أمستيقظة هي أم نائمة؟! أواضحة هي أم غامضة؟! أمؤثِّرة هي في أعمال الحكومات أم ليس لها في هذه الأعمال تأثير قليل أو كثير؟ هذه أسئلة يلقيها الذين يتتبعون الحياة العالمية في هذه الأيام على أنفسهم إذا خلوا إليها، ويلقيها بعضهم على بعض إذا لقي بعضهم بعضًا، ومن الطبيعي أن تكون الأجوبة على هذه الأسئلة مختلفة فيما بينها أشد الاختلاف؛ لأن الشعوب نفسها متغايرة فيما بينها أشد التغاير.

ولكن من الممكن مع ذلك — بل من المؤكد — أن هناك مقدارًا مشتركًا تتفق فيه الشعوب المتحضرة جميعها، مهما يكن حظها من الرقي، ومهما يكن بينها من التفاوت في هذا الرقي؛ فليس من شك في أن كل شعب متحضر من شعوب الأرض الآن قد اكتسب حاسة جديدة لم تكن موجودة من قبل، وإن تفاوتت حظوظ هذه الشعوب من هذه الحاسة؛ وهي حاسة الطموح الملحوظ إلى تحقيق مقدار من العدل في النظم السياسية والاجتماعية لا تستطيع الشعوب أن تعيش بدونه.

وكان رقي الحضارة، وانتشار الثقافة، وتغلغل التعليم في طبقات الأمم، كان هذا كله مصدرًا لنشوء هذه الحاسة الجديدة وما أدت إليه من تطور خطير في حياة الأفراد والجماعات، ومع أن هناك مقاييس مختلفة للصلة بين الحضارة وبين هذا الحس الجديد، ونحن نستطيع أن نثق بهذا المقياس الخاص، مقياس انتشار الثقافة، وتغلغل التعليم؛ فهو الذي أثار فكرة المساواة بين الغالبين والمغلوبين في القرن الثاني للهجرة، وأدال من بني أمية لبني العباس، وهو الذي أثار حركة الزنج في البصرة أثناء القرن الثالث للهجرة، وحركة القرامطة في العالم الإسلامي الشرقي آخر القرن الثالث، وأثناء القرن الرابع للهجرة.

فلولا نقل العلوم والآداب والفنون من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، ولولا انتشار هذه العلوم والآداب والفنون، ونزولها من الطبقات الممتازة إلى الطبقات الوسطى وإلى الطبقات المستضعفة؛ لما طمعت هذه الطبقات في العدل، ولما طمحت إلى المساواة، ولما كانت هذه الثورات.

وأمر أوروبا في ذلك يشبه أمر المسلمين، مع ملاحظة الفروق التي تنشأ عن الزمان والمكان، فخروج العلم والأدب والفن من أديرة الرهبان وقصور الأشراف وانتشارها بفضل المطبعة في المدن والقرى، وإباحتها لكل من استطاع أن يقرأ ويتثقف، هذا كله أذاع في أوروبا شعور الفرد بنفسه، وطموحه إلى تحقيق شخصيته، وطمعه في العدل والمساواة، وكل هذا دفع الأفراد والجماعات إلى التنكر للنظم القديمة، والتفكر في نظم جديدة تُرضي حاجة الناس قليلًا أو كثيرًا إلى العدل والحرية والمساواة.

وليس تاريخ أوروبا في العصور الحديثة إلَّا تصويرًا دقيقًا لهذه الصلة بين انتشار الثقافة والتعليم من جهة، وانتشار الشعور بالحاجة إلى العدل والحرية والمساواة من جهة أخرى. وليست الأحداث الخطيرة التي حدثت في أوروبا إلا صورًا لهذه الصلات، نشأت عنها وأثرت فيها، وقوَّت من جهة رقي العلم والأدب والفن، وقوَّت من جهة أخرى الشعور بالحاجة إلى العدل والحرية والمساواة؛ فأحداث الثورة الفرنسية، وأحداث الاستقلال الأمريكي، وحروب نابليون، واضطرابات أوروبا، وظهور الاشتراكية، والحربان العالميتان، وانتصار الشيوعية بينهما، كل هذه الأحداث وأحداث أخرى كثيرة لا تُحصى، نتائج طبيعية لهذه الصلة بين انتشار التعليم والثقافة، ووجود الشخصية الإنسانية الشاعرة بحقها، والطامحة إلى حقها في العدل والحرية والمساواة.

وما أريد أن أكتب فصلًا من فصول التاريخ، وإنما أريد أن أقف عند هذه الأحداث التي تضطرب لها الأرض الآن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ لأبيِّن أن هذه الأحداث ليست غريبة ولا طريفة ولا شاذة، وإنما هي ظواهر طبيعية لا سبيل إلى ردها، ولا أمل في اتقائها، بل يجب أن تبلغ آمادها، وتنتهي إلى غايتها، مهما يقاومها المقاومون، ويعارضها المعارضون.

وما أروع ذلك الرمز اليوناني القديم الذي ما زالت الإنسانية تجدُّ في فهمه وفقهه، وتستخرج منه روائع العبر والعظات! رمز ذلك المارد أو ذلك الإله الذي سرق النار من السماء وقدَّمها هدية لأهل الأرض، فأتاح لهم بذلك أن يعملوا ويجدوا ويكسبوا لأنفسهم حرية وكرامة تمكِّنهم حتى من أن يثوروا بآلهة الأولمب.

وقد عُذِّب ذلك المارد أو ذلك الإله أشد العذاب، ولكن الناس كانوا قد تلقوا عنه جذوة النار وأشاعوها فيما بينهم، وكسبوا لأنفسهم بها ما كسبوا من الحرية والعلم والأدب والفن، وبلغوا بها ما بلغوا من الرقي ومن الطموح الذي لا ينقضي إلى العدل والحرية والمساواة.

فهذه الجذوة التي سرقها ذلك المارد أو ذلك الإله قد أصبحت الآن نارًا عظيمةً هائلةً، يتوهج لهبها في أوروبا وأمريكا، ويتطاير شررها في كل مكان، ولا يكاد هذا الشرر يبلغ قطرًا من أقطار الأرض أو جيلًا من أجيال الناس حتى يثبت فيه ويستقر، ثم ينمو فيه ويضطرم، ثم يبعث حياة ونشاطًا وحرارة. وإذا الناس يتعلمون ويتثقفون ويشعرون بأنفسهم الفردية والاجتماعية، ويطالبون لهذه الأنفس بحقها الطبيعي في العدل والحرية والمساواة.

هذه الجذوة التي سرقها ذلك المارد هي التي كشفت للإنسان عن ضميره، وهي التي تنشر في الأمم والشعوب فتكشف لها عن ضمائرها. وإذا استكشف الإنسان ضميره، فليس إلى قهره ولا إلى إذلاله سبيل؛ لأن هذا الضمير مرآة صافية جدًّا ذات وجهين؛ أحدهما: يصور الظلم الذي لا يُطاق، والثاني: يصور العدل الذي لا يمكن الصبر عنه ولا الزهد فيه.

فالذين يريدون أن يردُّوا الشعوب عن طموحها إلى العدل والحرية والمساواة لن يبلغوا من ذلك شيئًا، إلَّا إذا استطاعوا أن يُطفئوا هذه الجذوة الخالدة، وأن يردُّوا مياه الأنهار إلى ينابيعها، ويمنعوا الكواكب والنجوم من أن ترسل ضوءها في الفضاء.

وإذا دلَّت حوادث الصراع بين الظلم والعدل، وبين الرق والحرية، وبين التفوق والمساواة على شيء، فإنما تدل على أن الإنسان كائن عجيب حقًّا، يجمع بين الرشد الذي ينشئ الحضارة ويرقيها، والحمق الذي يهدم هذه الحضارة ويلغيها. والرشد هو المنتصر آخر الأمر؛ لأنه انتصر دائمًا منذ سرق ذلك المارد تلك النار من السماء.

هذه الشعوب التي تضطرب في أوروبا لتظفر بالعدل الاجتماعي بعد أن ظفرت بالحرية السياسية، إنما ترى نفسها في مرآة ضمائرها، ترى بؤسًا لا يُطاق، ونعيمًا ممكنا لا بدَّ من بلوغه، فتنفر من البؤس البغيض، وتسعى إلى النعيم الأثير عند النفوس. وهي من أجل ذلك تغير نظم الحكم؛ لأن نظم الحكم ليست غايات في أنفسها، وإنما هي وسائل إلى إسعاد الأفراد والجماعات.

فإذا أعرض البريطانيون عن حكم رأس المال المحافظ إلى حكم الاشتراكية العاملة، فليس لذلك مصدر إلَّا أن ضمير الشعب البريطاني قد صوَّر له بؤسًا بغيضًا في ظل رأس المال، ونعيمًا ممكنًا في ظل الاشتراكية. وقل مثل ذلك بالقياس إلى فرنسا التي أرادت أن تستبقي شيئًا من المحافظة، فاستبقت في الحزب الجمهوري الشعبي محافظة اشتراكية — إن صح هذا التعبير — لأن ضمير الشعب الفرنسي قد صوَّر له بؤسًا منكرًا في نظام رأس المال، وأملًا باسمًا في النظام الاشتراكي.

وليس ما يحدث في أوروبا كلها الآن إلَّا صراعًا بين هاتين الصورتين اللتين تعكسهما ضمائر الشعوب: صورة اليأس القاتم من ناحية، والأمل الباسم من ناحية أخرى. وبمقدار ما يتاح لهذه الشعوب من القوة ومواتاة الظروف تنأى عن اليأس وتدنو من الأمل. وقد يطول هذا الصراع أو يقصر، ولكنه منتهٍ آخر الأمر إلى النتيجة التي ينتهي إليها دائمًا، وهي أن شمس الأمل ستمحو ظلمة اليأس.

وكان هذا الصراع يحدث في أوروبا وأمريكا وحدهما إلى أواخر القرن الماضي، بل إلى أول هذا القرن، ولكن الحربين العالميتين زادتا تلك النار تلظيًا والتهابًا، فانتثر منها الشرر انتشارًا، وتساقط في أقطار الأرض كلها، وجعل يستقر في كل مكان منها، ثم يذكو وينمو ويملأ النفوس حرارة، والقلوب نشاطًا، وإذا أقطار الأرض المتحضرة كلها تعرف نفسها، وتستكشف ضمائرها، وترى هاتين الصورتين: صورة البؤس الذي يجب التخلص منه، وصور النعيم الذي يجب السعي إليه.

هذه الشعوب التي تطالب بالاستقلال، وهذه الشعوب التي تطالب بالإصلاح الداخلي، وهذه الشعوب التي تذود الأجنبي عن أرض الوطن، وهذه الشعوب التي تحاول أن تغير نظم الحكم فيها؛ هذه الشعوب كلها كانت غافلة جاهلة، ثم بلغها العلم والثقافة، والعلم والثقافة لا يأتيان من الكتب وحدها، ولا يُلتمسان في المدارس وحدها، ولكنهما الآن يأتيان من كل وجه، ويُلتمسان في كل سبيل، ويُنالان بكل وسيلة. هذه الشعوب قد أدركها العلم والثقافة، فاستكشفت ضمائرها، ورأت ظلمًا يجب أن يُرفع، فهي تحاول أن ترفعه، وعدلًا يجب أن يُنال، فهي تحاول أن تناله.

والظالمون يقاومون ويشتدون في المقاومة، ولكن المظلومين يهاجمون ويشتدون في المهاجمة. وقد علمنا التاريخ — منذ كان التاريخ — أن المظلومين كانوا دائمًا أقوى من الظالمين، وأن أبواب السماء لا تُفتح لهم وحدها، وإنما تُفتح لهم في الوقت نفسه أبواب هذا الأمل الهادئ الذي يشيع في الجو فيُعلِّم المظلومين كيف يصبرون، وكيف يحتملون، وكيف يدورون حول المشكلات إلى أن ينفذوا من المشكلات.

هذا الذي يحدث في الشرق الأقصى بين الأمم المنتصرة المتفوقة، والأمم التي كانت خاضعة للاستعمار وتريد ألَّا تعود إلى هذا الخضوع ليس إلَّا شيئًا واحدًا؛ وهو أن هذه الأمم قد استكشفت ضمائرها، فرأت ذلًّا يجب أن يُمحى، وعزًّا يجب أن يتبقى، وهي تجاهد لتمحو الذل وتبلغ ما ينبغي لها من العزة.

ما هذا الذي يضطرب به الشرق الأوسط، والذي تُنقل إلينا أخباره مختلطة مشوهة، لا نتبين منها حقًّا ولا صوابًا؟!

ما الذي يحدث في إيران؟ أهو الصراع بين المنتصرين من الروسيين والسكسونيين؟ أهو صراع بينهم وبين الإيرانيين الذين يريدون أن يخلصوا لأنفسهم، وأن يستردوا حريتهم في وطنهم؟ أم هو صراع في الوقت نفسه بين الإيرانيين أنفسهم؛ لأن الأقوياء منهم يبغون على الضعفاء؟! كل هذا ممكن، وأكبر الظن أن كل هذا حق. ولكن هناك شيئًا آخر ليس فيه شك، وهو أن الشعب الإيراني على اختلاف طبقاته قد أخذ يستكشف ضميره، ويرى تسلُّطًا من الأجنبي لا ينبغي أن يبقى، ويرى ظلمًا داخليًّا يجب أن يُزال.

وهذه الأنباء التي أخذت تصل إلينا من تركيا، هذا الخوف من ثورة كردية أو أرمنية هنا أو هناك، هذا الخوف من ضغط أجنبي، هذه المحاولة لإنشاء معارض، هذا الاصطدام بين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال؛ لا يدلُّ هذا كله إلَّا على أن الشعب التركي قد أخذ يستكشف أعماق ضميره، ويطمح هو أيضًا إلى شيء أكثر من الاستقلال القوي المنيع؛ إلى العدل والحرية والمساواة.

وهذا الشرق العربي الذي يحاول أن يجمع كلمته، وأن ينفي التسلط الأجنبي عن وطنه، يُصلح من حياته فيُطعم الجائع، ويسقي الظمآن، ويكسو العريان، إنما يستكشف ضميره شيئًا فشيئًا، ويرى صورًا منكرة يجب أن تُهجر، وصورًا رائعة يجب أن تحب وتطلب.

وليس ما ترى في جميع أقطار الأرض من هذه الاضطرابات التي تعنف حينًا حتى تبلغ الحرب، وتلطف حينًا حتى لا تتجاوز الكلام؛ ليست هذه الاضطرابات إلا آثارًا قوية أو ضعيفة لهذه الضمائر التي كانت مدفونة في أعماق النفوس الإنسانية، فأخذ الإنسان يستكشفها شيئًا فشيئًا كما يستكشف الباحث في الأرض ما تضمر الأرض من الكنوز …

والإنسان مستكشف ضميره، وبالغ أعماق هذا الضمير يومًا من الأيام، والشعوب ظافرةٌ بحقوقها، وبالغةٌ غاياتها يومًا من الأيام، ولكن يجب أن تقرأ دائمًا هذه الآية الكريمة، وأن تتدبرها وتُحسن تدبيرها: ().

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.