يظهر أنها قوام سياستنا الرسمية في هذه الأيام، ليست مقصورة على القطن، وإنما تتجاوزه إلى غيره من المصالح العامة التي تعنى بها الوزارة أو تشتغل بها الأحزاب المؤتلفة حول الحكم. فلم يكُن صدقي باشا إلا مضاربًا حين أنذر بالاستقالة من الحكم، وحين أقدم عليها. كان يرجو أن يربَح فلم يظفر إلا بالخسران، ولم يكُن صدقي باشا إلا مضاربًا حين استقال من رياسة الحزب، وحين عدل عن هذه الاستقالة، ولم يكن إلا مضاربًا حين فصل من الحزب من فصل، ثم سحب قراره سحبًا، وارتاح لعودة المفصولين وطلب إلى حزبه أن يرتاح.

ولم يكن رئيس الوزراء إلا مضاربًا حين استقال من حزب الشعب، كان يُقدِّر أنه سيضعف حزب الشعب أو سيضعف خَصمه صدقي باشا رئيس حزب الشعب، فلم يبلغ ممَّا كان يقدر شيئًا؛ لأن حزب الشعب لم يكن قويًّا فيضعف، ولأن صدقي باشا لم يستمد قوته في يوم من الأيام من حزب الشعب.

ولم يكن رئيس الوزراء إلا مضاربًا حين قبِل رياسة الوزراء؛ كان يقدر أنه سيجد بعد النهوض بأعباء الرياسة نفس القوة التي كان يجدها صدقي باشا قبل أن يستقيل، فلما انتهى إلى مكتب الرياسة لم يجِد قوة، وإنما وجد ضعفًا، ولم يكن الوزيران اللذان خرجا على صدقي باشا، وخالفا عن أمره، ودخلا الوزارة برغمه إلا مضاربَيْن؛ كانا يقدران أن تحديهما لرئيسهما سيضعف الرئيس، فلم يظفرا بشيء لأن رئيسهما لا حَظَّ له من القوة ما دام بعيدًا عن مناصب الحكم.

كل شيء يأتيه هؤلاء الناس الآن مضاربة تقوم على حب الخطر والمجازفة، وعلى اللعب بما في اليد من الورق، فقد يربح اللاعب وقد يخسر، ما دام الربح ممكنًا، فلا ينبغي التقصير في طلبه والسعي إليه، وليس الشر أن صدقي باشا ضارَبَ بأموال الدولة أو ضارب بأموال الفقراء والأحداث في سوق العقود، وليس الشر أن وزارة المالية ضاربت بأموال الدولة أو تضارب الآن بأموال الدولة، ليس الشر هو هذا وحده، وإنما الشر أبعد جدًّا من هذا مدًى، وأعمق جدًّا من هذا أثرًا، وأشد جدًّا من هذا خطرًا، الشر هو أن رجال هذا العهد يضاربون بالمصالح العامة كلها، لا يبتغون إلا أن يظفروا، ويستعلُوا، وينتصر بعضهم على بعض، ويقهر بعضهم بعضًا، وينتقم بعضهم من بعض، فأما تحقيق المنافع المصرية الخالصة، فأما أداء الواجبات الوطنية الخالصة، فأما خدمة الشعب؛ لأن الأحزاب والوزارات إنما تقوم لخدمة الشعب، فأما كسب الاستقلال، فأما اتِّقاء الإفلاس، فأما رد الجوع، وصد الفقر، وطرد البؤس عن هؤلاء المصريين الذين تقوم على أكتافهم الأحزاب والوزارات؛ فكل هذا شيء قد مضى وقتُ التفكير فيه منذ عهد بعيد، وسيأتي وقت التفكير فيه بعد وقت قريب.

أما الآن فإلى المضاربة، وإلى المضاربة وحدها، أتثبُت الوزارة في مركزها أم تزول عنه؟ أتظفر الوزارة بتأييد الشعبيين، أم تبوء بخذلانهم؟ أيظفر صدقي باشا بكثرة الحزب، أم تُعرِض عنه هذه الكثرة، أيستطيع كل فرد من أفراد هذا الحزب أن يرضي الرئيسين المختصمين أم هو مضطر إلى أن يضحي بأحدهما ليعيش وبمن يضحي، أبمؤسس النظام الجديد صدقي باشا، أم بحامي النظام الجديد عبد الفتاح يحيى باشا؟

الوقت الآن وقت مضاربة ليس غير، والحظ قائم غير بعيد ينظر إلى هؤلاء السادة جميعًا بعين ماكرة، وابتسامة ساحرة، ونية ليس إلى العلم بها من سبيل، ومصر قائمة غير بعيد تنظر إلى هؤلاء السادة محزونة القلب كاسفة البال، كئيبة الوجه، مقطبة الجبين، مصممة مع هذا كله على أن تكون كلمتها هي العليا، وكلمة الوصوليين هي السفلى.

لم نكُن مخطئين حين طلبنا إلى المصريين منذ أيام أن يحتاطوا لأنفسهم، وأن ينتبهوا لأن باب المخزيات سيفتح على مصراعيه، ولأن الفضائح ستخرج من هذا الباب، سود الوجوه، كاشرة عن الأنياب، منكرة الصور، مسممة للجو، مفسدة حولها كل شيء.

لم نكن مخطئين، فهذه الفضائح يتبع بعضها بعضًا، ويأخذ بعضها برقاب بعض، لا تظهر قصة الكورنيش حتى تتبعها قصة القطن، وإن في حكاية القطن لعجبًا.

رجلٌ قضى ثلاثة أعوام في الحكم يتهم الوفد بالإسراف في أموال الدولة، والعبث بهذه الأموال، واتخاذ القطن وسيلة إلى إفساد المالية وتبديد الاحتياطي، حتى إذا خرج من الحكم، وقد ملأ الدنيا صياحًا، وخيل إلى الناس وإلى نفسه أنه قد مَحَقَ سمعة الوفد محقًا، وسحق كفايته المالية سحقًا، ظهر أنه كان يقول كلامًا ويأتي من الأمر ما يعجِز عن تصويره الكلام، ظهر أن الوفد لم يتصرف إلا في حدود القانون والدستور، تحت مراقبة البرلمان وبإذن مجلس الوزراء، وبعد استشارة الفنيين، ومنفِّذًا لقرار قيدته به وزارة سابقة ومبتغيًا مصلحة لا شك فيها، ومتقيًا شرًّا لا شك فيه. ظهر هذا كله واضحًا جليًّا. وظهر أن هذا الرجل الذي كان يعيب الوفد بما لا يعاب، كان يأتي من الأمر ما يعاب، وما لا يمكن أن يجِد عنه دفاعًا مُغنيًا، أو تعليلًا مقنعًا، كان يضارب بأموال الدولة، وبأموال الشعب، والبرلمان قائم ولكنه لا يَسأله، ومجلس الوزراء قائم ولكنه لا يستأذنه، والفنيون قائمون ولكنه لا يستشيرهم. كان يضارب في السر ومن وراء ستار صفيق، وكان ينتهي بهذه المضاربة إلى ضياع الألوف الكثيرة من أموال الدولة على حين كانت الدولة في حاجة لا إلى الألوف، بل إلى المئات، بل إلى العشرات، بل إلى الآحاد من الجنيهات.

ظهر هذا كله فإذا افتضح أمره للناس تقدَّم أعوان هذا الرجل وشركاؤه في التبعة يلومونه، ويُلِحُّون في لومه ويسألون الوزارة أن تفضح من سره ما كان مكتومًا، ويحكم أيها الناس! فما بالكم انتظرتم إلى الآن؟! وما الذي أغراكم بصاحبكم بعد أن أعرض عنه الحكم وجفاه السلطان؟! ثم يهم هذا الرجل أن يدافع عن نفسه فيتحدى ويتصدى ويعتب ويلوم، ويتهم وزير المالية القائم بأنه يصنع مثل ما صنع، ويضارب كما ضارب، ويخسر كما خسر، وإذا وزير المالية محرَج يريد أن يدفع عن نفسه، فيُكذب خصمه تكذيبًا، ويعلن أنه لم يُؤمر بالتدخل في سوق العقود قليلًا ولا كثيرًا، وينهض صدقي باشا فيرد على تكذيبه ردًّا، ويؤكد أنه لم يقُل إلا عن علم، ولم يروِ إلا عن ثقة، وأن لديه تفصيل القصة ودخائلها. ثم يفسر المفسرون، ويُؤَوِّل المؤَوِّلون فيقولون إن الوزير القائم لم يأمر بالتدخل، ولكنه وافق عليه، وفَرْقٌ بين من يقول لك افعل، ومن يقول لك لا بأس عليك. ولِمَ أنشئ الفقه؟ ولم اختُرِع الذكاء؟ ولم وُجِد البيان؟ إلا للتفريق بين الأمر والإقرار، أو بين الأمر والموافقة، لم آمُر، فلست مسئولًا، وإنما وافقت فالمسئول هو الذي طلب إلى هذه الموافقة.

كذلك تعقدت الأمور أمس واشتد الاضطراب في وزارة المالية، وهَمَّ الوزير بمعاقبة بعض الموظفين، ثم اضْطُرَّ الوزير إلى أن يعدل عن هذا العقاب، والله يعلم كيف اضْطُرَّ الوزير، ومن اضْطَرَّ الوزير، ولماذا حمل الوزير على إلغاء ما هَمَّ به من عقاب، أرأيت إلى حكاية القطن هذه وإلى ما فيها من عجب، رجل يتهم الوفد بسوء التصرف في شئون القطن، فإذا هو يضارب في القطن. وقوم من أنصار الوزارة يتهمون صدقي باشا بأنه يضارب في القطن فإذا الوزارة نفسها تضارب في القطن. ماذا؟! أليس إلى فَهم هذه الألغاز من سبيل؟ أقُضيَ على هذا البلد التعس أن تطبق الظلمات عليه إطباقًا وأن يسمم الجو عليه تسميمًا، وأن تكون حياته ومصالحه كرة تتقاذفها الظروف والمنافع والأهواء؟

وقصة أخرى ليست أقل من هذه القصة نُكرًا، وزير قائم يقذف وزيرًا سابقًا بما لا يليق بالوزراء، فلا تكاد تمضي الأيام حتى ينهض لهذا الوزير القائم، من يزعم له — أو يزعم عليه — أنه لم يؤدِّ الضرائب منذ ثلاثة أعوام، وأن بعض أمواله كانت قد حُجِزَتْ فرَفع عنها الحجز بأوامر مخالِفة للقانون. ثم ينهض من النواب من يسأل عن حقيقة هذا الأمر، وكما سكت الوزير السابق عمَّا أصابه من القذف، فما يزال الوزير القائم ساكتًا على ما يُوجَّه إليه من اللوم. ماذا؟! أكان جهاد مصر في عصرها الحديث، وما بذلت من ضحايا وما احتملت من أثقال، وما تكلفت من عناء، أكان هذا كله مقدِّمة لتظفر بما تظفر به في هذه الأيام، من هذا الجو الموبوء الذي يتراشق فيه الوزراء القائمون والسابقون بأقبح التهم وأشنعها؟! ومن الذي يستطيع أن يلوم الناس من عامة الشعب إذا فسدت بينهم الأمور، وساءت بينهم الصلات، ما دام وزراء الدولة وزعماء الحكم فيها يعيشون في هذا الجو المنكَر الذي أخذه الفساد من جميع نواحيه؟

لقد نحب أن نعلم لِمَ أُنشِئَت النيابة إذا لم تحقق مثل هذه التهم، ولِمَ أنشئت المحاكم إذا لم ترفع إليها مثل هذه الخصومات. لقد نحب أن نعلم متى تصلح الوزارات، وتستقيم أمورها، ويصرف الوزراء أعمال الحكم بالنزاهة والإخلاص والصدق في السر والجهر. إذن لِمَ يسأل الوزراء المخطئون عن خطئهم، ولِمَ يؤخذ الموظفون المسيئون بإساءتهم، لقد نحب أن نعلم من الذي جعل الوزراء فوق القانون يخطئون فلا يسألون، ويسيئون فلا يلقَوْن جزاءً على ما أساءوا. ثم لقد نحب أن نعلم كيف تُسمَّى الأيام التي تقع فيها هذه السيئات كلها فتمضي وكأن شيئًا لم يقَع، وتذاع فيها هذه المنكرات كلها، فتمضي وكأن شيئًا لا يذاع أن في المضاربة لذة للمضاربين، هذا شيء يُقال ويَتحدث به الناس، ولكنَّ للمضاربة أحكامًا في القانون يجب أن تُحترم، ويجب أن تُنفذ في كبار الناس كما تنفذ في صغارهم، وما الذي يعنيني أن ينتصر صدقي باشا أو عبد الفتاح يحيى باشا، إنما الذي يعنيني ألا يسيء أحد هذين الرجلين، فإن كان منهما السوء فيجب أن يكون القانون كفيلًا بدفع شرِّهما، وردهما إلى ما ينبغي من الإنصاف.

ما أعرف أن مصر احتاجت في يوم من الأيام إلى أن يَطْهُرَ جوُّها السياسي كما تحتاج إلى ذلك في هذه الأيام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.