نحتفل اليوم مع الباكستان بذكرى شاعرها الأكبر محمد إقبال؛ فقد أَفَلَتْ شمس حياته في مثل هذا اليوم من سنة ١٩٣٨ عن خمس وستين سنة، ومن حق إقبال أن تحتفل الباكستان بذكراه، وإن كان قد اختار جوار ربه قبل تسع سنوات ونصف السنة من إنشائها. فقد كان هو صاحب الوحي الأكبر بها … وسيظل اسمه العلم الخفَّاق في سمائها، وسيذكره أهلها ما ترنَّم بشعره العذب القوي مترنم، وسيظل هذا الشعر مئات السنين يترنَّم به كل رجل وكل امرأة في هذه الدولة الإسلامية الفتِيَّة كما يترنَّم المتكلِّمون بالعربية اليوم بشعر الخالدين من شعرائهم الأعظمين.

ومن حق إقبال أن يذكره في مثل هذا اليوم كل مسلم، بل كل مفكر في الوجود، فقد طلع هذا الرجل على العالم الإسلامي، وعلى العالم كله، بفلسفةٍ جديدةٍ صاغها شعرًا، فإذا هي تهزُّ المشاعر والقلوب، وإذا هي تثير كثيرين من عظماء العالم، فينظرون نظرات إعجاب إلى هذا المسلم الذي ولد في الهند ونشأ بين أهلها، ثم أعلن على الناس فلسفة شعرية سائغة لا تتَّفق مع الفلسفة الهندية في شيء، ويستحسن لذلك في حناياها عالم جديد ودولة جديدة. أما الدولة الجديدة فهي باكستان، وأما العالم الجديد فهو عالم الإخاء الإنساني في ظلال التوحيد والإيمان بالذات إيمانًا تدفع فيه المحبة إلى العمل والدأب لإنشاء عوالم فكرية جديدة تزيدنا إقبالًا على الحياة، وحرصًا على الخَلْق والإنشاء فيها.

كان أسلاف إقبالٍ من البراهمة، ثم إن أحدهم اعتنق الإسلام من عهدٍ بعيدٍ، من عهد الإمبراطور المغولي «أكبر»، وتصوَّف جد من أجداد إقبالٍ، وكتب في التصوُّفِ كتبًا بالفارسية. ولمَّا شبَّ إقبالٌ وبدا ذكاؤه درس في بلده، ثم التحق بكلية الحكومة في لاهور، وهناك اتَّصل بالمستشرق الإنجليزي سير توماس أرنولد، فلما حصل على درجته النهائية التحق محاضرًا بالكلية الشرقية، ثم بكلية الحكومة بلاهور، ولم يمكنه ضعف بصره من الالتحاق بخدمة الحكومة؛ فأخذ يقرِض الشعر. لكن نفسه الشديدة التَّوْق للمعرفة وللعلم لم يكفها ما حصل إلى يومئذ، فلم يمنعه أن بلغ الثانية والثلاثين من عمره من السفر إلى إنجلترا والالتحاق بجامعة كمبريدج، ثم الانتقال منها إلى جامعة هيدلبرج وإلى ميونيخ بألمانيا. وحصل على الدكتوراه من هناك، كما درس القانون وحصل على شهادة من إنجلترا تؤهِّله للاشتغال بالمحاماة في بلاده. وفي سنة ١٩٠٨ عاد إلى الهند واتَّخذ المحاماة مهنةً لكسب العيش، وظلَّ مشتغلًا بها إلى ما قبل وفاته بأربعِ سنوات. لكن دراسته واشتغاله بالمحاماة لم يصرفاه عن الشعر وعن الأدب، كما أن دراساته في أوروبا فتحت أمامه آفاقًا من التفكير أقام عليها مذهبًا فلسفيًّا جديدًا هو الذي تمخَّض عن باكستان، وهو الذي كفل البقاء لإقبالٍ بما خلعه من شعره على هذا المذهب من قوةٍ وجلالٍ.

وقد استمدَّ إقبالٌ مذهبَه من عناصر الحياة المحيطةِ به، ومن الجوِّ الفكري السائدِ حوله. فقد كان يعيش في الهند حيث يختلط المسلمون بغيرهم من الكثرة الهندية التي تدين بالبرهمية أو البوذية أو الهندوسية، أو غير ذلك من مذاهب الهند وعقائدها. وكان يظله في محيطه الإسلامي جوٌّ من التصوفِ الفارسي الذي عنِيَ به جدهُ وألَّفَ الكتبَ فيه. وكان هذا التصوف الفارسي يتأثر بمقدارٍ غير قليل بالفكرة الهندية الدينية التي ترى الحياة عبئًا ثقيلًا، وترى العمل مصدرَ شقائها وآلامها، وتؤمن بأن رغباتنا هي علةُ بؤسنا ومتاعبنا، وبأنَّا لو سموْنا فوق الرغبة وتخلَّصنا منها وعزفنا عن العمل وأخلدنا إلى السَّكِينة المطلقة، استطعنا أن نبلغ مرتبة النرفانا الهندية أو مرتبة الإشراق الصوفي. فلما اتصل إقبال بالحياة الغربية وبالتفكير الأوروبي، ورأى بلاده تخضع لنير هؤلاء الأوروبيين الذين يؤمنون بالعمل وبالبأس وبالقوة، أخذ يتَّجِه بتفكيره اتجاهًا جديدًا، وأخذ يُضْفِي على تصوُّفه معانيَ تخالف ما يجري به التيار في الهند والصوفية والفارسية، وأخذ في الوقت نفسه يرى في المادية الغربية من بواعث الغرور أسبابًا لشقاء الحياة، فالتمس طريقًا جديدًا في الحياة؛ آمَنَ بأنه الوسيلة لسعادة قومه أفرادًا وجماعة، وبأنه منجاتهم من المذلة التي أركسهم فيها ذلك العزوف عن الحياة والعمل فيها لإنشاء خلق جديد.

والنظرية التي ابتكرها تفكير إقبالٍ وأضفى عليها خياله الشعري إبداعًا وجمالًا وقوةً، هي نظرية الذاتية. ومدلول الذاتية عند إقبالٍ يختلف عن مدلولها عند غيره. الذاتية عند بعضهم هي الأنانية التي تجعل الفرد لا يفكر إلا في نفسه، ولا يعمل إلا لنفسه، والتي تدفعه ليرد كلَّ ما في الحياة إلى نفسه. والذاتية عند البعض مصدر الشرور؛ لأنها تغرينا بالتماس ملاذ الحياة وأهوائها. أما عند إقبال، فالذاتية تختلف عن هذا التصوير أشدَّ الاختلاف. الذاتية عنده هي الروح المنشئ الذي أودعه الله الإنسان وجعل العمل والدأب فيه وسيلتنا إلى انتشار هذه الروح فيما حولنا، وإبراز ما تنطوي عليه نفوسنا من قوةٍ وخير. وكما ينمو جسمنا حتى يبلغ كماله، وكما تُزهِر الشجرة وتثمر، كذلك يجب أن تنمو الذاتية حتى تبلغ كمالها، ويجب أن تزهر وتثمر. وهي لا تنمو بحكم الطبيعة كما ينمو الجسد؛ بل تنمو بالسعي والعمل الدائب الذي لا ينقطع، ونموها وإزهارها وإثمارها هو الذي يجعل للحياة قيمتها، وهو الذي ينشئ في الحياة جديدًا، وهو الذي يُضفي علينا القوة ويجنبنا تحكُّم الغير فينا. أما القعود عن العمل فيجعلنا عالةً على غيرنا، نتسوَّل من فضله ونُصبح أذلةً له، ونفقد بذلك حريتنا. هذه الحرية التي هي ملاك الذاتية، والتي تتيح لنا القوة على الحياة والتسلط على الطبيعة، هي التي تجعل الفرد الموهوب لا يقف بجهاده في حدود شخصه؛ بل يبذل جهده للارتقاء بمجتمعه عن طريق الدعوة إلى الحق، دعوة يستهين في سبيلها بكل تضحية؛ لأن التضحية في سبيل الحق تزيده نصرًا وتعزيزًا.

ولم يكتفِ إقبالٌ بأن يتجه برسالته هذه إلى أبناء وطنه المسلمين في الهند؛ بل توجَّه بها إلى مسلمي العالم كافةً، وقصد بها أن تكون رسالةً عالمية للناس جميعًا حيثما كانوا من أرجاء الأرض …

وقد تُرجمت بعض كتبه للإنجليزية، فاعتُرض عليه بأنه متأثرٌ فيما كتب بنظريات الفيلسوف نيتشه عن الرجل الكامل أو السوبرمان — على تعبير الفيلسوف الألماني — فدفع إقبالٌ هذا الاعتراض بأنه يدعو للأخوة التي دعا إليها الإسلام على أن تكون أُخُوَّة بين أحرار، وأن القوة هي التي تجعل لهذه الأخوة قيمة، وهي التي تقيم السلام بين المؤمنين بالذاتية كما يصورها. أما أن تكون أخوة بين أحرار وعبيد، فأسطورة، أثبت التاريخ غير مرة أنها لن تصدق في الواقعِ أبدًا.

تختلف نظرية إقبالٍ في الذاتية مع مذاهب الهند على اختلاف العقائد السائدة فيها؛ لهذا رأى إقبال — ونظريته إسلامية الأساس — أن المسلمين وغير المسلمين من أبناء الهند لا يستطيعون أن يعيشوا أمةً واحدة ودولة واحدة؛ ولذلك دعا إلى إنشاء الباكستان، ثم تُوفي قبل أن يشهد بعينه تحقيق دعوته. وهو إنما أرسل الصيحة بهذه الدعوة؛ لأنه رأى أن أساس الحياة الإسلامية يختلف في نظره عن أساس الحياة الهندية، فرأى الخيرَ في أن تكون ثمةَ دولتان تتجاوران في حسن مودة؛ حتى لا يجني اختلاف الأساس لحياتهما الروحية على حُسن مودتهما.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.