ذكرنا في يوميات الأسبوع الماضي أن الأديبين الألمانيين «هيني» و«لسنج» قد خملت شُهرتهما قبل أيام الدولة النازية وبعدها، ولو كان هذا الخمول مقصورًا على البلاد الألمانية، وعلى أيام النازيين فيها، لأمكن أن يُقال إنه أثر من آثار اضطهاد النازيين لكل من ينتمي إلى أصل يهودي كهذين الأديبين الكبيرين، ولكنه غير مقصور على تلك الأيام.

وقد نبَّهَنا صديقُنا الكاتبُ المحقِّقُ الأستاذ «علي أدهم» إلى حقيقة من أمر «لسنج» لم نلتفت إليها. فإن أحد الأديبين — وهو هيني — ينتمي إلى أصل يهودي؛ لأن أسرته تنصرت كما تنصر كثير من الأسر اليهودية على عهد القيصرية؛ أي: قبل ظهور النازيين بنحو جيلين.

أما «لسنج» فقد كان في كتاباته عطف على اليهود، ودعوة إلى التسامح الديني وإلغاء الفوارق السياسية والاجتماعية بسبب العقيدة، ولكنه كان هو وأبوه وجده مسيحيين أبناء مسيحيين.

ونحن نشكر صديقنا على تنبيهه، ونشكر حقيقة التاريخ التي جعلت «لسنج» غير مستحق لاضطهاد النازيين بحق الجنسية أو العقيدة، وإن كانت «اليهودية» تلحق بالرجل على الرغم منه؛ لأن عطفه على المنبوذين السياسيين في بلاده قد نُسِي كله ولم يبقَ منه غير المناداة بالتسوية بين اليهود والمسيحيين في الحقوق الدستورية.

وليس النازيون وحدهم هم الذين ذكروه لهذه العلة؛ فإن اليهود أيضًا قد ذكروه ليحسبوه عَلَمًا من أعلام موسوعاتهم المقصورة عليهم، وقد جاءت باسمه موسوعة المعرفة اليهودية Encyclopedia of Tewish Knowledge لتقول إنه كان مسيحيًّا، ولكن إيمانه بالحرية الدينية جذبه إلى اليهود «وإنه لما أنس بصداقة موسى مندلسون، توَّج أعماله الأدبية بدرامة ناثان الحكيم، وجعل مندلسون فيها نموذجًا لحكمة ناثان، فكانت هذه الدرامة مساهمة واسعة في حركة التحرير.»

أما «لسنج» الذي كان من أصل يهودي ثم تنصَّر، فهو «ثيودور لسنج» الفيلسوف الذي وُلِد سنة ١٨٧٢، وقتله النازيون في مارينباد سنة ١٩٣٣، وقد تنصَّر قبل أيام النازيين بعد أن بلغ الحادية والعشرين، وتزوج من إحدى بنات الأسر الألمانية النبيلة، ولكنه ارتد مع سائر أهله وأقاربه إلى اليهودية وهو في نحو الخمسين، وأعلن جهاده في صفوف الصهيونيين فلقي حتفه على أيدي النازيين.

وبعدُ، فنحن نعود في هذه اليوميات إلى أطوار النقد والشهرة في الآداب الأوروبية، لنقول إن طالب المعرفة من ثقافة الغرب لا ينبغي أن يتلقى أحكام القوم على أدبائهم، كأنما هي القول الفصل والحكم الأخير في كل حين، ولا ينبغي كذلك أن يدخل في تقديره أسباب الخمول التي تصيب أعلام الأدب عندهم من أثر العصبية المذهبية والعداوة الاجتماعية، ولو كان ضحاياها أتباعًا للديانة اليهودية أو من ضحاياها عداوة الساميين التي يسمونها في الغرب باﻟ Anti–Somitism.

ولا نتكلم عما يعنينا في دعوتنا الأدبية، بل نتكلم عن جميع المسلمين حين نقول إنهم لم يبخسوا أحدًا قط لأنه ينتمي إلى دين إسرائيل، ولم يكن إعجابهم بمن يستحقون الإعجاب من أتباع الأديان الأخرى دون إعجاب إخوانهم في العقيدة والنِّحْلة، ولو كان من اليهود الأقدمين أو المحدثين، قبل محنة إسرائيل في فلسطين أو بعد محنة إسرائيل.

ولو عقل الصهيونيون لفهموا ذلك من تعظيم المسلمين لأنبياء بني إسرائيل وهم يعرفون لموسى وداود وسليمان وغيرهم بين الأنبياء أقدارًا أشرف وأقدس من تلك الأقدار التي وصفهم بها أتباع نِحْلتهم قبل الإسلام وبعد الإسلام.

ولا يزال المسلم إلى اليوم يفرق بين عداوة الصهيونية وعداوة اليهودية في كتب دينه؛ فهو لا يبخس عالمًا ولا أديبًا ولا صاحب فن من سلالة إسرائيل لأنه يدين بعقيدة غير عقيدته.

ولو عقل الصهيونيون مرة أخرى لما انتظروا من مسلم — أو غير مسلم — أن يقابل الصهيونية بغير المقت والنفور، وهم يقيمون القيامة على النازيين تنفيرًا للأمم منهم، وإثارةً للمقت عليهم؛ لأنهم شتتوا شملهم وأخرجوهم من ديارهم، فما صنع النازيون يومًا صنيعًا يبغضهم إلى الناس، لم يصنعه الصهيونيون أنفسهم بالأبرياء الآمنين من عرب فلسطين، وربما عرف الناس عذرًا للنازيين وهم يحاربون يهود بلادهم بعد خذلان هؤلاء لوطنهم في ميادين الحرب والسياسة، ولا عذر للصهيونيين بالحق أو بالباطل في اضطهادهم وتشريدهم لأولئك الأبرياء الآمنين من عرب فلسطين.

فإذا كانت «عداوة السامية» تجني على الأديب الغربي وتصيبه بالإهمال والخمول في البلد الذي وُلِد فيه، فالصهيونية وحدها هي التي تستحق منا مثل هذا الجزاء بميزان الحق والحرية والمروءة، ولا يحسن بالأديب العربي أن يجعل لميزان النقد الأدبي عنده اعتبارًا فوق هذا الاعتبار.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.