وصلتُ عصر اليوم إلى سان فرانسيسكو لكي أتمكن من حضور اجتماع استثنائي: المؤتمر الدولي نصف السنوي الثاني المعني بالتطور والسرطان. ومن المقرر أن أُلقي مساء يوم الجمعة كلمة عن بعض الدروس التي يمكن أن نتعلَّمها عن السرطان من الحيوانات الأخرى، ولكنني في معظم أجزاء المؤتمر سوف أكون على الجانب المتلقِّي؛ إذ سأتعرف في ذلك الملتَقى الرائع على أحدث الأبحاث التي أُجريت في هذا المجال.

إن السرطان مرض تطوري في المقام الأول، كما شرحتُ في المقالة التي كتبتها عام ٢٠٠٧ في مجلة «ساينتيفك أميريكان»، وأقصد بذلك أن السرطان يمثِّل تهديدًا لا مفر منه لأي كائن متعدد الخلايا، وهو ما أدى إلى تطور العديد من دفاعات مقاومة السرطان في تكويننا البيولوجي. إلا أنه في كل مرة يظهر مرض السرطان، فإنه يظهر في إطار عملية تطورية؛ أي عملية انتخاب طبيعي تحدث داخل أجسادنا. فمع نشأة طفرات جديدة، يكون أداء بعض الخلايا السرطانية أفضل من غيرها. فتتطور الأورام؛ إذ تكتسب خلاياها قدرات من شتى الأنواع — مثل اجتذاب أوعية دموية جديدة لإشباع شهيتها النهمة — لم تتوفر لدى أسلافها.

وقد عكف عدد من العلماء على استكشاف سبلٍ لخوض المعركة ضد السرطان، وقد أثرى هذه المحاولات فهمٌ لكيفية سير عملية التطور. وإنها فكرة واعدة، لكنها تتطلب الإجابة على كثير من الأسئلة الأساسية قبل أن يبدأ عدد كبير من المرضى في تلقي العلاجات القائمة على نظرية داروين. واليوم — على سبيل المصادفة السعيدة — نشر كارلو مالي، من جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو وأحد منظمي المؤتمر الذي سوف أحضره، وزملاؤه ورقةً بحثية في هذا الموضوع تحديدًا. ويقترح بحثهم أن تكون إحدى سبل محاربة السرطان هي كبح جماح تطوره.

على مدى عقد من الزمان، ما انفكت الأدلة تُظهر أن تناول جرعة يومية من الأسبرين يمكن أن يخفض نسبة الوفيات الناتجة عن أنواع عدة من السرطان. غير أن سبب ذلك ظل حبيس صندوق أسود؛ فأقدم مالي وزملاؤه على محاولة فهم ذلك السبب. فرَّكزوا على نوع محدد من السرطان يمكن للأسبرين أن يساعد في التعامل معه، وهو سرطان يصيب المَرِيء. فالناس أحيانًا يُصابون بحالة ما قبل السرطان تُدعى مَرِيء باريت؛ حيث تبدأ خلايا سريعة النمو وغير منتظمة الشكل في النمو على بطانة المَرِيء. وأحيانًا ينشأ عن تلك الخلايا أخرى سرطانية مكتملة، تتسبب في الإصابة بالسرطان الغدِّي في المَرِيء.

وعلى مدار سنوات، عكف مالي وزملاؤه على دراسة مجموعة كبيرة من المرضى المصابين بداء مَرِيء باريت. ولأغراض ذلك البحث تحديدًا، أرادوا متابعة تطور السرطان لدى المرضى في حالتَي تناول الأسبرين وعدم تناوله، فاختاروا ثلاثة عشر شخصًا من الدراسة وفحصوا خزعات أُخذَت من المَرِيء على مدار عشرين عامًا.

ثم أخذ العلماء عينة من الخلايا من كل خزعة وفحصوا حمضها النووي بدقة. فأتاحت لهم تلك المعلومات رسم الأشجار التطورية لخلايا السرطان، حتى يروا كيف تطورت الخلايا من سلف مشترك. ومن خلال تتبع فروع الشجرة، تمكن العلماء من التعرُّف على الطفرات الجديدة والكروموسومات المكسورة وغيرها من التشوهات التي طرأت على طول الطريق. فتسنى لهم آنذاك حساب معدل ظهور تلك التشوهات.

كانت النتائج واضحة إلى حد بعيد؛ فقد خفض الأسبرين معدل ظهور تشوهات جديدة في الخلايا السرطانية، بمعامل قدره عشرة. فالانتخاب الطبيعي لا يعمل إلا إذا كان ثمة اختلاف ليختار منه. فكلما زاد التباين، زادت سرعة تغييره للمجموعات، سواء أكانت جماعات من النمل العسكري أم زهور الأذريون أم الخلايا السرطانية. وتشير دراسة مالي إلى أن الأسبرين يحفظ سلامة الحمض النووي للخلايا السرطانية إلى حد ما، ومن ثم يحول دون تطورها.

وتتمثل إحدى النتائج المثيرة للاهتمام التي توصلت إليها الدراسة الجديدة في أنه في كثير من الحالات لم تراكم الخلايا طفراتها تدريجيًّا، وإنما على دفعات مفاجئة. فهل يمكن أن يكون ذلك توازنًا متقطعًا داخليًّا؟ وعلى أية حال، لا يمكن لدراسة موضوعها ١٣ شخصًا فقط إلا أن تكون دراسة أولية؛ أي إنها بمنزلة الخطوة الأولى لاستكشاف عالم من الأفكار الجديدة، ولكنها توضح أيضًا مدى الثراء الذي قد تكون عليه هذه الأفكار.

Putting the Brakes on Cancer’s Evolution by Carl Zimmer. The Loom. June 14, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.