سوء تفاهم للدكتور بشر فارس

الدكتور بشر فارس صديق عزيز عليَّ، أَثِير عندي، وأنا على وده حريص، وبإخائه ضنين، ولكني لا أحابيه، ولا أغرر بالقارئ، حين أقول إن كتابه الجديد «سوء تفاهم» تحفة أدبية.

وأصفه أولًا، فأقول إنه — وأعني الكاتب لا كتابه — رجل بيته أنيق مرتب، وعقله منظم، ودراسته — على سعتها — مبوبة كأنها — وهي في رأسه — على رفوف لا تكلفه إلا مد اليد للتناول من قريب، وهو كريم يعطي ما يجاوز حد الكفاية، ولكن في طباعه حكمة تأبى عليه الإسراف، وتصده عن البعثرة، وتحميه أن يجمح به التمرد بغير عنان، وفي جبينه وضوح، وفي عينه سعة، ولكن النظرة فاحصة، والحزم يطالعك من هذه الديباجة السهلة والوجه الأبيض الناعم.

وما رأيت كتابًا يدل على صاحبه، ويصوره كهذا الكتاب، ولو كان كل قارئ يعرف الدكتور بشر كما أعرفه، ويخالطه، لشهد لي بالصدق، ولشعر أن الكتاب لا ينقصه أن تنشر فيه لصاحبه صورة، أو ترجمة.

هذه الأناقة في «الطبع»، هي أناقة الدكتور بشر في الملبس والمطعم والمسكن في غير تكلف يثقل أو شطط ينفر. وهذا «الذوق» في محلى الكتاب وخط عنواناته، وفي فهرسه، كأنه عروس محتشمة تجهز بما يجملها يوم تمضي إلى وجهتها — هو «ذوق» الدكتور بشر. وهذه الوجازة في الأقاصيص التي اشتمل عليها الكتاب، والقصد في العبارة بعض آيات الحكمة التي بنى عليها الدكتور بشر وصرفته عن تكلف ما لا غناء له ولا محصول وراءه، والدكتور بشر مفطور على الإيجاز، لا الاقتضاب، ففي حيث تكفي الإشارة لا يعدوها إلى الكلمة، وإذا أغنت الكلمة المفردة اجتزأ بها عن الجملة، وإذا وجبت الجملة اجتنب المطَّ واللتَّ والعجن، وهو هكذا أبدًا — في حياته، وفي كتابته. ومن هنا ما تراه في أسلوبه من التدقيق والإحكام ومتانة البناء والاستغناء عن الحشو والزهد في الإسهاب، كأنما يزن ألفاظه بميزان صيدلاني، أو يكتب بأسلوب طبيب يخط وصفة.

وللدكتور بشر أسلوبه الخاص الذي ينفرد به، ويتميز، وقد قلت فيه من قبل — يوم تناولت كتابه «مباحث عربية»: إنه «أسلوب العالم الأديب، فكل كلمة في موضعها وكل جملة تؤدي المراد بلا زيادة أو نقص، وعبارته مفصلة على قدود معانيه، تفصيلًا ليس أدق منه ولا أحكم مع الوضوح وإشراق الديباجة ولطف التخير وحسن التصرف، ومع اجتراء العالم الواثق على الاستحداث حين يقصر الموجود عن حاجة التعبير».

بهذا وصفت أسلوبه في كتاب نهجه علمي، وإن كانت مباحثه أدبية، وما زال هذا وصفي لأسلوبه في كتابه الجديد وإن كان مجموعة من الأقاصيص القصار، والأقصوصة — كالقصة — تحوج إلى رسم الشخصيات، بإيجاز أو إطناب، وإلى الحوار والوصف.

ولا معدى عن قدر من التفاوت بين الأسلوب في القصة والأسلوب في البحث، ولكن الدكتور بشر احتفظ بخصائص أسلوبه كلها، وأبرزت معالجته للقصة خصائص أخرى لم يكن إلى بروزها من سبيل وهو يتناول مسألة البحث.

ويمكننا أن نقول إن الأداء عربي مبين، ولكنه — على علو اللسان وقوة البيان — يؤثر المنهج الغربي في تقطيع الكلام وتركه جملًا كل منها قائم بنفسه غير موصول بما يليه أو يسبقه إلا من حيث المعنى. وهو في هذا يشبه إخواننا وزملاءنا أدباء العربية في المهجر الأمريكي، ولكنه يمتاز بالصحة والسلامة والقوة والمتانة.

وكل أقاصيصه على نحو ما وصف في المقدمة: «يجب أن تكون القصة برقًا لماحًا طي سحب سود، والسحب السود هي الحياة الجياشة، ويجب أن تنطوي القصة على الشاعرية في الأداء وفي التصوير خاصة، حتى تفلت من جفوة الواقع. وأما قوامها فرهافة في تحسس القيم الإنسانية، بمعالجة كأنها هينة، مادتها حادث تفه، عبارة سانحة، شعور قد ومض، مع اجتناب التبيين المنطقي.»

وأحسب أن هذا من أصدق ما يقال في الأقصوصة، أما القصة الطويلة فلا غنى فيها ولا معدى عن مقدار من الإفاضة في التبيين المنطقي، والتحليل المطرد، والغوص المتتابع.

ويقول أيضًا في وصف القصة فيجيد: «فالقصة ليست للتسلية، عليها أن تثير القارئ وأن تشغل باله.» وهذا من أصدق ما يقال في وظيفة الأدب على العموم.

وأشهد أن قد أثارتني وشغلت بالي اثنتان من أقاصيص هذه المجموعة، على الخصوص؛ «طبق فول»، و«مبروك». بارك الله في أديبنا، وزاده من نعمة هذه القدرة التي لا يؤتاها إلا الأقلون.

أما موضوع الأقاصيص فمنتزع من صميم الحياة، وهي على قصرها، ترسم لك صورًا «مثيرة» يرفعها الكاتب قبل العيون، متلطفًا، مترفقًا، وأحيانًا ساخرًا متهكمًا، ولكنه في الحالين عطوف مخلص وسخره مصدره للفن، وليس من غطرسة الزراية على الضعف، أو احتقاره، وأحسب أن روح العطف ستقوى في قصصه على الأيام، وتزداد وضوحًا، والعطف من سعة الروح ومروءة القلب، وقصة «مبروك» تشهد وحدها وبمجردها للدكتور بشر، أنه رجل عطوف، وأنه خليق أن يخلو سخره من المرارة والنقمة، وهو خالٍ ولله الحمد والمنة.

سعد زغلول في أقضيته

كتاب نفيس لصديقنا الأستاذ عبده حسن الزيات المحامي، والناس يعرفون سعدًا زعيمًا وطنيًّا، ورجل سياسة وكفاح، ولكنهم قلما يذكرون أنه كان قاضيًا وكان له في القضاء شأن، وأثر عظيم، ولم يرد الأستاذ الزيات بكتابه أن يدل على هذا الأثر، وإنما أراد — على ما استخلصنا من كتابه — أن يصور جانبًا من شخصيته ونفسيته كما تبدو لمن يتدبر قضيته، والكاتب من عشاق هذه الشخصية، والمعجبين، بل المفتونين بها، وليس هذا مما يعيب الكتاب، بل مما يزينه ويزيد في قيمته، ولأن الإعجاب أدعى إلى الإنصاف، والمبالغة في الإنصاف خير ألف مرة من المبالغة في الغمط، والجماعة الإنسانية تكسب بإنصاف رجالها وزعمائها، حتى مع الغلو في ذلك، ولا تخسر، ولكنها تخسر على التحقيق بغمط أقدار هؤلاء الرجال، وقد يكون من النقائض أن الرجل كلما علا شأنه وعظم قدره، وضخم أمره يكون أشد افتقارًا إلى الإنصاف من سواه؛ لأن الشهرة تظلمه بما تبرز مما يخفى في العادة، وتجسم كل ما له وفيه، ومن خير وشر، وقوة وضعف ومحاسن ومعايب، ويجعل لهذا كله أكثر من نسبته الصحيحة وقيمته الحقيقية، والإنسان من طين، والطين لا يخلو من ضعف، والضعف يجب اغتفاره للطين، فإنه هو الأصل العام وما صيغ أحد من سواه حتى يزدري عنصره في غيره، فالعدل يتطلب رد الميزان إلى الاعتدال، ورده يحتاج إلى جهد، ومن هنا يجيء ما نعده مبالغة في الإنصاف، وما هي بمبالغة، وإنما هي محاولة لرفع الظلم الذي تجره الشهرة.

ولا نحاول أن نصف الكتاب، فإن هذا عسير، ولكنا نقول، ونعتقد أننا لا نعدو الحق: إنه سفر نفيس، مكتوب بقلم رجل محقق، لا ينقصه الخيال، ولا تعوزه الذمة والأمانة، ولا يفتقر إلى قوة الأداء وحسن البيان، فإنه أديب، وما زلنا نعود، كلما ظمئنا، لننقع الغلة من كتابه «حكايات من الهند».

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.