نشر الدكتور أسامة الباز سلسلة مقالات مهمة في الأهرام منذ أسابيع تحت عنوان «معاداة السامية والبروتوكولات والاضطهاد النازي والهولوكوست»، وقد أوضح الدكتور الباز في هذه المقالات الجذورَ الأوروبية لتلك الظواهر. ولعلَّه لا يقل أهمية الإشارة إلى أن معاداة السامية كان لها أيضًا جذور أمريكية؛ ففي بداية القرن العشرين — ومعاصرًا لقيام النازية في ألمانيا، بل ربما سابقًا عليها — كانت هناك حملة منظمة ضد اليهود في الولايات المتحدة، وقد قاد هذه الحملة أحد أهم رموز الحياة الأمريكية الحديثة: هنري فورد.

وإذا كنا نلاحظ الآن على المواقف الأمريكية — وبوجه خاص سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة خلال الثلاثين عامًا المنقضية — انحيازًا وتعاطفًا شبه كامل مع الدعوة الصهيونية وحماية مطلقة لمصالح دولة إسرائيل؛ فإن هذا لا يمثل أحد ثوابت الحياة الأمريكية، بل هو تطور جد حديث؛ فقد عرف المجتمع الأمريكي اتجاهاتٍ مناوِئة لليهود بلغت في حدتها — أحيانًا — ما يشبه معاداة السامية والعداء لليهود، كجنس أو عقيدة.

فإلى جانب إشارات متعددة هنا وهناك وردت في أقوال الآباء المؤسِّسين للدولة الجديدة بعد استقلالها، حين أشار العديد من رجالات السياسة والفكر عند بداية الاستقلال إلى خطر اليهود والسماح لهم بالدخول إلى أمريكا والسيطرة على مُقَدَّرَاتِهَا، كان هناك اعتقاد عميق لدى العديد من الأمريكيين الأوائل أن الولايات المتحدة هي «إسرائيل الجديدة»، وأن الشعب الأمريكي — أو بالأحرى الجنس الأنجلوسكسوني — هو شعب الله المختار، بل إن بعضهم ذهب إلى القول بأنهم النسل الحقيقي لقبائل بني إسرائيل التائهة أو الضائعة، أما يهود الشرق — من روسيا ووسط أوروبا — فإنهم أجناس متهالكة لا صلة لهم ببني إسرائيل الوارد ذكرهم في الكتب المقدسة.

وليس الغرض من هذا المقال استعراض تاريخ علاقة المجتمع الأمريكي بالفكرة اليهودية، وإنما فقط التأكيد على أن العداء للسامية في العصر الحديث — وبوجه خاص في بداية القرن العشرين وما ارتبط به من ترويج لحكاية «بروتوكولات حكماء صهيون» — له جذور أمريكية، وأن الذي قاد هذه الحملة لم يكن بأقل من وزن هنري فورد نفسه، الذي يمثل أحد أهم نماذج النجاح في المجتمع الأمريكي الحديث. إننا نعرف هنري فورد باعتباره رائد صناعة السيارات في الولايات المتحدة، وربما في العالم، وأنه أعطى للصناعة الحديثة أحد أهم مظاهرها وهو الإنتاج الكبير من أجل الاستهلاك الواسع “Mass Consumption”. وهو بذلك أحد أهم الرموز الذين شكلوا الحياة المعاصرة، ولكن الذي لا يعرفه الكثيرون هو أن هنري فورد قد قاد الحملة على اليهود، بل وأنشأ جريدة خاصة باسم “Dearborn Independent” لنشر وتعميم آرائه المعادية للسامية، وأن هذه الجريدة قد لعبت بشكل خاص دورًا مهمًّا في نشر وتوزيع «بروتوكولات حكماء صهيون»، بل لعل هتلر وزبانيته قد عرفوا هذه البروتوكولات من خلال ما نشرته جريدة فورد، وعنها تم ترجمتها إلى الألمانية. ولم يكن غريبًا — والحال كذلك — أن تمنح حكومة الرايخ الثالث فورد أهم وسام ألماني يُمنح للأجانب في عام ١٩٣٨ وقبل قيام الحرب مباشرة، وهو وسام الصليب الأكبر للنسر الألماني “The Grand Cross of the German Eagle”.

وفورد شخصية غريبة بالغة التعقيد يجمع في نسيج واحد بين عناصر متناقضة، وقد استولى على خياله واهتماماته خلال حياته العملية أمران: الأمر الأول هو سيارة فورد المعروفة بنموذج Model T، والأمر الثاني هو التحذير من خطر اليهودية الدولية وما تمثِّله من رغبة في السيطرة على العالم.

ولد هنري فورد في عام ١٨٦٣ قرب ديربورن فيل Dearborn Ville بمتشيجان لأسرة تعمل بالزراعة من أصل أيرلندي، حيث هاجر جَدُّهُ إلى الولايات المتحدة خلال أزمة البطاطس التي ضربت أيرلندا قبل مولد هنري بحوالي ثلاثين عامًا، ونشأ هنري في هذا الوسط الاجتماعي من المزارعين، وظل طوال حياته مرتبطًا بالمبادئ والتقاليد المحافِظَة السائدة في أوساط المزارعين، وكان كثير الشكوك قليل الثقة بأهل المدن، رغم أن نشاطه الصناعي بعد ذلك — في صناعة السيارات — سيكون له أكبر الأثر في تعميم ثقافة المدينة والقضاء على فكرة ومفهوم الريف.

وإذا كان هنري فورد قد اتجه إلى العمل في الصناعة ونجح في إقامة إمبراطورية صناعية، فإنه لم يكن مجرد رأسمالي يسعى إلى تحقيق الربح — رغم أن زيادة الأرباح وتوسيع حجم إنتاجه لم يَغِبْ لحظة عن اهتماماته — بل إنه مشغول في نفس الوقت بأمور أخرى لا تقل أهمية في الجوانب الأخلاقية والإنسانية، وقد تربى — كما هو شأن المزارعين الأمريكيين — في حضن التقاليد المسيحية: تقديس للعائلة، تدين كبير وحرص على تعاليم الكنيسة، وآراء محافِظة بشكل عام. ولم يكن هنري فورد يتناول الخمر أو يدخن، ويرى فيهما رذائل كبيرة، وقد كان الكتاب المقدس هو أحد أهم قراءاته، وقد انعكست تربيته المحافِظة على إدارته لمصانعه، فكان الاهتمام بالجانب الأخلاقي وسلوكيات عماله أحد أهم مشاغله، وفي إحدى المرات طلب من صديقه القس صامويل ماركيز أن يترك مكانه في كنيسة سان بول في ديترويت لكي يعمل في شركة فورد، حيث أنشأ له إدارة خاصة لتوجيه وتوعية العمال إلى المبادئ الصالحة. وفي عام ١٩١٤ قام فورد وبخطوة جريئة وغير مألوفة بين الرأسماليين عندما خفض — من تلقاء نفسه — ساعات العمل في المصنع إلى ثماني ساعات ورفع الأجور اليومية من ثلاثة إلى خمسة دولارات، وهو أمر كان يشبه القيام بثورة في علاقات العمل الرأسمالية، وفي نفس الوقت كان هنري فورد داعية للسلام وناشطًا في مناهضة الدعوة إلى الحرب، وقد بلغ التزامه بهذه الدعوة إلى قيامه بمظاهرة بحرية استأجر فيها باخرة جمع فيها أنصار السلام من أمريكا وأوروبا وأبحر بها عبر الأطلنطي في رحلة دعائية للسلام.

وربما كان هذا الالتزام بقضية السلام هو الدافع الخفي وراء حملته ضد اليهود؛ فقد كان لديه اعتقاد راسخ بأنهم — اليهود — كانوا دائمًا بشكل ما وراء الحروب الأوروبية، وهو نفس الشعور الذي انتشر في ألمانيا عقب الحرب العالمية الأولى، واستغله الحزب النازي فيما بعد، وكان فورد قد صَرَّحَ في أكثر من مناسبة أن الحروب تقع بسبب المصالح والتي يحكمها أمراء الحرب والبنوك الدولية. وقد تحوَّل مفهوم «أمراء الحرب» و«البنوك الدولية» عند فورد إلى مفهوم جديد أطلق عليه اسم «اليهودية الدولية»؛ فها هو يصرح في أحد لقاءاته بأن الحروب تقع «تحقيقًا لمصالح البنوك الدولية» وأنها قامت بسبب «هؤلاء الناس الذين لا وطن لهم ويعيشون في جميع الأوطان».

وقد تولدت عند فورد — ربما بسبب نشأته الريفية — كراهية غريزية للمؤسسات المالية الكبرى، وكان يعتقد — بوجه خاص — أن هذه المؤسسات وخاصة في الوول ستريت “Wall Street” في نيويورك تقوم على المضاربات والتحكم في الأسعار وممارسة الربا، وأغلب القائمين عليها من أصل يهودي، وبذلك أصبح «اليهودي» عنده مرادفًا للبنوك الدولية وأمراء الحروب والوول ستريت، وكلها شياطين في نظره.

ولم يكتفِ فورد بإعلان آرائه من آنٍ لآخر كلما أتيحت له الفرصة، بل أخذ الأمر على عاتقه كرسالة لا بد من نشرها للتحذير؛ فأنشأ جريدة خاصة لهذا الغرض باسم المدينة التي يعيش فيها، وخصص صفحة منها لآراء السيد فورد Mr. Ford’s Own Page، وأشار في هذه الصفحة في العدد الأول للجريدة (يناير ١٩١٩) إلى «قوى الظلام سياسية أو عسكرية أو رأسمالية … وإلى هؤلاء الأجانب الذين سببوا لنا الكثير من المشاكل». وإذا كانت هذه الإشارة إلى اليهود غير صريحة، فإن الجريدة لم تلبث أن نشرت سلسلة من واحد وتسعين عددًا عن شخصية أطلق عليها «اليهودي الدولي (The International Jew)» بدءًا من يونيو ١٩٢٠، وبعدها بأسابيع بدأ في نشر «برتوكولات حكماء صهيون». وكأنما خشي فورد ألا يساعد توزيع الجريدة — المحدود بطبيعته — على نشر أفكاره بشكل كافٍ، فسمحت الجريدة لإحدى المطابع بجمع هذه المقالات في كتيبات صدر منها الجزء الأول في أكتوبر من عام ١٩٢٠ بعنوان «اليهودي الدولي: المشكلة الأولى للعالم»، وقد لعب هذا الكتاب دورًا كبيرًا في الترويج للأفكار المعادية للسامية داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، بل لعل هذا الكتاب قد ساعد الحركة النازية في ألمانيا، وهي لم تزل بعدُ حركة صغيرة ناشئة، فترجم هذا الكتاب إلى الألمانية في عام ١٩٢١، وفي خلال عام واحد صدر منه أكثر من واحد وعشرين طبعة، وأصبح اسم هنري فورد مشهورًا في أوساط النازية الألمانية الناشئة، بل إن صورته قد عُلِّقَتْ في مكتب هتلر في المقر النازي في ميونخ.

وإذا كان هنري فورد قد أطلق العِنان لأفكاره المعادية لليهود، فإنه لم يكن وحده على الساحة، بل كان يشاركه في هذا عدد غير قليل من المفكرين الأمريكيين، وإن كانوا — غالبًا — أقل تطرفًا، وكثيرًا ما دافع فورد عن نفسه بالقول بأنه ليس ضد اليهود ولا يكرههم، بل إنه يعين الكثيرين منهم في مصانعه، وإنما هو ضد الحرب ومَن وراءها وهي حركة اليهودية الدولية، أما عن البروتوكولات فالمهم — في رأي فورد — ليس في صدقيتها، وإنما في تطابقها مع الأحداث.

وقد تعرض فورد بسبب مواقفه هذه لضغوط شديدة من الجاليات اليهودية في مختلف الأوساط، ولكنه ظل صامدًا ومتجاهلًا لها حتى عام ١٩٢٦ عندما غيَّر موقفه كلية، وفجأة أغلق الجريدة وأصدر اعتذارًا أعده له رئيس اللجنة اليهودية الأمريكية مارشال Louis Marshall في نيويورك، ووقَّعه فورد دون أن يقرأه، وكان فورد قد بدأ يواجه العديد من المشاكل من جهات متعددة: في المصنع، في عائلته، في صحته، وربما أيضًا في طموحه السياسي. كان فورد مأخوذًا بالسيارة T باعتبارها سيارة شعبية ولا يريد أن يُدخل عليها أي تعديل، وكانت جنرال موتورز قد بدأت تكتسب حصة متزايدة من السوق، وكان ابنه إدزيل Edsel من أنصار التطوير، كذلك بدأت مبيعات فورد تتناقص داخل البلاد وخارجها، ربما بسبب عدم التطوير وربما بسبب مناهضة الجالية اليهودية. كذلك بدأت صحة فورد في التدهور، وفي نفس الوقت رفعت عليه دعاوى أمام القضاء بدعوى الإساءة إلى الشعب اليهودي، وأخيرًا فقد بدأ بعض المحيطين بفورد يزوِّقون له فكرة الترشُّح لرئاسة الجمهورية وما يتطلبه ذلك من ضرورة تغيير لصورته. وأيًّا كانت الظروف والأسباب، ففي اجتماع عقده فورد مع مساعديه لمناقشة أمور المصنع أشار بشكل عابر إلى رغبته في إغلاق الجريدة، ثم انتقل إلى البند التالي في جدول الأعمال. وفي منتصف عام ١٩٢٧ وصلت مارشال رئيس اللجنة اليهودية الأمريكية رسالة بأن فورد يريد أن ينهي المشكلة وأنه على استعداد لكل شيء، فكان أن أعد له بيان اعتذار على ما أشرنا، وتم سحب كتاب «اليهودي الدولي» من الأسواق، وبعد قليل تنازل هنري فورد عن رئاسة الشركة لابنه، ولم يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية، وطويت صفحة معاداة السامية لفورد في نفس الوقت الذي بدأت ترتفع أصواتها في ألمانيا.

وليس الغرض من هذه الرواية هو مجرد التسلية، وإنما الإشارة إلى عدد من الملاحظات: الملاحظة الأولى هي أن العداء للسامية له جذور في الثقافة الغربية في أوروبا ولكن أيضًا في العالم الجديد في أمريكا، والملاحظة الثانية هي أن هنري فورد ليس مجرد فرد عادي وإنما هو رمز من رموز الحياة الأمريكية الحديثة، وأن فورد كان يرسم لنفسه رسالة تبشيرية، وكان يعتقد أنه يختزل الروح الأمريكية ومُثُلَهَا. والملاحظة الثالثة هي أن أفكار هنري فورد في ذلك الوقت — بداية القرن العشرين — لم تكن نشازًا في الحياة الأمريكية، ربما كانت أكثر تطرفًا، ولكنها كانت تعبر — بشكل عام — عن الاتجاه العام السائد، ومعنى ذلك أن المجتمع الأمريكي ليس كتلة جامدة صماء غير قابلة للتغيير، بل إن المزاج العام الأمريكي قابل للتغيير، وهناك مقابلة أو صدفة تاريخية تستحق الرصد؛ ففي بداية القرن العشرين كانت النظرة الأمريكية الغالبة إلى اليهودية تتراوح بين العداء السافر وبين الريبة والتشكك، وفي نهاية القرن تحولت هذه النظرة إلى تعاطف كامل مع اليهودية ومع إسرائيل، وها نحن نبدأ القرن الحادي والعشرين والنظرة الأمريكية الغالبة للإسلام والعروبة تتراوح بين العداء السافر وبين الريبة والتشكك؛ فماذا يكون عليه الأمر في نهاية هذا القرن؟ الله أعلم!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.