعه القوى المتعارضة، وأنَّا بعضُ ما يقع عليه هذا التنازع، فإذا أردنا أن نبلغ في حياتنا الداخلية وفي حياتنا الخارجية إلى استقرار تطمئن له حريتنا، ويفيد مرافقنا جميعًا في الاقتصاد وفي الاجتماع وغيرهما، فإنما يكون ذلك بأن نتضامن ونتعاون، وأن نذكر ما جره علينا الشقاق وسببته الأنانية من كوارث لم ينجُ صغير ولا كبير منَّا من آثارها.

وأول واجب علينا إذا أردنا أن نبلغ هذه الغاية في العهد الجديد الذي نستفتحه اليوم أن لا ننظر إلى الوراء، وأن لا نفكر فيما ضقنا به ولم نطمئن إليه، بل يجب أن ينصرف تفكيرنا كله إلى ما يحقق للوطن أكبر الخير وإن اقتضانا ذلك أن نتسامح في حق من حقوقنا، ذلك ما تمليه تجارب الماضي القريب وما تقضي به الحكمة والوطنية الصادقة، وذلك ما يمهد الطريق لتفاهمنا جميعًا تفاهمًا خالصًا تتحقق به مصلحة بلادنا. يجب أن ننسى أنفسنا وأن لا نذكر إلا مصر وما يحقق لها الحرية والرفعة كما يحقق لها مطالبها القومية كاملة في الاستقلال والسيادة، ويجعلها قوة عاملة في المعترك الدولي.

هذه دعوة أوجهها إلى الساسة، من كان منهم في الحكم ومن كان خارجه، ودعوة أخرى أوجهها إلى رجال الصحافة، وقد رفعت عن الصحافة قيود الرقابة؛ فللصحافة في المضمار الذي أتحدث عنه مهمة كبرى ما دامت حرة حرية صحيحة، فهي التي توجه الرأي العام، ومسئوليتها لذلك جد كبيرة تعادل ما لها من مكانة سمت بها لتكون (صاحبة الجلالة).

إن الصحفيين الذين عاصروا العهود الأخيرة يعلمون ما قاسته الأمة، ويذكرون أن بعض الصحف قد كان لها في ذلك حظ من التبعة غير قليل. واليوم وقد استفتحنا عهدًا جديدًا فقد آن للصحافة أن تحمل في هذا العهد الحرية والاتحاد والتضامن، وأن يكون لكُتَّابها الأفاضل من الاستقلال في الرأي ما يعاون الأمة على أن تحقق الغرضين الساميين: الحرية والاستقرار.

***

إذا نحن اعتبرنا بما مضى وتوقينا الوقوع في الخطأ كان لنا أن ننظر إلى العهد الجديد الذي استفتح أمس بعين الأمل والرجاء، وحسب هذه الأمة ما حل بها خلال العشرات الأخيرة من السنين؛ فمصر جديرة بكل حرية وكل طمأنينة، جديرة بأن يكون لها في حياتها الداخلية وفي حياتها في الميدان الدولي المكان المرموق تحت الشمس.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.