نحن معتادون على رؤية الطبيعة في لقطات منفصلة، فنُظهر اندهاشنا من تكيف الأنواع البيولوجية، لكننا لا نبذل كثيرًا من التفكير في الكيفية التي تأقلمت بها تلك الأنواع. وقد تصبح هذه اللقطات المنفصلة مثيرة للحيرة للغاية حال دراسة تباين الكثير من الأنواع المختلفة. فيمكن أن يملك كل نوع حلًّا مختلفًا على نحو جذري لنفس المشكلة. لكن إذا كان ثمة حل واحد بالغ التأثير، فكيف لحل آخر أن يتطور في ظله؟

يكمن حل هذا اللغز في الابتعاد عن اللقطات المنفصلة. إن النوع شيء ضبابي يتضمن ألوانًا متنوعة. ويتألف النوع من مجتمعات تمتد عبر نطاق جغرافي، ويتألف كل مجتمع من العديد من الأفراد، لكلٍّ منهم مجموعة جيناته الخاصة المختلفة عن غيره إلى حد ما. تتدفق تلك الجينات عبر النطاق، من فرد لآخر، وتمتزج في تراكيب جديدة، بعضها يمتد عبر أجيال كثيرة، وبعضها يتلاشى بعد جيل واحد.

لدي صورةٌ هنا تضرب مثلًا رائعًا على هذه الضبابية. تُظهر الصورة ضفادع تعيش في كوستاريكا في بقاع مختلفة على طول ساحل المحيط الهادي. يتلون بعضها — مثل الضفادع الخضراء التي تعيش عند الطرف الشمالي من الساحل — بألوانٍ تساعدها على الاختفاء وسط النباتات المحيطة. إنها طريقة مدهشة للاختفاء من الحيوانات المفترسة بمواءمة لون الجلد مع لون النباتات المحيطة.

أما الضفادع الأخرى — مثل الضفادع ساطعة الحُمرة الموجودة عند الطرف الجنوبي من الساحل — فلا تتخفى على الإطلاق. إنها تستخدم ألوانًا براقة، بدلًا من ألوان التعمية، لتفادي الحيوانات المفترسة. تفرز هذه الضفادع سمًّا في جلدها، يمكنه إمراض الحيوان المعتدي أو قتله. ومن خلال الاصطباغ بلون براق ينبثق من البيئة المحيطة، تسهِّل هذه الضفادع على الطيور والحيوانات المفترسة الأخرى تعلُّم الربط بين مظهرها والمرور بتجربة بغيضة. نتيجةً لذلك، تبقى الحيوانات المفترسة بعيدًا.

إنهما حلان لنفس المشكلة؛ وهذا من شأنه إثارة التساؤل عن السبب وراء تخفي بعض الضفادع عن أعين الحيوانات المفترسة في حين تحاول ضفادع أخرى لفت أنظار هذه الحيوانات إليها.

وإليك الأمر الرائع بصدد هذه الصورة؛ تلك الضفادع تنتمي لنفس النوع؛ وهو الضفادع السامة ذات الجلد الحُبيبي.

في دورية «إيفولوشن»، ألقت بياتريس ويلينك — من جامعة كوستاريكا — وزملاؤها نظرة على الطيف الكامل لهذا النوع، بدءًا من الضفادع ذات اللون الأخضر المموه إلى الضفادع ذات اللون الأحمر القاني. لا تختلف الضفادع في اللون وحسب، وإنما تختلف كذلك في سلوكياتها. فالضفادع ذات اللون الأخضر المموه تعتبر خجولة مقارنةً بالضفادع الحمراء. فقد وجدت ويلينك وزملاؤها أن نقيق ذكور الضفادع الخضراء لا يتعدى نصف وقت نقيق ذكور الضفادع الحمراء — على سبيل المثال. كما أن الضفادع الخضراء تقضي وقتًا أقل في البحث عن الغذاء. ورغم أن كلًّا من الضفادع الخضراء والضفادع الحمراء متشابهان في الجلد وتركيب المخ، فإن الضفادع الخضراء تبقى على قيد الحياة بالاختباء، بينما تحمي الضفادع الحمراء نفسها من الموت بلفت الأنظار.

تتزاوج الضفادع مع جيرانها دون قيود، مما يعني أن الجينات يمكن أن تتدفق من أحد طرفي سلسلة النوع في اتجاه الطرف الآخر. ومع ذلك، فإن تلك الجينات المتدفقة لم تحوِّل هذا النوع البيولوجي إلى نمط واحد من الضفادع. فعبر قرابة الخمسة والعشرين ميلًا، تمتد الجينات لتشمل الأنواع على طول المسافة بين الضفادع التي تنجو بالتمويه وتلك التي تنجو بلفت الأنظار.

وبقدر فاعلية هاتين الاستراتيجيتين، وجدت ويلينك وزملاؤها أن الضفادع التي تقع بين طرفي النقيض توسطت الألوان؛ فكان بعضها ذا لون أخضر مصفر، بينما كان بعضها الآخر برتقالي اللون. لكن هذه الضفادع التوسطية لم تتدرج بسلاسة من أحد طرفي الطيف إلى الطرف الآخر؛ وإنما امتلكت مزيجًا مدهشًا من السمات.

ثمة طريقتان تتباين بهما الضفادع مع البيئة المحيطة بها؛ ألا وهما السطوع والألوان. أما الضفادع التوسطية، فإن درجة تباين السطوع لديها منخفضة — مثل الضفادع الخضراء — لكنها تتمتع بدرجةِ تباينٍ لونيٍّ مرتفعة — كالضفادع الحمراء. لكنها لا تملك مستوًى توسطيًّا من الجرأة، وإنما تتمتع بدرجة من الجرأة تضاهي جرأة الضفادع الحمراء تقريبًا.

إنَّ كل الضفادع التي تنتسب إلى هذا النوع مضطرة إلى التأقلم مع وجود الحيوانات المفترسة، ولذا تطور طرقًا مختلفة لفعل ذلك — ليس فقط من خلال التمويه والظهور، ولكن بمزج الاستراتيجيتين معًا. فتذهب ويلينك وزملاؤها إلى أن درجة تباين السطوع المنخفضة لدى الضفادع التوسطية تعد طريقة جيدة لتفادي ملاحظة الطيور لها؛ إذ إن أدمغتها تعوِّل على تباين السطوع المتغير لملاحظة فريستها. فإذا ما أخفق ذلك، واقترب الطائر للتحري، يظل بإمكان الضفادع دعم فرصها في النجاة من خلال التباين اللوني العالي، وهي الطريقة التي تتعلم بها الطيور البقاء بعيدةً عن الفريسة السامة.

لسبب ما لم يستوعب العلماء الأمر بعد؛ حيث يختلف مزيج الاستراتيجيات التي تعمل على الوجه الأمثل عند الطرفين الشمالي والجنوبي من النطاق الجغرافي للضفادع. وقد توصل إيان وانج — من جامعة كاليفورنيا بدافيس — إلى أن مجتمعات الضفادع الصفراء والخضراء تطورت من الضفادع الحمراء. بعبارة أخرى، لقد تخلت تلك الضفادع عن ألوان أسلافها البراقة، ويحتمل أن تفسر الجغرافيا سبب هذا السلوك. على سبيل المثال، ربما تواجه الضفادع الشمالية خطرًا أكبر من الثعابين التي تعتمد على الرائحة، وليس الرؤية، للتعرف على الفرائس الخطيرة.

كما توصل وانج أيضًا إلى أن الضفادع الخضراء أكثر سُمِّية في الواقع من الضفادع الحمراء. فبدلًا من إهدار الجهد في تكوين الأصباغ الحمراء البراقة، لربما تكون الضفادع الشمالية قد تطورت بحيث تركز طاقاتها في تصنيع السم.

وأيًّا ما كانت الإجابة، فإن الصورة التي بين أيديكم توضح شيئًا واحدًا: أن ثمة أكثر من طريقة ليكون الضفدع سامًّا وذا جلد حُبيبي.

Poison, Camouflage, and the Rainbow of Evolution by Carl Zimmer. The Loom. June 13, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.