أثار كاتب فاضل في الأسبوع الماضي في «الأهرام» من جديد موضوع تمثال سعد باشا، وناقش في المكان الذي يصلح له، فاعترض على «نفي» التمثال إلى خارج القاهرة في الجزيرة، مدافعًا عن ميدان الإسماعيلية، ومقررًا صلاحيته وأفضليته، واقترح إنْ لم يوافق الفنيُّون على ميدان الإسماعيلية، أنْ يعمل على توسيع آخَر داخل المدينة كميدان باب الخلق، أو ميدان العتبة الخضراء، وإقامة التمثال فيه ليكون قريبًا إلى الجماهير في غدواتها وروحاتها.

وعلقت «الأهرام» على هذا الرأي بأن المكان الذي اختير الآن، أيْ ميدان الجزيرة أمام كوبري قصر النيل، ليس بالمكان البعيد؛ لأن القاهرة تمتد بحركة سريعة على الشاطئ الغربي، فلا يلبث حتى يكون مجرى النيل في وسط المدينة بعد أعوام قلائل، وعندئذٍ يصبح المكان الذي اختير للتمثال في وسط العاصمة وفي أحسن مكان منها.

وقد أصابت «الأهرام» في كلامها عن امتداد العاصمة إلى الشاطئ الغربي في هذه الأعوام، بَيْدَ أنَّ ما يدعو إلى الاستغراب هو أنَّ الامتداد من هذه الناحية لم يجيء إلَّا بعد أن ترامت أطراف المدينة من الجهات الشرقية والجنوبية والشمالية، وما يتخللها من الجهات المشتركة، مع أن ناحية الجزيرة أجمل تلك الأنحاء وأقربها، وهي أحرى سائر جهات المدينة بالعمران لأسباب متعددة.

***

والإبطاء في تعمير ناحية الجزيرة غير منطقي؛ لأن وجود النهر سبب من أقوى الأسباب في إنشاء مدينة كبيرة أو عاصمة في ذلك المكان، نظرًا لما يقدِّمه مجرى الماء من وسائل النقل والتجارة والاقتصاد، فضلًا عن وسائل الجمال والفن والزينة.

والدليل أنَّ أكثر عواصم الدنيا وأهم الحواضر والمدن قائمة على ضفاف نهر كبير أو صغير، فهل نذكر باريس دون نهر السين الذي يشقها، وروما دون التيبر الذي يجتازها، ولندن دون التايمز، وفيينا دون الدانوب، وبرلين دون الشيريه … إلخ.

وأوفر هذه العواصم حظًّا هي مدينة القاهرة القائمة على النيل المقدَّس، أكبر أنهار العالم وأقدمها تاريخًا، وأوفرها امتزاجًا بحياة الأمة المصرية في حضارتها وذكرياتها وديانتها القديمة، ورغم ذلك فقد كان بعد نشأة مصر الحديثة أبعد الأنهار عن العواصم التي يقال إنها مشادة على ضفافها!

وبعد أنْ ظل النهر البديع قصيًّا في «الضاحية»، يقصد إليه للتنزه وتبديل الهواء والترويح عن النفس، ولا تقوم على جانبيه إلا منازل قليلة متباعدة، ها قد جاء دور إنصافه، فلا يطول حتى تحتضنه القاهرة احتضانًا وتنيله قسطه من حياتها وانفعالها ونشاطها المحسوس، ولا يطول حتى نألف هنا الجملة المستعملة في باريس مثلًا فنقول: إنَّ ذلك الشارع قائم على الشاطئ الشرقي، وإنَّ ذَيَّاكَ المنزل كائن على الشاطئ الغربي. ولا يطول حتى تنبض حياة العاصمة قُرْب أبي الهول، فتعيش القاهرة حقيقة لا مجازًا في ظل أهرامها العظيمة.

ولكن أيكفي ذلك؟ أيكفي أن يصبح ميدان الجزيرة في داخل المدينة ليُنصب فيه التمثال؟ وأن تكون تلك البقعة فسيحة رائعة الجمال تجتمع عندها الطرق ومنها تتفرع، لتصلح لإثارة الذكرى الخاصة المرتبطة بالتمثال؟

***

لو كانت المسألة مسألة اتساع وجمال بين الأشجار والحدائق، وسيطرة على فروع النيل من الجانبين، لكانت هذه أوفى بالغرض من كل بقعة سواها، ولو كانت مسألة توسُّط في المدينة وامتزاج بالجمهور، لكان أيُّ ميدان في داخل القاهرة لائقًا بالتمثال فيها، لو تمت له المساحة المطلوبة من الوجهة الفنية، ولكن التوسُّط والقُرْب والاتساع والجمال شروط — على أهميتها — يسبقها جميعًا شرط جوهري هو «الرابطة التاريخية».

وقد يُرَدُّ على هذا بأن «الرابطة التاريخية» متوفرة بين التمثال وبين جهات أخرى من العاصمة، بل بينه وبين أية ناحية من أنحاء القطر.

وهذا مفهوم وصحيح، غير أنَّ ميدان الإسماعيلية أحكم تلك النقط ارتباطًا؛ فهو أقرب مكان إلى بيت سعد «بيت الأمة»، وهو أقرب ميدان إلى البرلمان، وهو الذي تجلت فيه غيرة — مرة — وطنية الشعب، ودوت جوانبه بهتاف الحماسة في حالات قومية عديدة.

هو بالجملة المكان الذي تكون فيه رابطة التاريخ بالفن، ورابطة التمثال بالذكرى أحكم ما تكون، وهو بعدُ مكان تمَّتْ له شروط التوسط والقرب والجمال، وإن كان دون ميدان الجزيرة جمالًا طبيعيًّا، وإذا احتاج أهل الفن إلى مزيد من المساحة فالتوسع ميسور.

إنما يقام التمثال لتخليد ذكرى خاصة حدثت وقائعها في أمكنة معينة، وستكون الأجيال الآتية بعدنا أشد اهتمامًا بالارتباط بين الأشخاص المخلدين والتماثيل الفنية والأمكنة التاريخية، فإذا ما ذكرت تلك الأجيال المواكب التي اجتازت ميدان الإسماعيلية، متأثرة بجاذبية سعد زغلول وبنزعته السياسية، ورأت تمثاله في ميدان الجزيرة، فإن تلك الأجيال ستتساءل حتمًا: وعلامَ لم يقيموا التمثال في ميدان الإسماعيلية، وهو المكان المعد لذلك بحكم الواقع؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.